-
مسؤول الصحة الأول بغزة يروي “لليوم” تغول الاحتلال في استهدافه وأسرته ومنعه من العلاج
دكتور منير البرش:
-
قتل الاحتلال ولدي عقب ابتعاده 10 أمتار عن الخيمة بصاروخ قصمه نصفين
-
استهدف الاحتلال بصير ثلاث مرات أحدها بقيت شظاياها بكتفه حتى استشهد
-
أعاني من تهتك بفقرات العمود الفقري وأنتظر دوري للخروج للعلاج بالخارج والاحتلال يمنعني
-
قادة الاحتلال يقدمون الدم الفلسطيني قربانًا للناخب الإسرائيلي لذا لن يتوقفوا عن استهدافنا
-
لا أخشى التعرض للاعتقال أبداً، وإن حاول الاحتلال لن أستسلم مطلقًا
حوار: مروة محي الدين
الدكتور “منير عبد الله البرش”- مدير عام وزارة الصحة بغزة- قصة صمود أسطوري مستمرة بغزة، يشاهدها العالم منذ 7 أكتوبر 2023 وأقصى ما يستطيعون فعله هو التعاطف، فمن الحصار للاستهداف المباشر ثم الحصار من جديد ثم الفقد المتوالي لهم.

ومازال الرجل يتحلى بالصبر حتى شبهه رواد مواقع التواصل الاجتماعي بصحابة الرسول- صلى الله عليه وسلم، وفي حوار خاص لجريدة اليوم تحدث عن حياته وابتلائه باستهداف الاحتلال له وعائلته ورؤيته للمستقبل، وعلق على ذلك التشبيه قائلًا: “ليتنا نصل إلى هذه المرتبة، فدائما ما يتحدث الإعلام فيما نحس أنفسنا أقل كثيرًا مما يصفوننا به، لأننا لن نصل إلى مراتب الصحابة، إنما نعمل لوجه الله- عز وجل- ونرجو منه أن يتقبل عملنا، وما يتحدث به الإعلام لا يؤثر في أنفسنا شيئا ولا يقدم شيئا، وإن كانت بعض الكلمات تواسي القلوب، فما نرجوه من الله أعظم وأكبر من ذلك”.
عصفورين بحجر

في البداية سألنا “البرش” عن الاستهداف الأخير لنجله وما إذا كان قصفًا عشوائيًا أم استهداف مباشر، فقال: “عقب استشهاد بصير أعلن جيش الاحتلال أنه استهدفه مباشرة، حيث كان يقصده بالاسم والصفة، فقد قال لي قبيل استشهاده بلحظات نقلا عن معلومات من مسؤولين أمنيين: أن الاحتلال يترصده ويضعه في بؤرة الاستهداف ويتتبع خطواته وخطواتي ويترصدني أنا أيضًا، ويحاول استهدافنا معًا، ليجمع بيننا فيكون قد اصطاد عصفورين بحجر واحد، وكان يخشى أن يتم استهدافنا معا داخل الخيمة؛ فقلت له في آخر كلمات وجهتها له وكنت مبتسمًا في وجهه: (مين بيصح له نموت مع بعض ونستشهد ونطلع ع الجنة مع بعض) ورددتها مرتين؛
هنا منحني أخر نظرة منه وتبسم وأغلق باب الخيمة، وابتعد عنها حوالي 10 أمتار، فاستهدفه الاحتلال بصاروخ مباشر قصمه نصفين، وكان قبيل استشهاده قد وضع مع الممرض محلول يحتوي على مضاد حيوي في يدي، وحين سمعت صوت الاستهداف أقسمت بالله إن هذا لبصير، وانتزعت المحلول الذي كان معلقًا بحبل في شباك الخيمة بالقوة، وهرعت نحو ولدي الشهيد، وقد حاول الناس منعي من الوصول إليه في الدقائق الأولى، لأن ثمة مسيرات تابعة للاحتلال مازالت تحلق فخافوا عليّ أن أقترب، ولكني أصررت على الاقتراب لرؤيته، ثم حملته في سيارة الإسعاف وكنت لا أدري أنني أحمل نصفه فقط؛
وقد سبق للاحتلال واستهدفه ثلاث مرات، بما أكد أنهم يقصدون شخصه تحديدًا، حيث أصيب في أحد تلك الاستهدافات في كتفه الأيسر إصابة بالغة، وبينما تم علاجه ظل يعاني منها حتى في آخر يوم في حياته، فكانت الشظايا الحديدية تخرج من جسده كل فترة، حتى بعد إصابته بأشهر طويلة، وكلما ارتدى ملابسه يشعر بوخزة فيها، وبفحص جسده نجد أن هناك شظية أو حديدة تخرج منه، لأن الاحتلال يضع في هذه الصواريخ قطع معدنية بحيث تكون قاتلة، واستشهد ابن عمه وأصيب أصحابه يومها لكنه لم يكل”.
عائلة تحت النار

وعلى طول حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال كانت عائلة “البرش” هدفًا له منذ ديسمبر 2023، فتابع متحدثا عن ذلك: “استهدفنا الاحتلال في المرة الأولى في بيت أختي، حيث كنت أبيت وأسرتي عندها، فاستشهدت جنان وأصيب جميع الأولاد، وقد أصبت إصابة بالغة كادت تودي بي إلى الشلل لكن الله- عز وجل كتب لي النجاة، كما استشهد زوج أختي وابنة أختي وابني أختي في نفس البيت، وأصيبت أختي وتتلقى العلاج الآن في مصر؛
يومها لم يكن بصير معنا في البيت، وقد التقينا به بعد ذلك لقاء الأحبة، بعد أن ظن أننا متنا جميعا، لآن الاستهداف كان بصاروخ (إف16- F16)، ولم يكن ثمة من يظن أن أحدًا منا سينجو، لكن الله نجا البعض وأخذ البعض، وقد تلقيت هذا المصاب بقبول حسن ورضا، وأكملت مسيري في إدارة العمل الصحي فلم يكن هناك وقت للحزن، وبمجرد أن تعافيت عدت للعمل، وكنت أباشر بعض الأعمال بينما أنا ملقى على السرير داخل المستشفى؛
وكنت وقتها موجودًا أثناء حصارين، الأول حصار مستشفى الشفاء والثاني كان حصار مستشفى كمال عدوان، ليكونا أكبر شاهد ودليل على عملي، فقد اختارني الله عزل وجل لهذه المكانة، وأرجو منه أن يتقبله مني”.
حياة شهدين

استرسل “البرش” في الحديث عن حياة فقيديه “بصير وجنان” ونشأتهما، قائلًا: “أما عن بصير- 29 عامًا- فكان منذ نعومة أظفاره مرتبطًا بالمسجد، مداومًا على حفظ كتاب الله عز وجل، وقد ترعرع في أسرة متدينة من حفظة القرآن، حيث وهبني الله ثمانية أبناء ستة منهم حافظين لكتاب الله؛ وعن جنان فكانت شابة يافعة تبلغ من العمر 15 عامًا حافظة للقرأن، أتمت سرد 29 جزءًا منه وبقي لها جزء واحد، وكانت تقول: سأسرد القرآن على جلسة واحدة في رمضان، لكنها استشهدت رحمة الله عليها.
في هذا البيت نشأ بصير ودائمًا ما كانت مناسباته سعيدة، حتى زفافه أقمناه في مسيرات العودة، والصور موجودة على شبكة الإنترنت لفرحه المقام في مظاهرات على الحدود أمام الاحتلال الإسرائيلي، (وكنا ندبك له الدبكة الشعبية وعيوننا تدمع من شدة الغاز المسيل للدموع، الذي يلقيه علينا الاحتلال)؛ وعاش كل الظروف التي مرت على غزة في السنوات السابقة وكل الحروب، وكتب الله عز وجل له الحياة حتى تزوج وأنجب طفلين وابنة، الكبير اسمه (منير) على اسمي، و(صلاح الدين) عمره شهرين، وكذلك ابنة جميلة اسمها (مسك)؛
وأتم دبلوم الهندسة ورغب في إكمال دراسته ليعمل بالمحاماة، وكان يمضي في ذلك ولم يتبقى له سوى الساعات التدريبية النهائية للحصول على شهادته الجامعية، فكنت بقلب الأب الحنون المشفق على ولده أحثه على تسجيل تلك الساعات المتبقية، فضحك وقالي لي: لعلي سجلت في مكان آخر ويقصد هنا الجنة، ففهمت أن له رؤية وهدف، وأنه يعمل ويرى ويقرر وهو صاحب رسالة يفهمها جيدًا”.
إصابات لا تشفى

على ندوب روحه الكثيرة لم يترك الاحتلال جسد “البرش” سليمًا، فقال واصفًا إصابته التي مازال يعاني منها: “أثر الإصابة الذي كنت أتلقى جرعة علاجية له وقت استشهاد بصير، يحتاج مني السفر للعلاج في الخارج في أحد المراكز التخصصية، فالإصابة في العمود الفقري عبارة عن تهتك في أكثر من فقرة فيه أثرت على الأعصاب فتلتهب باستمرار، ولدي اسم معتمد ضمن قوائم المرضى والمصابين، حيث في غزة أكثر من 20 ألف مريض يحتاجون للعلاج بالخارج من بينهم أنا، وما زال الاحتلال يمنعنا، إذ يقتصر خروج المرضى على 25 مريضًا فقط يوميًا، ولا يمكن تقديم اسمي على أسماء المرضى الآخرين، وإن كنت مدير عام وزارة الصحة، فأنا في النهاية مريض ضمن المرضى الآخرين”.
** تمكنت “اليوم” من الحصول على تقرير حالته الصحية، ومرفق بالحوار نسخة منه.
لماذا آل البرش؟
طرحنا السؤال على الطبيب الصابر عن أسباب تغول الاحتلال في استهدافه وعائلته، فقال موضحًا سيكولوجيا الاستهداف الإسرائيلي: “العائلة متدينة ومتعلمة ويحمل أبنائها أعلى الشهادات الجامعية، من الأطباء للمهندسين وغيرهم من حملة الشهادات العليا، ومن بينهم الدكتور عدنان البرش- وهو ابن عمي- وكذلك العديد من الأساتذة والمحامين والقضاة؛
والاحتلال الإسرائيلي يعلم من تصنيفاته أن لبعض العائلات ميزة من التدين والتعليم، وهو يكره تلك الصفات فيكره المتعلمين والمتدينين والعلماء ويخافهم، وقد قتل قرابة 1800 من كوادرنا الصحية، واعتقل 380 شخص منهم، وقتل من العلماء أكثر من 300 عالم على مستوى قطاع غزة؛ أذكر كثيرًا منهم كانوا أصدقاءً لي، من بينهم الدكتور عمر فروانة- عميد كلية الطب، وقتل رئيس قسم الباطنة في مستشفى الشفاء، والدكتور بسام تايب- الأستاذ الجامعي ورئيس الجامعة الإسلامية، والدكتور مروان سلطان وغيرهم أسماء كثيرة؛
وإن لم يستطع القتل يهدد بالأبناء، فحين لم يستطع قتل الدكتور حسام أبو صفية قتل ابنه، ولما لم ينجح في قتل الدكتور منير قتل ابنه، أي أن جزءًا من الأمر تهديد الكوادر الصحية والعلماء بأبنائهم وأحفادهم، للضغط عليهم كي يتوقفوا عن عملهم داخل المجتمع الفلسطيني ويوقفوا مشوارهم وتصريحاتهم للجهات الإعلامية”.
هل يتوقف الاستهداف؟
مع كم المصائب التي أنزلها الاحتلال بالطبيب المكلوم يفترض أن يكتفي بما حقق من ندوب وجروح غائرة في نفسه، لكن “البرش” نفى تلك الفرضية قائلًا: “الاحتلال الإسرائيلي وقادته يعيشون على الدم الفلسطيني وقد تغولوا فيه، فيموتون إن لم يقتلوننا، وتسير انتخاباتهم على الدماء الفلسطينية، وحياتهم ومستقبلهم السياسي يستوجب تقديمها قربانًا للناخب الإسرائيلي، فأضحى مجتمعهم نازي بمعنى الكلمة ولا يمكنهم أن يوقفوا إراقة الدم الفلسطيني؛
وعلى سبيل المثل: تحدث العالم كله عن اتفاق سلام في غزة وتشكيل مجلس أمناء لهذا السلام وأعلى من مفهومه، وفي المقابل لم يوقف الاحتلال إطلاق النار في القطاع حتى الآن، وهناك أكثر من 1400 شهيد و ما يربو على 4000 جريح منذ اتفاق وقف الحرب المزعوم؛ وخلاصة القول: لا يفهم الاحتلال معنى كلمة وقف إطلاق النار فيستهدف دمائنا في كل لحظة، ولن يتوقف عند بصير، بل أتوقع أنه سيستهدف أكثر وأكثر، وسيستمر في استهدافي شخصيًا”.
الاحتلال الذي لا يعرف لجرائمه سقفًا قد يذهب في استهدافه للطبيب الصابر إلى اعتقاله للتنكيل به في السجون، مثلما فعل مع غيره من أطباء غزة، وعن هذا قال الرجل: “نحن لا نخاف الموت حتى نخاف الاعتقال، فمن يرى الموت كما رأيناه يصبح صديقًا له، ومن يرى الدماء وحرب الإبادة والذين ماتوا أمام عيوننا يستطيع أن يقارب بين الموت والحياة، ويتعايش معه وكأنه صديق يمكن أن يزوره في أي لحظة، فليس في قاموسنا معنًا للخوف أو للتراجع أو الوقوف عن خدمة أبناء شعبنا، طريقنا واضح وإن كان معبدًا بالدماء لكننا صابرين ومحتسبين نرجو الأجر من الله- عز وجل؛
ولا ننتظر من أحد أن يغيثنا أو ينصرنا، لأننا يأسنا كل اليأس من الذين يفترض أن ينصرونا، وبقي توكلنا على الله، وقد قلتها في أكثر من حصار في المستشفى الإندونيسي وكمال عدوان: رجائنا في الله دائما وقد يأسنا وكل إنسان كنا نظن أنه سينصرنا خذلنا بالفعل؛ لذا لا أخشى التعرض للاعتقال أبداً، وإن حاول الاحتلال لن أستسلم مطلقًا”.
مسؤولية لا تعرف الاستراحة
حياة الطبيب صاحب العزم لا ترد فيها كلمة الاستراحة على الرغم من كل ما مر به، فيقول عن إمكانية أخذه قسطًا ولو يسيرًا منها: “لا يوجد في قاموسنا حتى اللحظة استراحة حتى يستريح شعبنا، الذي يتعرض للإبادة الجماعية والتطهير العرقي، فلا يمكن لنا أن نستريح أو نقيل ما دمنا على قيد الحياة، حتى نلقى الله- عز وجل- وهو راضٍ عن فعلنا وعملنا وتلك غاية أمانينا”.
حتى في أوج إصابته، لم يجلس “البرش” على سرير المستشفى مكتفيًا بما حل به، بل راح يؤدي عمله في خدمة المرضى تواني، وبسؤاله عن دوافع ذلك قال: “لا يمكن لمن يتحمل مسؤولية كبيرة في وزارة الصحة أن يجلس صامتًا، وينظر للناس تموت دون أن يقدم لهم شيء، كما أنني أعتبر العمل رسالة أكثر منه وظيفة نتقاضى المرتبات مقابلها؛
حيث الموظفون بغزة- على مختلف درجات السلم الإداري من المسؤول الأول للخفير- لا يتقاضون أجورهم إلا كل ثلاثة شهور بما يقدر بنحو 200 دولار فقط، فإن كنا ننظر للأمر من ناحية الراتب سيجلس الجميع في بيوتهم، لكن الخير الذي يسجله الأطباء والمسؤولين والعاملين في القطاع الصحي شيء منقطع النظير، فيعملون بغض النظر عن الراتب معتبرين العمل رسالة أمام شعبهم، ويؤدون واجباتهم ليل نهار لخدمة الناس وعلاجهم، ومن بينهم الدكتور منير الذي يعمل ولا ينظر إلى الأجرة بقدر ما ينتظر الأجر من الله- عز وجل”.
إلى أين الرحيل؟
الابتلاءات التي تطوقه مع تضاؤل احتمالات انخفاض وتيرتها، جعلت التساؤل يطرح في نهاية الحوار عن أسباب عدم تفكير “البرش” في الرحيل وبقاءه تحت النار في غزة، فنفى ذلك قائلًا: “أنا الذي رفعت شعار لن نرحل إلا إلى السماء أفكر في الخروج كيف ذلك؟! في أشد المحن وأشد الظروف حينما طلب منا الاحتلال الخروج من مستشفى الشفاء رفضنا، ولما أراد إخراجنا بالقوة من كمال عدوان لم يستطع، وكذلك حينما أراد الاحتلال أن يخرجنا من المستشفى الإندونيسي لم نخرج إلا بوقف إطلاق النار الأول، وفي اللحظة الأخيرة قبيل وقف إطلاق النار وقفنا في الساحة المركزية بمدينة غزة وقلنا: “لن نرحل إلا إلى السماء ولن ننزح إلا إلى السماء، أما أن نتزحزح فهذا ليس في قاموسنا”.
بنهاية الحوار نجد الطبيب المكلوم، الذي أصابه الاحتلال في كل ما طال، جاعلا منه نموذجًا لضحايا الجرائم الإسرائيلية المستمرة في القطاع دون توقف، يجسد معنى عزم الأمور، حيث حديثه الذي ينضح بالإيمان تنأى الكلمات بنفسها أمامه، لعجزها عن وصف صاحب عزم مثله.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم