الإعلامية هيام أحمد تكتب:«ما وراء اللعبة»

 


 


(Metagame)

الذين ظنوا أن العالم يُلعب.. لم ينتبهوا أنه يُعاد تشكيله أثناء اللعب.
في كل مرة نحاول فهم العالم،. نلجأ إلى تشبيه يريح عقولنا:
نقول إن الولايات المتحدة تلعب الشطرنج،، الصين تلعب الغو.
فنطمئن..لأن الصورة بدت مفهومة.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن العالم لم يعد رقعة أصلًا.المشكلة ليست في التشبيه، بل في الاكتفاء به.فالشطرنج يفترض عدوًا واضحًا، ونهاية حاسمة، ولحظة “كش ملك” تنهي كل شيء.وهذا ما بنت عليه واشنطن جزءًا من سلوكها: سرعة، صدمة، حسم.
لكن ماذا لو لم تعد هناك نهاية؟
هنا لا تظهر الصين كلاعب غو فقط، بل كقوة تعيد تشكيل المشهد بصمت.
لا تبحث عن فوز سريع، بل عن زمن أطول يسمح بإعادة توزيع موازين القوة تدريجيًا.
في منطق سون تزو النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك، بل بعدد المرات التي لا تُضطر فيها للقتال.
وبينما كانت الحروب تُعلن، كانت المساحات تُعاد كتابتها.
وبينما كان العالم يراقب سقوط أنظمة، كان نظام آخر يتشكل دون ضجيج. المسألة لم تعد صراع قوى فقط، بل صراع على من يملك حق تعريف ما يُعتبر قوة أصلًا، ومن يكتب السردية التي يقرأ بها العالم نفسه.

والأدهى أن كثيرًا من الدول تظن أنها تلعب، بينما هي مجرد قطع في لعبة لم تُصمم أصلًا لمصلحتها.
لم يعد الصراع بين أسلوبين في اللعب،بل بين من يراهن على اللحظة ومن يستثمر في الزمن. الصراع لم يعد بين لاعب شطرنج ولاعب غو، بل بين من يحسم المعركة سريعًا، ومن يغير قواعد اللعبة نفسها قبل أن تبدأ.
أخطر ما في اللعبة اليوم ليس اللاعبين..بل أن الرقعة نفسها لم تعد ثابتة لحظة واحدة.
العالم اليوم ليس رقعة، بل ساحة تُعاد صياغتها أثناء الحركة،
حيث يمكن لحركة صغيرة أن تغيّر التوازن،ولحظة إهمال واحدة أن تمحو تراكم سنوات.
والأخطر أن بعض الدول لا تخسر لأنها ضعيفة،بل لأنها تتحرك داخل لعبة لم تدرك أنها لم تكن هي من كتب قواعدها.

الحل ليس في اختيار لعبة بدل أخرى،
بل في تجاوز فكرة اللعبة نفسها.
أن ترى القواعد قبل أن تُفرض عليك،
وأن تفهم أين تبدأ السيطرة الحقيقية:
ليس في الحركة داخل الرقعة.بل في تعريفها من الأساس.
ليس أخطر ما في الصراع أن تخسره..بل أن تكتشف متأخرًا أن قواعده كُتبت بحيث لا يُفترض بك أن تفوز أصلًا.

وفي لحظة الوعي الحقيقية، لا يعود السؤال من يربح..بل من كان يكتب اللعبة بينما الجميع يظن أنه يلعب، ومن أعاد تعريف الخسارة والربح قبل أن تبدأ الجولة أصلًا. وفي النهاية العالم لا ينتهي عند انتصار أحد، بل يعاد تشكيله باستمرار بحيث لا يبقى أحد منتصرًا إلى الأبد ،اللهم ارزقنا بصيرة ترى ما لا يُرى، وحكمة تسبق الزمن، ولا تجعلنا متأخرين عن فهم ما يحدث بنا لا حولنا.

عن هيام احمد

شاهد أيضاً

 سارة طه طرش تكتب: زلزال مهني في أسيوط.. “فارماسكيمز” تقتحم قلب الصعيد وتفتح أبواب المستقبل لـ 3500 صيدلي

في الوقت الذي يتحدث فيه الكثيرون عن فجوة البطالة، قررت جامعة سفنكس بالتعاون مع “العملاق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *