تُعد حرب أكتوبر 1973 واحدة من أعظم الملاحم الوطنية في التاريخ المصري الحديث، إذ لم تكن معركة عسكرية خاضتها القوات المسلحة وحدها، وإنما كانت ملحمة شاركت فيها مختلف مؤسسات الدولة، كلٌّ في مجاله واختصاصه، لتوفير مقومات الصمود وتحقيق النصر.
وإذا كانت القوات المسلحة قد تولت مهمة العبور وتحرير الأرض، فإن نجاح هذه المهمة ارتبط بصورة وثيقة بقدرة الدولة على إدارة الجبهة الداخلية، وتأمين احتياجات المواطنين والقوات المسلحة، والحفاظ على استقرار الأسواق، وضمان توافر السلع الأساسية. ومن هنا برز الدور الوطني لكل من وزارتي الزراعة والتموين والتجارة الداخلية، باعتبارهما جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي خلال تلك المرحلة.
الزراعة والتموين في منظومة الخداع الاستراتيجي
قبل اندلاع الحرب، أدركت القيادة المصرية أن تحقيق المفاجأة الاستراتيجية يتطلب إخفاء الاستعدادات العسكرية عن العدو، وإيجاد غطاء مقنع للتحركات والمعدات والأنشطة التي تجري بالقرب من الجبهة.
وفي يوليو 1972، وقبل الحرب بنحو أربعة عشر شهرًا، عقد الرئيس أنور السادات اجتماعًا ضم عددًا من القيادات المعنية بالأمن والدفاع، لبحث خطة متكاملة للخداع الاستراتيجي، استهدفت إخفاء نوايا مصر العسكرية وإرباك تقديرات العدو.
وقد قامت الخطة على ستة محاور رئيسية، شملت نقل المعدات إلى الجبهة، وإجراءات تتعلق بالجبهة الداخلية، وخطط الخداع الميداني والسيادي، وتأمين تحركات واستعدادات القوات المسلحة، فضلًا عن جمع المعلومات عن العدو والعمل على تضليله.
وفي إطار هذه الخطة، لم تكن المؤسسات المدنية بعيدة عن المشهد، بل جرى توظيف إمكاناتها بصورة ذكية لخدمة الهدف العسكري.
وهنا برز دور وزارة الزراعة باعتبارها إحدى المؤسسات التي ساهمت في توفير الغطاء المدني لبعض التحركات والاستعدادات. ومن أبرز الأمثلة على ذلك استيراد مضخات مياه عملاقة تحت غطاء استخدامها في مشروعات الري واستصلاح الأراضي، في حين ارتبطت هذه المعدات في الحقيقة بخطة اقتحام خط بارليف.
وقد كانت فكرة استخدام المياه لهدم الساتر الترابي شرق القناة من الأفكار الهندسية المهمة التي أسهمت في تجاوز أحد أصعب العوائق التي أقامتها إسرائيل على الضفة الشرقية للقناة. فالساتر الترابي كان يتكون من ملايين الأمتار المكعبة من الرمال، وبزاوية انحدار شديدة، الأمر الذي جعل اقتحامه بالوسائل التقليدية أمرًا بالغ الصعوبة.
ومن هنا جاءت الاستفادة من مضخات المياه ذات القدرة العالية في فتح الثغرات داخل الساتر الترابي، لتتحول معدات ظهرت في ظاهرها كجزء من مشروعات زراعية وري إلى عنصر مهم في تنفيذ خطة العبور.
كما تحركت وزارة الزراعة بمرونة لتوفير التفسيرات المدنية المناسبة لوجود المعدات والناقلات والمضخات بالقرب من منطقة القناة، بما جعل تلك التحركات تبدو مرتبطة بمشروعات زراعية وتجارب للري، الأمر الذي ساعد على عدم كشف الغرض الحقيقي منها.
واستُخدمت بعض الترع والمجاري المائية في الاختبارات والتجارب المرتبطة بفكرة الضخ ونقل المعدات، بما وفر بيئة مناسبة لمحاكاة الظروف الفعلية التي ستُستخدم فيها المضخات أثناء تنفيذ خطة العبور.
وهكذا تحولت بعض عناصر البنية التحتية المدنية، من ترع وقنوات ومعدات زراعية، إلى جزء من منظومة الخداع الاستراتيجي، في نموذج يعكس مدى تكامل مؤسسات الدولة في الاستعداد للمعركة.
«المزرعة الصينية».. حين التقت الأرض الزراعية بالميدان العسكري
ومن المفارقات اللافتة في حرب أكتوبر ارتباط بعض المواقع الزراعية بأحداث عسكرية بالغة الأهمية، ومن أبرزها ما عُرف باسم «المزرعة الصينية» شرق القناة.
وقد أُطلق عليها هذا الاسم لوجود معدات زراعية صينية في المنطقة، قبل أن تتحول خلال الحرب إلى مسرح لمعارك عنيفة بين القوات المصرية والإسرائيلية.
ورغم أن المزرعة لم تكن موقعًا للتجارب العسكرية قبل الحرب، فإنها أصبحت خلال المعارك رمزًا للارتباط بين الأرض الزراعية والميدان العسكري، وتحولت حقولها إلى ساحة مواجهة شرسة أسهمت في إيقاف تقدم القوات الإسرائيلية وأظهرت صمود المقاتل المصري وقدرته على مواجهة ظروف القتال القاسية.
الأمن الغذائي.. جبهة أخرى من جبهات المعركة
لم يكن تحقيق المفاجأة العسكرية كافيًا وحده لضمان نجاح الحرب؛ فقد كانت الدولة مطالبة في الوقت نفسه بالحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية وتأمين احتياجات نحو 37 مليون مواطن في ذلك الوقت.
ومن هنا أصبح الأمن الغذائي جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري خلال الحرب.
وقد اضطلعت وزارة الزراعة بدور مهم في توفير المنتجات الغذائية، حيث جرى تخصيص جانب من إنتاج المزارع والهيئات الحكومية لصالح القوات المسلحة، بما شمل اللحوم والدواجن والخضروات والفاكهة، بالتنسيق مع أجهزة الإمداد والتموين بالقوات المسلحة.
كما لعبت عمليات التخزين والتبريد والنقل دورًا مهمًا في ضمان وصول المنتجات الغذائية بصورة منتظمة وآمنة إلى الجهات المستفيدة، بما يحقق التوازن بين احتياجات القوات المسلحة واحتياجات المواطنين.
وفي الوقت نفسه، اتجهت السياسات الزراعية إلى دعم إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح والذرة، بهدف زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في ظل ظروف الحرب.
وكان هذا التوجه جزءًا من رؤية أوسع للأمن الغذائي تقوم على توفير مخزون مناسب من السلع الأساسية، والحد من احتمالات حدوث نقص أو اضطراب في الأسواق، بما يحافظ على استقرار المجتمع ورفع معنوياته.
وزارة التموين.. خط الدفاع الثاني
إذا كانت وزارة الزراعة تمثل جانب الإنتاج الزراعي وتأمين جانب مهم من الاحتياجات الغذائية، فإن وزارة التموين والتجارة الداخلية تولت جانبًا بالغ الأهمية يتعلق بإدارة السلع وتوزيعها وضبط الأسواق وحماية المستهلك.
وكانت القاعدة الأساسية التي تحكم هذا الدور أن المعركة العسكرية تحتاج إلى جبهة داخلية مستقرة، لا تعاني نقصًا في السلع الأساسية ولا تشهد اضطرابًا في الأسواق.
وفي هذا الإطار، اضطلعت الهيئة العامة للسلع التموينية بدور مهم في بناء وإدارة مخزون استراتيجي من السلع الرئيسية، مثل القمح والزيت والسكر والدقيق، بما يضمن توافر الاحتياجات الأساسية خلال الأزمات.
وجاء ذلك في ظل ظروف اقتصادية ومالية صعبة، فرضتها متطلبات المجهود الحربي، الأمر الذي جعل إدارة الموارد المتاحة وتأمين تدفق السلع من الداخل والخارج مهمة ذات أهمية استراتيجية.
كما تطلب الأمر تنسيقًا وثيقًا بين الأجهزة المختلفة لضمان استمرار تدفق السلع، وتأمين عمليات التخزين في مواقع مناسبة وموزعة، بما يقلل مخاطر تعرض المخزون لأي تهديد.
استقرار الأسواق ومواجهة الاحتكار
كان انتظام عملية توزيع السلع التموينية أحد أهم عناصر الحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية.
فقد استمرت منظومة صرف السلع الأساسية عبر منافذ الجمعيات الاستهلاكية وشبكات التوزيع المختلفة، بما ساعد على ضمان وصول احتياجات المواطنين إلى مختلف المحافظات.
كما أسهم انتظام الإمدادات في الحد من مظاهر الاحتكار والتخزين غير المشروع، ومنع حدوث حالة من التدافع على الأسواق أو شراء كميات تفوق الاحتياجات، وهو ما كان يمكن أن يؤدي إلى اضطراب الأسعار وزيادة الأعباء على المواطنين.
وكان الحفاظ على استقرار الأسعار وتوافر السلع لا يمثل مجرد إجراء اقتصادي، وإنما كان جزءًا من إدارة المعركة على المستوى الاجتماعي والنفسي؛ فاستقرار حياة المواطن في الداخل كان عاملًا مهمًا في دعم المقاتل على الجبهة.
الرقابة على الأسواق وترشيد الاستهلاك
اضطلعت أجهزة الرقابة والتموين، بالتنسيق مع مباحث التموين، بدور مهم في متابعة الأسواق والتصدي لمحاولات احتكار السلع أو حجبها أو تسريب السلع المدعمة.
كما ارتبط ذلك بنشر ثقافة ترشيد الاستهلاك وتشجيع المواطنين على التعامل مع الموارد المتاحة بمسؤولية، بما يضمن وصول السلع الأساسية إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين.
وقد شكلت هذه الإجراءات نموذجًا للتكافل الاجتماعي في زمن الحرب، حيث أصبح الحفاظ على الموارد وتوزيعها بعدالة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
مدن القناة.. التموين تحت القصف
كان الدور الأكثر صعوبة لوزارة التموين في المناطق القريبة من العمليات العسكرية ومدن القناة، حيث تعرضت تلك المناطق للقصف والظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.
ورغم ذلك، استمرت الجهود لتوفير الخبز والمواد الغذائية الأساسية للسكان ومراكز الإيواء، في ظروف شديدة الصعوبة، بما عكس قدرة الأجهزة المدنية على العمل في ظل الأزمات.
وتقدم مدينة السويس نموذجًا واضحًا لهذا الدور. ويشير المؤرخ السويسي حسين العيشي، في كتابه «حصار السويس – 100 مجهولة في حرب أكتوبر»، إلى جانب من أجواء الحياة داخل المدينة خلال تلك الفترة، مستشهدًا بدور مدير التموين آنذاك، علاء الخولي، الذي أدار عملية تأمين السلع بعيدًا عن التعقيدات الروتينية، واتخذ قرارات استثنائية لضمان حصول سكان المدينة على احتياجاتهم الأساسية.
وتكشف هذه الواقعة عن طبيعة المسؤولية التي تحملها العاملون في قطاعات التموين خلال الحرب؛ فقد كانت مهمتهم تتجاوز الإجراءات الإدارية المعتادة لتصبح جزءًا من معركة الحفاظ على حياة المواطنين وصمودهم.
تكامل مؤسسات الدولة.. سر من أسرار الصمود
تكشف تجربة حرب أكتوبر 1973 أن الانتصار لم يكن نتاج العمل العسكري وحده، وإنما كان ثمرة تكامل بين مختلف مؤسسات الدولة.
ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة تخطط للعبور وتنفذ العمليات القتالية، كانت مؤسسات الدولة المدنية تعمل على تأمين الغذاء، وضبط الأسواق، وإدارة المخزون الاستراتيجي، والحفاظ على استقرار المجتمع.
كما ساهمت وزارة الزراعة في توفير الإنتاج والموارد والمعدات التي خدمت أهداف الدولة، وشاركت بصورة غير مباشرة في منظومة الخداع الاستراتيجي، بينما تولت وزارة التموين مسؤولية أساسية في ضمان استمرار تدفق السلع وحماية الجبهة الداخلية من النقص والاضطراب.
وهكذا كانت الجبهة الداخلية بمثابة «خط الدفاع الثاني» الذي دعم القوات المسلحة ووفّر للقيادة السياسية والعسكرية الثقة في قدرة الدولة على الصمود خلال الحرب.
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن المعارك الكبرى لا تُحسم في ساحات القتال وحدها، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات من التخطيط والإعداد، وتشمل الاقتصاد والزراعة والتموين والصناعة والإعلام والمجتمع وكل مؤسسات الدولة.
ومن ثم، فإن استحضار دور وزارتي الزراعة والتموين في حرب أكتوبر ليس مجرد استعادة لجانب من التاريخ، وإنما هو تأكيد لحقيقة راسخة: أن أمن الغذاء واستقرار الأسواق كانا جزءًا من منظومة الأمن القومي المصري، وأن صمود الجبهة الداخلية كان أحد المكونات الأساسية للنصر في أكتوبر 1973.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم