المتحدثون.. حين يتكلم الجهل بثقة فيقنع
في عالم يكافئ الصوت قبل المعنى، تتحول الجرأة إلى سلطة، والجهل إلى يقين.ولا تنقذ الحقيقة إلا بصيرة تحسن توقيت الكلمة، وتعرف متى يكون الصمت أصدق من الكلام.
لم يعد الصمت حيادا؛ بل اضحى اقصاء ضمنيا في زمن يفرض على الجميع ان يتكلموا. هكذا تكاثرت الاصوات لا بوصفها امتدادا للمعرفة، بل كبديل عنها. نحن لا نعيش وفرة معلومات فحسب، بل نعيش اختلالا عميقا: تضخم الصوت مقابل ضمور المعنى؛ حيث تقاس القيمة بما يسمع لا بما يفهم.
في هذا السياق، تظهر الجرأة غير المؤهلة: يقين بلا اساس، وثقة بلا تحقق، وخطاب يتنقل بين الطب والنفس والوقائع دون حد فاصل بين المعرفة والانطباع. لا لان المتحدث تعلم، بل لانه تعلم كيف يسمع. وهنا يتحول الاقناع الى اداء، وتستبدل الحقيقة بقابليتها للتصديق.
الأكثر عمقا هو ما يمكن وصفه بوهم الاختصاص الرقمي؛ حيث تذوب الحدود بين الخبير وغيره، ويكتسب الصوت سلطة لمجرد حضوره. في هذه البيئة، لا يمحى العلم، بل يمحى الفرق بين من يعرف ومن يظن انه يعرف، ويتساوى المدعوم بالدليل مع المدعوم بالثقة.
اخطر ما في هذا العصر ليس الجهل، بل الجهل الذي يتكلم بثقة فيقنع.
وسائل التواصل لم تصنع الجهل، لكنها اعادت تشكيله؛ منحته منصة، ثم جمهورا، ثم شرعية مشروطة بالتفاعل. ومع الوقت، لم يعد المتلقي يبحث عمن يفهمه، بل عمن يشبهه، لا طلبا للحقيقة بل طلبا للطمأنينة.
نحن لا نواجه ضجيجا عابرا، بل واقعا يعاد تشكيله باصوات لا تعرف ما تقول؛ فان لم نعد للكلمة معيارها، سنستيقظ على عالم تدار فيه الحقيقة بمن لا يملكونها، ولا ينجو فيه الا من تعلم ان يصمت بوعي قبل ان يتكلم بثقة.
ليست المشكلة في كثرة الاصوات، بل في البنية التي تكافئ السرعة على حساب التحقق، والانطباع على حساب المعرفة. هنا يعاد تشكيل الكلام كحدث لا كمسؤولية، ويمنح الحضور قيمة تتجاوز المضمون.
ولا يكمن الحل في اسكات الاصوات؛ فالصمت القسري لا ينتج وعيا. بل في اعادة تعريف علاقتنا بالكلمة: ان نستعيد لها كلفتها الاخلاقية، وان ندرك ان الحديث ليس حقا مطلقا بل التزام معرفي. قبل ان نتكلم، نسأل: هل نضيف معنى ام نضاعف الضجيج؟ هل ما نقوله مبني على معرفة ام على رغبة في الظهور؟
من هنا يتبلور مفهوم الصمت الواعي؛ ليس انسحابا، بل موقفا ادراكيا يحترم حدود المعرفة. فليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال يستحق ان ينشر. وبهذا فقط يعاد ضبط الميزان بين من يعرف ومن يظن انه يعرف.
وإن كانت الكلمة تنير، فإنها ايضا تضل حين تنتزع من وعيها. لذلك، في قلب هذا الازدحام، يبقى الرجاء ان تستعاد البصيرة قبل الصوت، وان يهدب اللسان قبل الانتشار.
اللهم ارزقنا صدق الكلمة، ونور الفهم، وحكمة الصمت حين لا نعلم، ولا تجعلنا ممن يقولون فيضلون ويضلون.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم