دخلتُ الدراسات العليا لأتعلم كيف تُبنى الدول.. فاكتشفت أن أول دولة يجب أن يتعلم الإنسان كيف يديرها هي نفسه.
فالدول العظيمة لا تُبنى بالموارد والقوانين فقط، بل تُبنى بالإنسان؛ بعلمه ووعيه وأخلاقه وقدرته على احترام الآخر. فالعلم ليس رفاهية في حياة الأمم، بل هو القوة التي تصنع المستقبل.
كنت أظن أن أصعب ما في الدراسات العليا هو فهم تعقيدات السياسة والاقتصاد.. حتى اكتشفت أن أصعب علم لم يُكتب في كتاب
كيف يبقى الإنسان إنسانًا وهو يملك العلم.
دخلت هذه المرحلة وأنا أحمل احترامًا كبيرًا لها. رأيتها عالمًا للأفكار الكبيرة، والأسئلة العميقة، والنقاشات التي تصنع الوعي.
في قاعات الدراسات العليا التقت مسارات إنسانية مختلفة؛ خبرات عسكرية، وعقول أكاديمية، وأقلام صحفية، وباحثون جاءوا من بيئات متعددة، يحمل كل منهم حلمه وتجربته ورحلته الخاصة.
كان بينهم من يجمع العلم بالتواضع، ومن يرى المعرفة طريقًا للحوار، لكن المواقف كشفت أيضًا أن الشهادة لا تصنع دائمًا إنسانًا راقيًا.
فقد يحمل الإنسان كتابًا في يده، لكنه يحمل في داخله قسوة لا تليق بالعلم.
وقد يناقش السياسة والاقتصاد والديمقراطية والعدالة، ثم يفشل في أبسط اختبار حضاري:
احترام الآخر.
ظهرت سلوكيات مؤلمة في مكان يفترض أنه يصنع النخبة؛ تقليل من الآخرين، وسخرية من الأفكار، ومحاولات لإثبات الذات بإلغاء قيمة من أمامنا.
والأكثر صدمة أن بعض مظاهر التنمر ظهرت داخل الدراسات العليا بين أشخاص بالغين يحملون شهادات وتجارب؛ فالتقليل من الآخر أو السخرية من فكرته ليس اختلافًا علميًا، بل أزمة في فهم معنى العلم نفسه. فالمكان الذي يفترض أن يجمع عقولًا ناضجة لا يجب أن يعيد إنتاج صراعات الطفولة بثوب أكاديمي..
وهنا كان السؤال: إذا كان هذا يحدث في المكان الذي يفترض أن يصنع الوعي..فماذا ننتظر من بقية المجتمع؟
أتذكر طفولتي حين أخذتني أمي إلى الكُتّاب لأتعلم القرآن. لم يكن الدرس الأول هو الحفظ فقط، بل كان الأدب؛ احترام الآخر، ومسؤولية الكلمة، وأن الرحمة جزء من بناء الإنسان.
ولهذا كان صادمًا أن تظهر في مرحلة عمرية متقدمة سلوكيات كنت أظن أننا تجاوزناها منذ الطفولة.
ولا تكتمل الصورة دون الحديث عن الأستاذ الجامعي؛ فالمعلم ليس ناقل علم فقط، بل قدوة.
فالهيبة العلمية لا تُبنى بالخوف، ولا بإشعار الطالب أنه أقل قيمة.
فالطالب في الدراسات العليا ليس طفلًا، بل عقل له تجربة وكرامة.
نذهب إلى الدراسات العليا لنصبح أكثر وعيًا وإنسانية، لا أكثر شهادة فقط
والأستاذ الحقيقي لا يصنع تابعين يخشونه، بل عقولًا تحترمه وتكمل الطريق بعده.
فالكرسي لا يصنع قيمة الإنسان..بل يكشفها.
الغريب أن بعض الناس يدرسون السياسة، لكنهم يمارسون الإقصاء في أبسط حوار.
يدرسون الاقتصاد، لكنهم لا يعرفون قيمة الاستثمار في كلمة طيبة.
يتحدثون عن تغيير العالم، بينما يعجزون عن تغيير طريقة تعاملهم مع إنسان بجوارهم.
يجيدون الحديث عن القيم أكثر من تطبيقها؛ فالعلم الحقيقي لا يظهر في الكلمات التي نقولها، بل في السلوك الذي نمارسه
وفي دفعة تضم سبعين شخصًا تقريبًا، كانت الندرة الحقيقية ليست في الذكاء.
العقول كثيرة..لكن النضج نادر
والشخصيات التي تمتلك الهدوء والاحترام والقدرة على الاختلاف دون تجريح، هي التي تمنح أي مكان قيمته الحقيقية.
وتلك النماذج المضيئة تؤكد أن العلم الحقيقي ما زال قادرًا على صناعة إنسان راقٍ
وهنا كان الدرس الحقيقي
وسوف ألقنكم درسًا..
ليس في السياسة فقط، ولا في الاقتصاد فقط، ولا في مناهج البحث فقط.
بل في الدرس الذي يسبق كل العلوم: أن بناء الدول يبدأ من بناء الإنسان.
والدرس الذي تتعلمه الدول العظيمة قبل أن تبني مؤسساتها: أن الثقة بين الناس هي أول رأس مال لأي وطن، فإذا انهارت الثقة، لم تنقذها القوانين وحده، وأن أخطر أنواع الفساد ليس المالي وحده، بل فساد الأخلاق؛ لأنه يهدم الإنسان الذي سيبني الدولة
فالسياسة الحقيقية ليست أن تنتصر على المختلف معك، بل أن تعرف كيف تدير الاختلاف. والاقتصاد الحقيقي ليس أرقامًا فقط، بل استثمار في الإنسان الذي يصنع هذه الأرقام.
والدرس الأعمق أن العلم إذا لم يصنع إنسانًا أكثر تواضعًا ورحمة، فقد فقد جزءًا من رسالته.
فمن يستخدم معرفته لتقليل الآخرين لم يفهم معنى المعرفة، ومن يطلب مكانة أكبر من خلال كسر غيره لم يدرك أن القيمة لا تُنتزع من الآخرين.
فالدول لا تحتاج فقط إلى أصحاب الشهادات، بل إلى أصحاب الضمير.
فالجبل لا يثبت ارتفاعه بهدم التلال.
الحل ليس فقط في اللوائح والقوانين، بل في إعادة تعريف معنى العلم نفسه.
أن نفهم أن الأستاذ صاحب رسالة، وأن الطالب عقل يُبنى، وأن الاحترام شرط للمعرفة، والرحمة جزء من التعليم.
فما عجزت الأسرة عن غرسه في سنوات، لن تصنعه الجامعة في محاضرة؛ لكنها تستطيع أن تحميه، أو أن تهدم ما تبقى منه
فالجامعة لا تصنع شهادات فقط، بل تصنع الإنسان الذي سيحمل هذه الشهادات إلى المجتمع
وفي المقابل، هناك أساتذة وزملاء يثبتون كل يوم أن العلم الحقيقي لا يرفع صاحبه فوق الناس، بل يجعله أقرب إليهم.
لم يكن هذا الدرس لإدانة أحد، فكلنا طلاب في مدرسة الإنسان؛ لكن بعضنا يحمل الشهادات، وبعضنا يحمل الحكمة.
في النهاية..
لم أخرج من الدراسات العليا فقط بمعرفة جديدة في السياسة والاقتصاد، بل خرجت بسؤال أكبر:
هل نريد أن نُخرج أجيالًا تحمل شهادات أعلى.. أم أجيالًا تحمل إنسانية أعلى؟
أخشى على جيل كامل لا من نقص المعلومات، بل من أن يتعلم أن القسوة ذكاء، وأن التقليل من الآخر قوة؛ فالمجتمعات لا تنهض بالعقول وحدها، بل بالقلوب التي تعرف معنى الرحمة.
تحية لكل أم ربت إنسانًا محترمًا معتدلًا؛ لأن أول جامعة يدخلها الإنسان هي البيت، وأول أستاذ يعلمه معنى الإنسانية هي أمه.
والرحمة قبل العلم..لأن العلم يرفع مكانة الإنسان، لكن الرحمة هي التي تحفظ إنسانيته
اللهم ارزقنا علمًا يزيدنا تواضعًا، وقلوبًا تعرف الرحمة، وألسنة لا تجرح، واجعل العلم نورًا في عقولنا ورحمةً في قلوبنا، ولا تجعل شهاداتنا أكبر من إنسانيتنا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم