في لحظات الغضب قد يفقد الإنسان قدرته على التحكم في كلماته وتصرفاته، فتخرج منه عبارات يندم عليها بعد أن تهدأ نفسه، وقد تتحول لحظة انفعال عابرة إلى خصومة أو قطيعة أو مشكلة يصعب تدارك آثارها.
ومن هنا جاءت السنة النبوية الشريفة لتضع أمام المسلم منهجًا عمليًا للتعامل مع الغضب، لا يقوم فقط على كبح الانفعال، وإنما يبدأ باللجوء إلى الله سبحانه وتعالى والاستعاذة به من الشيطان الرجيم.
ويرصد الدكتور مختار مرزوق عبدالرحيم، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع أسيوط، جانبًا مهمًا من هذا التوجيه النبوي، مؤكدًا أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم من السنن التي ينبغي المحافظة عليها عند اشتداد الغضب.
كلمة نبوية تهدئ ثورة الغضب
ويستند هذا التوجيه إلى الحديث الذي رواه سليمان بن صرد رضي الله عنه، حيث قال: «استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن جلوس عنده، وأحدهما يسب صاحبه مغاضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
ويكشف هذا الموقف النبوي عن دقة المنهج الإسلامي في التعامل مع الانفعال؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بوصف الغضب أو التحذير من آثاره، وإنما أرشد إلى وسيلة عملية يستطيع المسلم أن يلجأ إليها في لحظة اشتداد الغضب.
وتأتي الاستعاذة بالله هنا باعتبارها لجوءًا إلى الله تعالى من وساوس الشيطان وإغوائه، وهي كلمة يسيرة في ألفاظها، عظيمة في معناها وأثرها على النفس متى قالها الإنسان بصدق واستحضار.
عندما يحول الغضب بين الإنسان والنصيحة
ويلفت الدكتور مختار مرزوق إلى أن الرواية نفسها تكشف جانبًا آخر من طبيعة الغضب، فقد قيل للرجل: «ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟»، فأجاب: «إني لست بمجنون».
وقد حمل العلماء هذا الرد على أكثر من وجه، فقيل إن الرجل كان منافقًا، وقيل إن شدة غضبه أخرجته عن حد الاعتدال، فلم يقبل النصيحة في تلك اللحظة.
وهنا تظهر خطورة الغضب حين يتجاوز الإنسان فيه حدود الاتزان؛ فقد يجعل صاحبه يرفض حتى النصيحة النافعة، أو يتعامل مع الكلام الصحيح باعتباره تدخلاً أو إساءة، بينما هو في الحقيقة بحاجة إلى أن يتوقف لحظة ويستعيد هدوءه.
وتؤكد هذه الواقعة أن ضبط الغضب ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل هو تدريب للنفس على التزام الأدب والرجوع إلى الحق وعدم الانسياق وراء الانفعال.
ومن هذا التوجيه النبوي يمكن للمسلم أن يجعل الاستعاذة بالله عادة حاضرة عند الغضب، فيكثر منها حتى تهدأ نفسه ويستعيد قدرته على التفكير والتصرف بصورة متزنة.
إن لحظة الغضب قد تكون قصيرة، لكن آثارها قد تمتد طويلًا، ولذلك فإن التمسك بالهدي النبوي في تلك اللحظة يمثل حماية للإنسان من كلمة يندم عليها، أو موقف يفسد علاقة، أو تصرف يصعب إصلاحه.
ويبقى الذكر النبوي في مواجهة الغضب تذكيرًا عمليًا بأن القوة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت أو الانتصار في الخصومة، وإنما في قدرة الإنسان على أن يملك نفسه عندما تثور مشاعره، وأن يلجأ إلى الله تعالى قبل أن تقوده لحظة انفعال إلى ما لا تحمد عقباه.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم