من فيينا… كبير مفتشي الطاقة النووية السابق: أمريكا ستضرب جبل الفأس بإيران لإعلان انتصار وهمي

البرنامج النووي الإيراني بين السلمية وشكوك التوجيه العسكري برؤية شاهد عيان

في حوار خاص…

 د. يسري أبو شادي: واشنطن شنت الحرب بعد 48 ساعة من موافقة طهران على شروطها النووية

أبو شادي: ترامب لا يعرف ماذا ضرب؟ ولا أين اليورانيوم المخصب؟ 

 

حوار: مروة محي الدين

في وقت تتنامى فيه المخاوف من مخاطر الحرب النووية، مع تصاعد النبرات التهديدية من القوى المتصارعة خلال الحرب الأمريكية- الإيرانية، حتى بدت كلمة السلاح النووي كلمة مألوفة في الخطاب السياسي العالمي، وتصاعد الحديث على منصات التواصل الاجتماعي عن بوادر حرب عالمية ثالثة تفني العالم بالسلاح النووي، رحنا نبحث عن أجوبة للأسئلة الشائعة، ففتحنا الملف الذري مع الدكتور “يسري أبو شادي”- كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقا وأستاذ الهندسة النووية، في حوار خاص لجريدة اليوم من مقر إقامته في فيينا.

د. يسري أبو شادي- كبير المفتشين السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية

 

صمام أمان عالمي 

بدأ “أبو شادي” شهادته حول الأمر بالفشل الأمريكي في إدارة الملف، لتشعل الوضع الآمن الذي كان قد تم التوصل له يومًا مع طهران، ليكون صمام أمان عالمي، فقال: “فشلت الولايات المتحدة فشلًا زريعًا في الملف النووي الإيراني، وخلقت حربًا من لا شيء، فقد طُرِحَ الأمر منذ ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي تمكن من حل جزء كبير من الشك في البرنامج النووي الإيراني، إذ تصاعدت الشكوك حول وجود اتجاه عسكري له عام 2015، حينما وقع اتفاق معهم في تقديري الفني كان من أحسن الاتفاقيات لصالح العالم كله، ولصالح طمأنة العالم من هذا البرنامج.

حيث أنه بموجب الاتفاق استطاع تقييد كل الإنتاج الإيراني، لا سيما في التخصيب، فجعل أقصى درجة تخصيب يمكن الوصول إليها 3.6%، وأقصى كمية يورانيوم مخصب توجد على الأراضي الإيرانية 300 كيلوجرام فقط لا غير، كما اقتصر مجمل عدد وحدات التخصيب التي تمتلكها على 5000 وحدة، وتكون من النوع البدائي (IR1)؛

في المقابل، مكن الاتفاق لدخول تفتيش الوكالة بمستوى مرتفع جدا، حيث توقع طهران البرتوكول الإضافي مؤقتًا أثناء فترة ذلك الاتفاق، وهو بروتوكول يمنح المفتشين صلاحية للتفتيش في أي مكان في هذا البلد وفي أي وقت، حتى أنشأت الوكالة قسم  كامل داخلها مخصص لإيران، وتوافد عليها أكتر من 100 مفتش  يتواجد منهم فيها على مدار اليوم من 8- 10 مفتشين، وعليه أصبحت أكتر دولة في العالم واقعة تحت تفتيش الوكالة، وأكثر دولة يوضع عليها ميزانية لنظام الضمانات والأجهزة والكاميرات وكل شيء، وقد قبلت طهران كل تلك الشروط، ووافقت على وقف التخصيب لمدة 10 سنوات، وعدم تطوير الوحدات… إلى آخره.

 وفي ديسمبر 2015، أصدرت الوكالة تقريراً نهائيا قالت فيه: إن جميع المشكلات التي كانت بين الوكالة وإيران انتهت تماما، ولم نجد أي شبهة بأن إيران لديها برنامج لأسلحة نووية، وكان ذلك شرطا لدخول الاتفاق حيّز التنفيذ”.

 

اغتيال اتفاق 

انتقل كبير مفتشي الطاقة الذرية وأستاذ الهندسة النووية إلى الحراك المفاجئ للإدارة الأمريكية بالانقلاب على الاتفاق دون مبررات تذكر، متابعًا حديثه: “لكن السيد ترامب محى ذلك الاتفاق الآمن بالممحاة- مثلما جاء في القول المأثور، إبان ولايته الأولى في عام 2018، فألغى هذا الاتفاق الذي كان يطمئن العالم كله وفي صالح العالم كله، وبأسلوب في منتهى الغرابة، دون أن يعي ما يفعل؛

هذا الإلغاء جعل إيران غير مكتوفة بل مطلقة الأيدي، فأصبحت كمية 300 كيلوجرام في الاتفاق 10 آلاف طن، وكان الإيرانيون قد استكانوا فترة لعله يعدل عن موقفه، وحينما لم يجدوا بادرة تراجع تخطوا الحدود بالتدريج؛ وحينما أعيد انتخابه في نوفمبر 2024 للمرة الثانية، حدث الفارق الكبير حيث وصلت طهران إلى درجة تخصيب 60% بعد ما كانت 3.6%، ولكن بكميات صغيرة للغاية، ومع إعلان توليه مهام منصبه رئيسا للولايات المتحدة، زادت إيران عشرات المرات من إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بينما كانت الكمية التي تمتلكها قبل هذا الوقت لا تكفي لتصنيع قنبلة ذرية واحدة، ومع بلوغ يونيو 2025 حين بدأت الحرب الأولى عليها، كانت تملك ما يقرب من 500 كيلوجرام، ما يكفي لتصنيع أكثر من 10 قنابل ذرية، فقد زادت إنتاجها خلال الشهور الأخيرة عشرات المرات مما كانت تنتجه سابقا”.

وعلل “أبو شادي” ذلك التوجه الإيراني قائلًا: “وذلك لأنهم كانوا يعرفون جيدا أن تلك أهم ورقة تفاوض يمتلكونها، وكانوا قبل مجئ ترامب يجرون مفاوضات مفتوحة في العاصمة العمانية مسقط، وأبدوا انفتاحا كبيرًا عليها؛ وفي هذا التوقيت كنت قد التقيت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبيل الحرب بأيام وناقشته في الأمر، ولم يكن متفائلا بالمفاوضات لكنهم كانوا قد أجروا خمس جولات وعلى وشك إجراء الجولة السادسة، على الرغم من عدم ارتياحهم لما يحدث”. 

 

تسيس الوكالة

استرسل “أبو شادي” في شهادته على تلك الفترة، متحدثًا عن اللعب بأوراق الوكالة لشرعنة الفعل السياسي، موضحًا أنه “تزامنا مع تلك الأحداث وتحديدا في 31 مايو 2025، أصدر مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريراً رديئًا للغاية باسم الوكالة للأسف، على الرغم من احتوائه على  معلومات خاطئة وقديمة، فجاء تقريرها مسيسا بطريقة مثيرة، حتى أن بعض أعضاء الوكالة بينهم زملاء لي كانوا يعارضونه بشدة، وعلى الرغم من ذلك صدر التقرير، الذي اتهم طهران بالغموض ووجود أمور مشبوهة بينها العثور على عينات من اليورانيوم في مكان لم يتم الإعلان عنه، وجميعها ادعاءات قديمة، يدرك المطلع على هذا الأمر أنها مفبركة؛

وحينما كنت مع عراقجي شعرت باستياء الإيرانيون من هذا التقرير، وأن شيء ما يقف ورائه، وذلك ما حدث بالفعل، حيث تم استغلال التقرير في مجلس المحافظين بالوكالة، قبل أن تصدر الترويكا الأوروبية- فرنسا وألمانيا وبريطانيا- في 12 يونيو قرارًا بإدانة إيران وتحويل ملفها إلى مجلس الأمن، وبالتالي عادت العقوبات مرة أخرى، وبعده بعدة ساعات في ساعات الفجر الأولى شنت إسرائيل الحرب الأولى.

 

أين اليورانيوم المخصب؟

الحرب التي أعلن أن أهم أسبابها البرنامج النووي الإيراني، كان اليورانيوم المخصب أحد أهدافها، وفي هذا الصدد لفت “أبو شادي” في شهادته حول هذا الأمر إلى أن: “السؤال الذي لا يجد جوابا إلى الآن (هل نقلت إيران اليورانيوم المخصب؟)، حيث أن مكان تخزينه معروف وجميع مفتشي الوكالة يعرفونه، وكذلك معامل التخصيب، ليبقى ذلك لغزا لم يظهر له حل، وكثيرًا ما تساءلت: لماذا لم تضرب الولايات المتحدة ذلك المخزن الموجود في أصفهان؟ على الرغم من أنه موقع معروف، وظل هذا المكان الوحيدة الذي لم يتلقى ضربة أمريكية في العمق؛

بل لقد ضرب الطيران الأمريكي منشأتي فوردو ونطنز تحت الأرض، وادعى ترامب أنه أنهى البرنامج النووي الإيراني لعدة سنوات، حيث تخيل وجود اليورانيوم في تلك المنشآت، مستخدما 14 قذيفة خارقة للأعماق، 12 منهم في فوردو واثنين في نطنز، إذ يحتوي الأخير أيضًا على منشأة تحت الأرض، ولم يضرب قذيفة واحدة خارقة في أصفهان، حيث كان مخزن اليورانيوم عالي التخصيب موجود في بطن الجبل في تلك المنطقة، حيث اقتصرت الضربة التي أصابت المكان على المنشآت الموجودة على السطح.

وهنا يكمن اللغز، فهل من المعقول ألا يعرف ترامب موقع المخزن؟ وماذا عن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية ألا تعلمان أيضًا؟ كيف وقد خرج في 22 يونيو يعلن القضاء على البرنامج النووي الإيراني للتخصيب ولعدة سنوات؛ وقد خرجت في إحدى المقابلات التليفزيونية عقب الضربة بساعتين وقلت إن ذلك لا يعدو أن يكون عرضا إعلاميا من الرئيس الأمريكي، حيث لا يمكنه أن يعرف ما ضرب؟ ولا أين اليورانيوم عالي التخصيب؟ 

بعد ذلك انتبه الأمريكيون والإسرائيليون إلى احتمال عدم إصابة اليورانيوم عالي التخصيب، وأنه طهران قد تخبئه في موقع ما، وهنا راحوا يتسائلون عن موقع وجوده”.

 

حرب عبثية إعلامية

لما لم يستطع التحالف الأمريكي- الإسرائيلي تدمير مخزون اليورانيوم الإيراني، راح يتجاوز الأعراف الدولية ضاربًا عرض الحائط بكل ما تم إنجازه في جولات المفاوضات التالية للحرب، وقد استفاض “أبو شادي” في توضيح تلك المسألة فقال: “على الرغم من استمرار المفاوضات آنذاك وموافقة طهران لأول مرة على جميع المطالَب النووية الأمريكية أو معظمها في جنيف يوم 26 فبراير من هذا العام، حيث كانت المطالَب: توقف إيران عن التخصيب، والتوقف عن تصنيع (وحدات التخصيب أو وحدات الطرد المركزي- Centrifuges)، وتصفير الوحدات الناتجة عن عملية التخصيب التي كانت 300 كيلوجرام، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها الحرب الثانية بعد أقل من 48 ساعة تقريبا من تلك الموافقة؛ 

وحاولتا التعتيم على حقيقة الموقف الإيراني، فخرج وزير الخارجية العماني معبرا عن اندهاشه مما يحدث مؤكدا على قبول طهران الشروط الأمريكية، ومن هنا تكون تلك الحرب عبثية لا تهدف إلا للاستعراض الإعلامي لترامب، الذي يعشق ذلك الأمر حتى تراه ماكينة تصريحات يومية، يظهر مع الصحفيين كل يوم ليعيد ذات التصريحات حول ضرباته القاصمة لإيران، التي تجعلها في النزع الأخير، فيما الحقيقة الثابتة أن هذه الأحاديث مبالغ فيها؛

نعم من الثابت أن إيران تلقت ضربات قوية لا سيما منشآت تخصيب اليورانيوم، لكن من خبرتي بتصميم مصنع التخصيب في فوردو، يمكنني القول إن المقذوفات الأمريكية على قوتها لا يمكنها تدمير الأجزاء من المنشأة الموجودة تحت الأرض، قد تغلق الممرات والفتحات، وقد تمنع الوصول إليها في الوقت الحالي، والمصنع متوقف الآن، لكن ادعاء تدميره بالكامل أشك في ذلك، أما نطنز فيضم مصنعين الأول فوق الأرض وقد دمر بالكامل منذ الحرب الأولى، أما الثاني فثمة شك في إمكانية تدميره، لأنه عميق جدا بما يصل 70-80 متر تحت الأرض، بينما عمق فوردو أكثر من 100 متر، وهنا يثور الشك حول تدميره بالكامل”.

 

أصفهان وقرصنة اليورانيوم

أعطي “أبو شادي” في رؤيته للأحداث أهمية كبيرة لمنشأة أصفهان النووية، من واقع تقارير وكالة الطاقة الذرية، فتابع حديثه: “نعم دمر التحالف الأمريكي- الإسرائيلي كل المنشآت التي لها علاقة بالتخصيب، لكن الأهم منها هو منشأة أصفهان حيث يوجد مخزن اليورانيوم المخصب، فلم يصبه شيئًا بسبب عمقه تحت الأرض؛

ومع انتباههم لهذا الأمر ظهر احتمال ألا تكون كميات اليورانيوم عالي التخصيب قد نقلت من هذا المخزن، فشنوا حملة عسكرية شاركت فيها 150 طائرة حربية أمريكية و3000 جندي بينهم طيارين وأغلبهم من المظلات أو الصاعقة، ونفذوا محاولة إنزال بري على جبل أصفهان، وقابلت إيران ذلك بضربات في منتهى القوة، وتمكنت من إصابة من 8 الى 10 طائرات، حيث كان الحدث الشهير حين سقط منهم أحد الطيارين في جبال المنطقة، وأمضوا أيامًا في البحث عنه، وراحوا يروجون لروايات وأكاذيب تنفي وجود حملة مكثفة ومحاولة إنزال بري أصابها الفشل، حيث كان يعتقد ترامب وإدارته بوجود اليورانيوم المخصب”.

واستطرد: “وفي تقديري الشخصي بدون جزم بنسبة 100٪؜، أن إيران ليست بتلك السذاجة، لتترك لهم هذه المواد في ذلك المكان المعلوم للجميع، فهناك أكثر من 100 مفتش من الوكالة يزورون هذا المكان كل أسبوع ويعلمون بوجوده؛ كما أنه من المعلومات التي أعرفها جيدا عن إيران أنها كانت متنبئة جدا بالضربة حتى قبل الحرب الأولى، وبالتالي من المؤكد أنه كانوا قادرين على نقله فلم ينتظروا الضربة، وهو أمر سهل فكل كمية اليورانيوم تلك يمكن نقلها في 20 أنبوبة تشبه أنابيب غاز الطعام؛

حيث تقدر الكمية بنحو 500 كيلوجرام منها جزء في المصانع، وعليه المخزن يضم  من 300-350 كيلوجرام، وهو كمية تكفي لتصنيع 7-8 قنابل ذرية، وعند تخزينها في الأنابيب تحمل كل أنبوبة من 20- 25 كيلوجرام، فيسهل نقلها باليد”.

 

نقل اليورانيوم

بخبرة المفتش بوكالة الطاقة الذرية تحدث “أبو شادي” عن نقل اليورانيوم عالي التخصيب باعتباره أمرًا سهلًا، ما أثار التساؤلات عن كيفية حدوث ذلك وأين مخاطر المواد النووية التي يطول الحديث عنها، فراح يفكك المسألة التي تبدو معقدة قائلًا: “لكي يتم تخصيب اليورانيوم يتم ذلك في صورته الغازية، مثله مثل غاز الطهي، ويوضع تحت درجات حرارة عالية تحوله لصورة شبه سائلة، ومع انتهاء عملية التخصيب يوضع في أنابيب أسطوانية صغيرة، أقوى من أنابيب الغاز وقطرها أقل، حيث يكون شكلها مختلف مخافة (الحروجة- Criticality) لأن ذلك يورانيوم مخصب بدرجة عالية”.

و لتوضيح الأمر فنيا تابع: “في المفاعلات نضع كمية معينة من الوقود تسمى الكتلة الحرجة، ليحدث انشطار لنواة اليورانيوم 235- أحد النظائر المشعة- فينتج عنه  2.5 نيوترون يعني 2-3 نيوترونات من كل انشطار، وحال امتلاك القدرة على التحكم فيه بحيث يتم امتصاص 1.5 نيوترون سيبقى لدى نيوترون واحد، يمكن إنتاج انشطار ثاني وهذا هو التفاعل المتسلسل، وذلك هو محور عمل المفاعلات، فإن لم يكن لدي القدرة على التحكم في هذا التفاعل سينتج النيوترون الواحد 2 ثم 4 ثم 8 فتصبح قنبلة ذرية، وذلك هو الفارق بين الاستخدام السلمي والاستخدام العسكري لتلك التكنولوجيا؛

ما الذي يصنع الحروجة؟ أن تزيد الكتلة الحرجة والمواد المحيطة بها عن حجم معين وشكل معين، فيصبح هروب النيوترونات قليل هنا يمكن أن تنفجر مثل القنبلة النووية، وعليه يكون تصميم أنابيب النقل مختلف عن الأنابيب العادية، وإنما يصل طولها إلى 1.5 متر بقطر صغير جدا أقل من 15 سنتيمتر أي حجم كف اليد المفرودة، وبالتالي لا تكون ثقيلة بل تزن 30 كيلوجرام بحد أقصى شاملة وزن الأنبوبة الفارغة نفسها، فيكون نقلها سهلا، حيث يمكن حملها باليد، وذلك مع افتراض أنهم نقلوها يديويا لأن هناك طرق أخرى في النقل تغنيهم عن نقلها باليد؛

وخلاصة ذلك أن إيران كانت قادرة على النقل، وظهر تقدير التحالف الأمريكي- الإسرائيلي لقدرتها خلال الحرب الثانية، بعد أن خرجوا عقب الحرب الأولى يعلنون تدميرها والقضاء على طموحها النووي، فغيروا لغة الخطاب إلى الرغبة في التفاوض، ثم شنوا حملتهم على أصفهان التي فشلت فشلًا ذريعا، وتكبدوا خسائر فادحة لم يفصحوا عنها حتى الآن”.

 

منشأة جبل الفأس السرية 

صورة تخيلية مما يثور إعلاميا عن المنشأة

مع تقلبات الخطاب الأمريكي حول البرنامج النووي يقف الخبير بهذا الشأن متعجبًا، من ادعاءات يظهر بطلانها لمتحدثها قبل مستقبلها، وهذا ما لفت إليه “أبو شادي” في شهادته على حقيقة هذا البرنامج فقال: “على الرغم من تركيز التحالف على أصفهان بدأ منذ أسبوعين تقريبا الحديث عن جبل (الفأس)، فقالوا إن ثمة مغارة تحت الأرض (Tunnel) على عمق كبير جدا، قريبة جدا من منشأة نطنز، وأنها شيء خرج فجأة وما من أحد يعلم عنه شيئًا، وأن الإيرانيين خبئوا اليورانيوم في باطن الأرض في تلك المنطقة؛

وفي رؤيتي أن تلك الأقوال محض أكاذيب احتمال صحتها ضعيف للغاية بشكل مؤكد، لعدة أسباب أهمها أن المغارة التي تحدثوا عنها أنها منشأة لم تكن موجودة من قبل زارها مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إبريل من العام الماضي، حين كان في زيارة لإيران وتحدث معهم عن رصد الأقمار الصناعية لعملية حفر على عمق كبير على بعد 2 كيلومترات من منشأة نطنز،  فكان ردهم عليه أنها موقع تحت الإنشاء لم يستخدم بعد، واصطحبوه في زيارة لها، وكتب في تقريره أنه هبط في مسار حلزوني عميق تسبب له في الدوار، وقدر تلك الأعماق بحوالي نصف ميل أي 800 متر تحت الأرض، وبالتالي هذا المكان في جميع الاحتمالات لا تستطيع قنبلة أن تصل إليه سواء كانت خارقة أو غير خارقة”.

وأضاف: “وفي تقديري أن ذلك كله محض عرض إعلامي، حيث يركز ترامب الآن على تلك المنشأة بعد استهلاك كل تصريحاته، مدعيا أن إسرائيل ترغب في ضربه وهو من يمنعها؛ وعلى العكس من ذلك فقد يتفق مع إسرائيل على ضربة ويشنون عليه حملة كبيرة؛ ولكن في النهاية لن يكون لذلك قيمة،حتى إن كان مخبأ اليورانيوم موجود فيها فعليا، لأن أقصى عمق وصلت إليه قنبلة تحت الأرض كانت 60 مترًا، وقد استخدمت حين فشلت إسرائيل في الوصول إلى الأعماق- 100 متر في فوردو و 70 متر في نطنز، هنا استخدمت قنبلة GBU57، وكانوا يقدرون أنها تصل عمق بين 90- 100 متر، بينما لم تكن قد استخدمت من قبل، إذ كان أول استخدام لها في التاريخ في إيران، وعلى الرغم من عدم معرفته إن كان قد نجح أم لا أعلن أنه نجح؛

أما فيما يتعلق بجبل الفأس فنحن نتحدث عن مئات الأمتار، ما لا يمكن لقنبلة مهما بلغت قوتها أن تصل إليه، وعن أكذوبة نقل اليورانيوم إليه فإيران ليست بالغباء لتفعل ذلك تحت عيون الرصد والأقمار الصناعية، ومع فرضية وجود سيارات نقلت هذه المواد سيتعين عليها أن تنقل من أصفهان إلى نطنز، وهي مسافة تتراوح بين 140-150 كيلومترًا، ألا تكفي تلك المسافة لرصد عملية النقل، ومع افتراض وجود أنفاق تسير فيها المركبات تحت الأرض، لن يمكن أن يزيد امتدادها على 2- 4 كيلومترات ولا يمكن مدَّها لتلك المسافة التي تتجاوز 100 كيلومتر تفاديًا لرصد الأقمار الصناعية وذلك أثناء اشتعال الحرب الأولى؛ 

وقد يقدم ترامب على ضرب منشأة جبل الفأس وإعلان انتصار مثلما فعل في فوردو، مطلقا خطاب تدمير إيران وبرنامجها النووي، ثم يكتشف بعد ذلك أنه واهم”.

لم ينته الحديث مع كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول قضية البرنامج النووي الإيراني، فما زال حديثه يحمل الكثير عن مهددات الأمن العالمي، وصعود إيران باعتبارها قوة مسلحة نووياً وغيرها من القضايا، التي يستفيض في الحديث عنها في الحلقة الثانية من الحوار على موقع اليوم.

 

اترك رد