لن يحدث ابدا…
هل فكرت يومًا: ما الذي يؤلمك أكثر ..ما حدث فعلًا، أم أنك كنت واثقًا أنه لن يحدث أبدًا؟
في الحياة، لا يؤلمنا تغير الأشياء بقدر ما يؤلمنا أننا أحببناها يومًا كما لو أنها لن تتغير.
نحن لا نطمئن إلى الأشياء لأنها مضمونة، بل لأننا نحب أن نصدق أنها ستبقى. ومع الوقت، يتحول التوقع إلى يقين، واليقين إلى أمان.
ثم يحدث ما لم نتخيل حدوثه…
فنكتشف أن أكثر ما يؤلمنا ليس ما حدث، بل سقوط الحقيقة التي بنينا عليها طمأنينتنا.
نعيش سنوات ونحن نبني داخلنا جملةً صغيرةً «هذا لن يحدث أبدًا.»
نضعها فوق الأشخاص الذين نحبهم، وفوق البيوت التي تشبه الأمان، وفوق العلاقات التي اعتقدنا أنها استثناء، وفوق أنفسنا أيضًا.
وفجأة، يقف العقل أمام سؤال واحد:
كيف حدث ما كنت متأكدًا أنه لن يحدث؟
فالإنسان يستطيع أحيانًا أن يتقبل النهاية، لكنه يجد صعوبةً في تقبل أنه أخطأ في قراءة البداية.
نحن نرفع سقف توقعاتنا حتى يصبح أعلى من قدرة البشر، وأعلى من احتمالات الحياة، ثم نقيس الواقع عليه… فنعتبر كل اختلاف خذلانًا.
نتوقع من شخص أن يفهمنا دائمًا، ومن صديق أن يبقى كما عرفناه، ومن علاقة أن تنجو من كل شيء، ومن الحياة أن ترد لنا الجميل بالطريقة التي تخيّناها.
لكن ماذا لو لم يكن الخطأ في الأشخاص وحدهم… بل في السقف الذي وضعناه فوق رؤوسهم؟
كلما ارتفع سقف التوقعات، اتسعت المسافة بين الحقيقة والخيال.
وربما لهذا كان بعض وجعنا من صنع أيدينا؛ لأننا لم نتألم من الحقيقة وحدها، بل من المسافة التي صنعناها بين ما تمنيناه وما كان.
وحين تسقط الحقيقة من ارتفاع الخيال، لا يكون الصوت صوت سقوط شخص فقط… بل صوت سقوط الصورة التي صنعناها عنه.
وهذا لا يعني أن نخفض توقعاتنا حتى نقبل القليل، أو أن نعيش بلا معايير، بل أن نضع توقعاتنا في مكانها الصحيح:
توقع الخير، لا الكمال. توقع الاحترام، لا العصمة.
توقع الوفاء، لكن تذكر أن البشر يملكون حق الاختيار.
وأحب، دون أن تطلب من إنسان أن يمنحك ضمانًا أبديًا.
فالنضج ليس أن تتوقع الأسوأ حتى لا تتفاجأ؛ لأن انتظار الخذلان ليس حماية، بل شكل آخر من أشكال الخوف.
النضج أن تعرف أن كل شيء قابل للتغير، وأنك قادر على التعامل معه إن حدث.
قد لا يكون الذي خذلك هو الشخص الذي تغير؛ ربما أنت الذي اكتشفت متأخرًا أنك كنت ترى فيه ما تمنيت أن يكونه، لا ما كان عليه فعلًا.
وهذه واحدة من أكثر حقائق الحياة قسوةً:
نحن لا نعيش الأحداث وحدها، بل نعيش تفسيرنا لها.
ولهذا قد يمر شخصان بالحدث نفسه، فيخرج أحدهما محطمًا، ويخرج الآخر أكثر نضجًا،الحدث واحد..
لكن المعنى مختلف.
الخيانة لا تعني أنك لا تستحق الوفاء.
الفقد لا يعني أنك محكوم عليك بالوحدة.
الفشل لا يعني أنك فاشل.
وسقوط علاقة لا يعني أن الحب كان كذبةً.
أحيانًا تكون الخسارة هي اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن العيش على الافتراضات، ويبدأ في العيش على الوعي.
والحل ليس أن تفقد ثقتك بالعالم، بل أن تغير شكل ثقتك.
ثق بالناس، لكن لا تجعل وجودهم شرطًا لوجودك.
أحبهم، لكن لا تسلمهم مفاتيح استقرارك كله.
خطّط للمستقبل، لكن اترك فيه مساحةً لما لم تتوقعه.
ولا تقل:
«لن يتركني أبدًا.»
قل: «أتمنّى أن يبقى، وإن رحل فسأبقى أنا.»
ولا تقل: «لن أنكسر أبدًا.»
قل: «قد أنكسر، لكنني أعرف كيف ألتئم.»
هذه ليست قسوة… هذه مرونة الروح.
أن تترك في قلبك مساحةً لاحتمال التغير، دون أن تجعل احتمال الخسارة سجنًا من الخوف.
فالحياة لا تطلب منك أن تعرف ماذا سيحدث.
تطلب منك أن تعرف من ستكون حين يحدث.
وربما تأتي بعض الصدمات في حياتنا كرسائل متأخرة؛ لتخبرنا أن الأمان الحقيقي لم يكن في شخص، ولا في مكان، ولا في وعد، ولا في استمرار الأشياء…
كان في قدرتنا على أن نفقد شيئًا، دون أن نفقد أنفسنا.
وفي النهاية، ستكتشف أن بعض الأشياء التي قلت عنها يومًا: «لن يحدث أبدًا» حدثت فعلًا.
لكن المفاجأة ليست أنها حدثت…
المفاجأة أنك كنت تظن أن حياتك ستنتهي عندها، ثم اكتشفت أنها كانت تستطيع أن تبدأ من بعدها.
نحن نرى ما يحدث، والله يرى لماذا يحدث؛ وبين رؤيتنا المحدودة وحكمته الواسعة، تختبئ كل الإجابات التي لم نفهمها بعد.
وعندها نفهم أن النضج ليس أن نعرف ما سيحدث، ولا أن نُحسن توقع المستقبل…
بل أن نطمئن إلى مَن يعرفه.
اللهم ارزقنا يقينًا بك، يجعلنا نطمئن لما لم نفهمه، ونرضى بما لم نختره، ونثق بك حين تعجز عقولنا عن الفهم، ونُحسن الظن بك حين تؤلمنا الحياة.
«لن يحدث أبدًا»… هكذا قال ظننا، والله وحده يعلم لماذا حدث.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم