إرث “الموتي- Mutti”: كيف أعادت ميركل تشكيل مفهوم القيادة النسائية عالمياً؟

تقرير: مروة محي الدين

“أنجيلا ميركل”-… المرأة الحديدية التي شغلت منصب المستشارة الألمانية في وقت سابق، لم تكن فيه قائدة لألمانيا وحدها بل قادت أوروبا في أحلك أوقاتها؛ محيلة لقب (الأم) الذي أطلقه عليها خصومها في محاولة للتقليل منها إلى رمز للصلابة والاستقرار، لما امتازت به من نفعية هادئة، تقوم على التفاوض طويل المدى بدلا من الخطابات الحماسية.

في الأصل هي عالمة فيزياء كمّية، وعليه اعتمد أسلوبها على الانتظار والتحليل، فخطّت مساراً استثنائياً في القيادة الدولية استمر لنحو 16 عاماً، ومن هنا كانت الشخصية الأمثل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، حيث لا يقتصر الأمر على كونها أول امرأة تتولى صدارة السلطة في ألمانيا، بل لأنها قائدة أعادت صياغة مفهوم النفوذ السياسي، عبر إرث (الأم أو الموتي- Mutti).

 

من التقزيم لرمزية الاستقرار

(الموتي- الأم) هو اللقب الذي أطلقه عليها بعض السياسيين الذكور في بدايات صعودها داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، في أواخر العهد السياسي للمستشار الأسبق “هلموت كول”، لغرض تهكمي ساخر، مدعين أنها تتصرف مثل الأم مقارنة بالقيادات التاريخية للحزب، لا سيما و “ميركل” امرأة ذات خلفية علمية وليست سياسية.

وبدهائها البراجماتي، راحت المستشارة الألمانية تحيل اللقب من دلالة الضعف النمطي إلى موطن قوة، فجعلته في الوعي الجمعي الألماني مرادفا للملاذ الآمن، إذ وضعت الاستقرار على رأس أولوياتها في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي بدءًا بالانهيار المالي لعام 2008 إلى أزمة ديون منطقة اليورو، وعليه أضحت “الموتي” هي المرأة التي تحمي ألمانيا من تقلبات وأزمات العالم المضطرب.

 

ميركلن وبراجماتية الكم

تحول أسلوب “ميركل” إلى وصف سياسي سمي (ميركلن- Merkeln)، وهو فعل عامي استحدثه الألمان يعني: المماطلة أو تأجيل اتخاذ القرار حتى تتضح كل الخيوط، ما تم إثباته في القاموس الألماني (دودن) بمعنى التمهل والدراسة العميقة قبل اتخاذ القرار؛ وكان ذلك نهج ميركل الذي اتسم ببرود أعصاب واضح، نأت فيه بنفسها عن الاستعراض والخطابات الشعبوية الحماسية، معتمدة أسلوب التفاوض الممتد والنَفَس الطويل.

​هذا النمط القيادي شكّل تضاداً حاداً مع النمط الذكوري الاستعراضي لقادة عاصرتهم، وظهر سلوكها الاحتوائي في إدارتها لتوترات القمم الدولية مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، حيث مثلت حائط الصد الأخير للقيم الليبرالية الغربية- كما وصفها الإعلام الأوروبي؛ كما تجلى ثباتها الانفعالي في اجتماع سوتشي عام 2007، حينما تعمد الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إدخال كلبه الضخم “كوني” إلى قاعة الاجتماعات، لعلمه المسبق بأنها تعاني رهاب الكلاب، فواجهت ذلك بثبات انفعالي تام دون أن تنجر لرد فعل عاطفي، قبل أن تعلق لاحقاً بهدوء علمي فكك الرسالة السياسية للموقف، بأن الرئيس الروسي فعل ذلك من منطلق إثبات القوة ليخفي ضعفه.

ومع ارتباط سلوكها الرصين بحركة يديها العفوية، حيث تشبك أصابع اليدين على شكل معين أو مثلث، راح الإعلام الألماني يتعامل معها باعتبارها أقوى رمز بصري في التاريخ الحديث، أضحى يُعرف عالمياً باسم (Merkel-Raute)، وقد استخدمها حزبها في الحملات الانتخابية باعتبارها لافتة انتخابية صامتة تقول للألمان: أنتم في أيدٍ أمينة، إذ كانت نقيضا لحركات اليد الهجومية التي يسيطر بها القادة الرجال عادة على المنصات.

 

أزمة اللاجئين 2015

​يبقى الاختبار الأعظم والأكثر جدلية في إرث “ميركل”، هو قرارها التاريخي في صيف عام 2015 بفتح الحدود الألمانية أمام أكثر من مليون لاجئ- معظمهم من سوريا، تحت شعارها الشهير: (Wir schaffen das- يمكننا فعل ذلك)، ليتوسع نطاق مفهوم “الموتي” من لقب محلي يعني رعاية مصالح المواطن الألماني ورفاهيته الاقتصادية إلى أبعاداً إنسانية وأممية أكبر، وتنتقل هي من أم الألمان لأم اللاجئين.

لكن تكلفة تلك الشجاعة الأخلاقية- التي حظت بإشادات دولية- كانت باهظة، حيث تسببت في انقسام مجتمعي حاد، مهد الطريق لصعود اليمين المتطرف المتمثل في حزب (البديل من أجل ألمانيا) لأول مرة إلى البرلمان- البوندستاج- منذ الحرب العالمية الثانية.

غادرت “ميركل” المستشارية طواعية، تاركة خلفها فراغاً لم تنجح القيادات اللاحقة في ملئه، إذ أثبت إرث “الموتي” أن القيادة النسائية لا تحتاج إلى محاكاة الأنماط الذكورية السائدة لتفرض حضورها، فقد نجحت المستشارة الألمانية السابقة في إثبات أن القوة الحقيقية تكمن أحياناً في القدرة على امتصاص الأزمات وليس في صناعتها.

 

اترك رد