وكيل علماء إندونيسيا لـ”اليوم”: تعاون القاهرة وجاكرتا قوة ناعمة تدعم فلسطين (حوار)

حوار: سمر صفي الدين

كشف وكيل مجلس العلماء الإندونيسي، الدكتور محمد خليل نفيس، أن تنسيق السياسة الخارجية بين إندونيسيا ومصر يمنح البلدين قدرة أكبر على التأثير في الساحة الدولية، ودعم قضايا العالم الإسلامي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وفي حوار خاص مع “اليوم” خلال زيارته الحالية إلى القاهرة، تناول نفيس آفاق الدبلوماسية الدينية بين البلدين، ودورها في تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون المشترك، إلى جانب مواجهة التطرف وخطاب الكراهية.

وأُجري الحوار على هامش مشاركته في المؤتمر الدولي الذي نظمته دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، يومي الأربعاء والخميس، بمشاركة نخبة من العلماء والمفتين والباحثين من داخل مصر وخارجها.

  • كيف تنظرون إلى دور الدبلوماسية الدينية في دعم العلاقات الاستراتيجية بين مصر وإندونيسيا؟

أعتقد أن هناك ترتيبًا وأولويات ينبغي مراعاتها في تطوير التعاون بين إندونيسيا ومصر، ويأتي في مقدمتها التعاون العلمي والديني.

فالتعاون العلمي بين البلدين قائم منذ زمن طويل، لكنه لم يأخذ بعد الشكل المؤسسي والمنظم الذي يتناسب مع أهميته، ولذلك ينبغي الارتقاء بهذا التعاون وتطويره، ولا سيما في مجال العلوم الإسلامية.

ويمكن لمصر، بما تمثله من ثقل علمي وفكري إسلامي، وإندونيسيا، بما لها من تجربة واسعة في الحياة الإسلامية والمجتمعية، أن تعززا معًا خطاب الإسلام الوسطي والمعتدل، وأن تجعلا هذا التعاون أكثر تنظيمًا واستدامة.

  • هل يمكن للقاهرة وجاكرتا قيادة تحالف إسلامي قائم على القوة الناعمة لمواجهة التطرف وخطاب الكراهية دوليًا؟

ينبغي أن يكون هناك قدر أكبر من التنسيق والتوافق بين السياسة الخارجية الإندونيسية والمصرية، بما يسمح للبلدين بأن يكون لهما تأثير أكبر في الساحة الدولية.

ويمكن لهذا التنسيق أن يستند إلى القيم الإسلامية القائمة على الوسطية والاعتدال، وأن يسهم في توجيه السياسات الدولية نحو تحقيق السلام والاستقرار وحل النزاعات بالطرق السلمية.

وتمثل الوسطية الإسلامية رصيدًا حضاريًا وقوة ناعمة يمكن لمصر وإندونيسيا توظيفها معًا لنشر ثقافة السلام في مختلف أنحاء العالم.

كما يمكن لهذا التعاون أن يظهر قدرة العالم الإسلامي على تقديم إسهام إيجابي في بناء نظام عالمي أكثر عدلاً واستقرارًا، بعيدًا عن التطرف وخطاب الكراهية.

  • كيف يمكن للتعاون الديني بين مصر وإندونيسيا دعم التحركات السياسية والإنسانية تجاه “القضية الفلسطينية”؟

هذا يتفق تمامًا مع ما نراه ونلمسه، فبالنسبة إلى الشعب الإندونيسي وحكومته هناك كلمة واحدة وموقف واحد تجاه فلسطين.

فالقضية ليست مجرد تقديم المساعدات المالية أو الغذائية، بل هي في جوهرها قضية دعم حرية فلسطين واستقلالها.

وقد شاركتُ عدة مرات في مؤتمرات عُقدت في القاهرة، ووجدت الموقف نفسه حاضرًا بقوة في العديد من الكلمات التي أُلقيت خلال هذه الفعاليات.

وكان التأكيد واضحًا من جانب وزير الأوقاف، وفضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، مفتي جمهورية مصر العربية، وعدد من القيادات والشخصيات الدينية، على أن حرية فلسطين واستقلالها حق لا بد أن يتحقق.

كما تحرص كثير من المؤتمرات والفعاليات على استضافة شخصيات وممثلين عن الشعب الفلسطيني ليتحدثوا بأنفسهم عن معاناتهم وأهمية الحرية والاستقلال.

ومن هنا، فإن التعاون بين مصر وإندونيسيا، الذي يتجسد اليوم في تقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني، ينبغي أن يرتقي أيضًا إلى مستوى دبلوماسية التحرير والاستقلال الفلسطيني.

إننا نحتاج إلى أن نكون كلمة واحدة وصوتًا واحدًا وخطوة واحدة، مع قيام كل دولة بدورها وفق إمكاناتها ومكانتها، من أجل دعم حرية فلسطين واستقلالها.

وتشعر إندونيسيا بمسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه فلسطين، انطلاقًا من رابطة الأخوة الإسلامية والإنسانية، فضلًا عن الروابط التاريخية التي تجمع الشعبين.

كما تضطلع مصر بمسؤولية كبيرة تجاه فلسطين، بحكم الجوار والتاريخ والأخوة الإنسانية والإسلامية، وهذا كله ينبغي أن يتحول إلى خطوة مشتركة.

ولا شك أن المساعدات العاجلة، من الغذاء والدواء والإغاثة الإنسانية، تبقى ضرورة لا يمكن تأجيلها في هذه المرحلة.

لكن الهدف النهائي يجب أن يكون أبعد من المساعدات المؤقتة، وهو أن ينال الشعب الفلسطيني حريته وحقه الكامل في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

فالمساعدات الإنسانية ضرورة، ولكن غايتنا الكبرى هي فلسطين حرة مستقلة، يعيش شعبها بكرامة وأمن وسلام.

  • ما الذي تحتاجه الشراكة المصرية–الإندونيسية لتتحول من تبادل الزيارات إلى مشروعات دبلوماسية وثقافية مستمرة؟

يمكن أن يشكل الجمع بين التعاون العلمي والديني، والتعاون السياسي، والتعاون الاقتصادي، منظومة متكاملة للعلاقات الإندونيسية–المصرية.

ويأتي التعاون الاقتصادي كأحد المجالات المهمة للغاية، خصوصًا أن البلدين من الدول النامية، ويمكنهما تطوير مجالات التكامل والمنفعة المتبادلة.

ويمكن لإندونيسيا ومصر تعزيز التعاون في مجال الأمن الغذائي، من خلال زيادة التبادل التجاري للمنتجات الزراعية والغذائية والتوابل وغيرها من السلع التي يحتاج إليها كلا البلدين.

كما يمكن توسيع التعاون في مجالات الطاقة والصناعات الغذائية والاستثمار وسلاسل الإمداد، بما يعزز قدرة البلدين على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

وإذا عمل البلدان بصورة مشتركة ومنسقة في هذه المجالات الثلاثة، فإن ذلك سيعزز مكانتهما وقدرتهما على التأثير الإيجابي في العالم.

وهذه هي القوة الناعمة التي نحتاج إليها اليوم؛ قوة تقوم على العلم والوسطية، وعلى التعاون السياسي والاقتصادي، من أجل تقديم إسهام حقيقي في تحقيق السلام العالمي.

  • ناقشتم خلال هذه المناسبة قضايا جديدة مرتبطة بالتحولات المعاصرة، فما أبرزها؟

كنا في السابق نتحدث عن الذكاء الاصطناعي وتأثيره في الوعي والتصورات الدينية، ولا سيما في كيفية تلقي المعرفة الدينية وتكوين الفهم الديني لدى المسلمين.

وفي هذا السياق، ناقشنا في عصر الذكاء الاصطناعي قضية مهمة تتعلق بكيفية التعامل مع المعرفة الدينية في إندونيسيا ومصر.

ويشترك البلدان في الاهتمام بالحفاظ على السند العلمي وسلامة نقل المعرفة، حتى لا تؤدي التقنيات الحديثة إلى إضعاف أصالة العلوم والمعارف الإسلامية أو تشويهها.

فالأمة الإسلامية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على أصالة المعرفة، وعلى منهج التلقي الصحيح، وعلى استمرارية السند العلمي الذي يربط الأجيال بعضها ببعض.

  • وما القضية الأخرى التي تحظى بأهمية في النقاش الديني بين البلدين؟

يتركز النقاش في هذه المناسبة على قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي التحديات التي تواجه الأسرة المعاصرة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم.

وينظر الإسلام إلى الأسرة باعتبارها الحصن الأول للمجتمع والأساس الأول في بناء الإنسان والأمة، لأن الإصلاح والتنمية الحقيقية لا يبدأان من المؤسسات الكبرى فحسب، بل يبدأان من الأسرة.

وفي ظل التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة اليوم، فإن حمايتها لا تكون بمجرد بناء الأسوار المادية حولها، وإنما ببناء المناعة الإيمانية والفكرية والأخلاقية لأفرادها.

فالأسرة القوية هي الأسرة التي تمتلك القدرة على فهم المتغيرات، والتمييز بين ما ينفع وما يضر، والتعامل الواعي مع تحديات العصر.

  • طرحتم مفهوم “الأسرة الصالحة والأسرة المصلحة”، ماذا تقصدون بهذا المفهوم؟

لا ينبغي أن تكون الأسرة صالحة في ذاتها فحسب، بل ينبغي أن تكون أيضًا مصلحة لغيرها، أي أن صلاحها لا يتوقف عند حدود أفرادها.

فالأسرة الصالحة تحافظ على إيمانها وأخلاقها وقيمها، أما الأسرة المصلحة فتتجاوز ذلك إلى صناعة الخير ونشره والتأثير الإيجابي في الآخرين.

وإذا أصبحت الأسر المسلمة أسرًا صالحة ومصلحة في الوقت نفسه، فإنها ستكون من أهم مصادر قوة المجتمعات والدول الإسلامية في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.

  • كيف يمكن للأسرة المسلمة التعامل مع الحداثة والتطور دون فقدان الهوية؟

لا نريد أن تكون الأسرة المسلمة معادية للحداثة والتطور، وفي الوقت نفسه لا نريد لها أن تذوب في الحداثة ذوبانًا يفقدها هويتها وقيمها.

والمطلوب هو موقف واعٍ ومتوازن، نأخذ من التقدم العلمي والتكنولوجي ما ينفع الإنسان، ونستفيد من إيجابيات العصر، ونحافظ في الوقت نفسه على هويتنا وقيمنا.

كما ينبغي أن تمتلك الأسرة والمجتمع القدرة على رصد التحديات الخارجية وتشخيصها والوقاية من آثارها والتخفيف من مخاطرها.

  • ما الرسالة التي تحملها زيارتكم إلى القاهرة للرأي العام في مصر وإندونيسيا؟

نحتاج إلى قوتين متكاملتين: قوة المعرفة الأصيلة والعميقة، وقوة الأسرة المتماسكة والمصلحة.

فإذا اجتمعت أصالة العلم مع قوة الأسرة، أصبح الإسلام أكثر قدرة على تقديم نموذج حضاري مؤثر، لا يقوم على الانغلاق أو الصدام، وإنما على العلم والأخلاق والرحمة والتوازن.

وهنا يمكن للإسلام أن يؤدي دوره الحضاري في التأثير الإيجابي في المجتمعات، ونشر قيم السلام والاستقرار والنظام، وتعزيز التعايش بين الناس وإشاعة مكارم الأخلاق.

وغاية القوة الحضارية ليست السيطرة على الآخرين، وإنما أن يكون أثرها في الناس قائمًا على الخير والعدل والرحمة، حتى يصبح الإسلام مصدرًا للإصلاح والسلام في العالم.

اترك رد