كوابيس غزة تلاحق الجنود والإدمان يحاصر جيش الاحتلال الإسرائيلي (تقرير)

تقرير: سمر صفي الدين

بعد أكثر من عامين على انطلاق المعارك في قطاع غزة في أكتوبر 2023، يبدو أن آثار الحرب لا تقتصر على الدمار الخارجي أو الأصوات العالية للانفجارات فحسب. بل تمتد إلى الأعماق النفسية والاجتماعية للمجتمع الإسرائيلي، وعلى نحو خاص إلى جنود الخدمة النظامية والاحتياط الذين خاضوا “حرب الإبادة”.

في هذه المعركة الداخلية، تتبدى أزمة أقل ظهورًا: الإدمان في صفوف الجنود، على المخدرات والمسكنات وحتى الكحول، كاستجابة للصدمة، وكمهرب من الكوابيس التي لا تنتهي.

في هذا التقرير، نقف على أرقام ومعلومات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية وأبحاث مختصة، ونبين كيف أن “المعركة بعد المعركة” تفتح جبهة جديدة في الداخل الإسرائيلي.

أرقام تكشف حجم الكارثة

في البداية، مراكز الصحة النفسية والمختصون في إسرائيل يرصدون ارتفاعًا غير مسبوق في نسب تعاطي المخدرات بين الجنود الذين خدموا في غزة، أو الذين كانوا ميدانيين أو احتياطيين.

وتقرير منشور في صحيفة The Times of Israel يشير إلى أن “نحو ربع الإسرائيليين (حوالي 26.6٪) قد انتهى بهم الاستخدام إلى مستوى خطر” بعد الحرب، أي بزيادة ملموسة مقارنة بما قبلها.

كما يكشف التقرير أن “استخدام المهدئات والمنومة ارتفع بنسبة 180٪، والمواد الأفيونية بنسبة 250٪” في صفوف الأزواج والأزواج لجنود الاحتياط. وهو مؤشر على أن التأثير لا يبقى داخل الجندي وحده بل يتعداه إلى العائلة.

من جهة أخرى، تقرير أعده موقع Ynet News عن الجنود المصابين وأُصيبوا في معارك غزة أو إبانها، كشف أن وصفات المواد الأفيونية في مستشفيات إعادة التأهيل ارتفعت زيادة حادة: ففي مستشفى كبير تم صرف 194 وصفة من دواء يحتوي “أوكسيكودون” في سبتمبر 2023. ثم ارتفعت إلى 632 في نوفمبر، و817 في ديسمبر من نفس السنة.

لماذا الجنود بالذات؟

الجنود، خاصة من احتياط الخدمة، يخضعون لضغوط ثلاثية، وفقًا لتقارير عبرية: الميدان، العودة إلى الحياة المدنية، والمساءلة الداخلية.

  • أولاً، الميدان: من خاض معارك غزة أو عمل في معابر وخطوط القتال عاد وكأنه “يطفئ كوابيسًا” ــ هذه عبارة نقلها أحد الجنود في شهادته المنشورة.
  • ثانيًا، العودة: حين ينقل الجندي من حالة “جهوزية قتالية” إلى حياة مدنية، أو خدمة احتياط، يتواجه فجأة مع الفراغ. ومشاهد الدماء، والعنف، والمساءلة النفسية.
  • ثالثاً، المساءلة: يخشى الجنود أن يسجل في ملفهم كمدمِن أو مصاب باضطراب نفسي كبير، ما قد يعيق مستقبلهم المهني أو قبولهم في وظائف مدنية. وهو ما يدفع الكثيرين “للعلاج السري” خارج المنظومة الرسمية لتجنب الوصمة.

إضافة إلى ذلك، انتشار المواد المخدرة وسهولة الحصول عليها داخل وحدات الاحتياط أو أثناء الخدمة أو ما بعد الحرب. إلى جانب دورة الصدمة والملل وبعد الدعم العائلي، كلها عوامل تجعل الجنود عرضة بشكل خاص.

الفجوة بين الحرب والعلاج

بحسب تقرير The Times of Israel، فإن هناك جمعية تدعى “جمعية الـ سام (SAM)” تعلن بأن “واحدًا من كل خمسة يتلقون علاج الإدمان هو جندي أو احتياطي”.

وهذا يشير إلى نسبة 20٪ تقريبًا. كذلك تقول إن ارتفاع نسبة المتوجهين للعلاج بلغت 20٪ مقارنة أعوام سابقة.

المشهد العائلي والتأثير الممتد

المعاناة لا تتوقف عند الجندي، التقرير يشير إلى أن الأزواج والأزواج لجنود أو احتياطيين يشهدون معدلات أعلى من القلق واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وكذلك في استهلاك الكحول والمخدرات.

هذا يعني أن التأثير يتحول إلى ظاهرة مجتمعية، كما أن الحرب تربك النسيج العائلي. وتفتح ثغرات نفسية تستخدم المخدرات كـ “مهرب”، ما يفاقم الانهيارات الأسرية، ويضع عبئًا على الدولة والمجتمع المدني.

بالإضافة إلى ذلك، كثير من الجنود يفضلون العلاج خارج السجلات الرسمية. ما يعني أن الأرقام التي تعلن تمثل فقط “قمة جبل الجليد” وليس الصورة الكاملة.

كيف تبدلت “معادلة الخطر” بعد غزة؟

قبل الحرب، كان الوضع النفسي والدوائي بين الجنود والاحتياطيين أقل حدة مما هو عليه اليوم. لكن بعد اندلاع الحرب. أظهرت الدراسات أن الجنود الذين خدموا أو كانوا قريبين من ساحة المعركة، هم من ارتفعت لديهم نسب التعاطي بشكل أسرع.

وتقرير Times of Israel أشار إلى أن “كلما كان الفرد أقرب إلى الصدمة في 7 أكتوبر، كلما زادت لديه خطورة استخدام المواد المسببة للإدمان”.

وبحسب موقع Ynet، فإن مشكلة الأفيونات بين الجرحى والمصابين تعد “المعركة الأخرى” التي يخوضونها.

اترك رد