مدير مستشفى التحرير بمجمع ناصر1/2: غزة تنزف والاحتلال يمارس الإبادة الصحية فيها

  • أبرز الكوادر الطبية بخانيونس يكشف لليوم حقيقة الوضع الصحي بالقطاع وأثر المجاعة المستمرة 

دكتور “أحمد الفرا”:

  • الاحتلال يستهدف المستشفيات لعلمه أنها ركائز وجود الإنسان الفلسطيني بغزة

  • ما زال 83 كادر طبي معتقلين في ظروف بشعة منهم 18 كادر من مجمع ناصر الطبي

  • الاتهام الحقيقي الموجه لهؤلاء أنهم بقوا في المستشفيات لإنقاذ حياة المرضى 

  • أحد المعتقلين أخبرني أنه تمنى الوصول للبول ليشربه من فرط العطش

  • أطباء السجون يحاولون البحث عن نقاط ضعف لدى الأسرى لضربهم فيها استكمالًا لإذلالهم والإمعان في تعذيبهم

  • هندسة المجاعة لدى الاحتلال أن يدخل السكريات للقطاع دون البروتينات والأطعمة الطازجة لتدمير أجساد الأطفال

  • سوء التغذية بغزة بلغ مراحل مفجعة وهناك 23,883 مصاب بها منذ وقف إطلاق النار فقط 

  • التهدئة المعلنة غير حقيقية والاحتلال يريد توصيل رسالة لأهل غزة أنه “لا مكان لكم فيها”

  • الأطفال من يدفعون فاتورة سوء التغذية حيث يستهدف الاحتلال الجيل القادم 

حوار: مروة محي الدين

بعد مرور عام على إعلان وقف إطلاق النار في غزة، تعالت أنات أهل القطاع من وطأة الانتهاكات الإسرائيلية فيه، من استمرار الاستهداف لاستمرار الحصار الخانق، وكان القطاع الصحي هو الأكثر تضررًا، بما يحرم الناجي من إطلاق النار من حق العلاج.

وكان لموقع اليوم حوار خاص مع الدكتور “أحمد الفرا”- مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي في خانيونس، كشف فيه عن تفاقم الأزمات الصحية و المجاعة وسوء التغذية، والضغوط الهائلة على القطاع.

 

الإبادة الصحية 

  • دكتور “أحمد”، أين وصلت أحوال القطاع الطبي بعد عام من اتفاق وقف إطلاق النار؟

للأسف الشديد تلك الحرب لم تبقِ شيئًا في غزة، حيث استهدفت الحجر والبشر والشجر، وباعتباري مديرًا لمستشفى التحرير للأطفال والولادة أقول بصراحة أن هذه الحرب مازالت مستمرة، ومازالت غزة تنزف حتى هذه اللحظة، ودعيني أطلق عبر صحيفتكم مصطلح أننا أمام “إبادة صحية- Health Genocide”، التي تتطلب من أصحاب القرار والمؤسسات الصحية والمؤسسات الدولية أن تتحرك بشكل عاجل لإنقاذ حياة الإنسان في قطاع غزة. 

حيث تعمد الاحتلال استهداف القطاع الصحي، أولا: باعتقال الأطباء والعاملين في وزارة الصحة او قتلهم أو تعذيبهم في السجون ووصولهم إلى حالة الوفاة، وثانيًا: بتعمد إتلاف الأجهزة من أجهزة الرنين المغناطيسي، لأجهزة الأشعة المقطعية- Computed Tomography CT، ثم حضانات الأطفال. 

كذلك تعمد إتلاف أثاث المستشفيات، والسماح للصوص الميليشيات بسرقة معظم ألواح الطاقة منها، وعليه نحن نتحدث عن ظاهرة فريدة من نوعها في العصر الحديث، عن حرب موجهة نحو القطاع الصحي بشكل كبير. 

 

  • ولماذا يركز الاحتلال استهدافه على القطاع الطبي بشكل شامل؟

الاحتلال يعلم أن هذه المستشفيات هي ركائز وجود الإنسان الفلسطيني في قطاع غزة، إذ أن هذا الطفل أو هذا المريض في النهاية يحتاج إلى المستشفى لتلقي علاجه، والإنسان في أي مكان في العالم يحتاج إلى غذاء صحي وماء نظيف وخدمات رعاية صحية وأماكن للتعليم وحرية حركة، ومع الأسف كل هذه العناصر تعمد استهدافها.

 

معتقلوا المعطف الأبيض

  • كم عدد الأطباء المعتقلين من غزة؟

ما زال 83 فردًا من الطواقم الطبية المهنية معتقلين حتى هذه اللحظة في سجون الاحتلال، منهم 18 طبيب أو موظف بوزارة الصحة من مجمع ناصر الطبي، ومن خلال صحيفتكم أطلق دعوة لوقفة تضامنية للضغط على الاحتلال والمطالبة بالإفراج عنهم.

ومن بين أولئك الأطباء لا ننسى الدكتور “حسام أبو صفية” والدكتور “ناهض أبو طعيمة” والدكتور “غسان أبو زهري” والدكتور “أحمد موسى” والدكتور “مروان الهمص”، وكل الأطباء المعتقلين دون ذنب، فقد اعتقلوا فقط لأنهم استمروا في عملهم في المستشفيات، أما لو أنهم غادروا إلى مناطق أخرى لما تم اعتقالهم، فذنبهم الوحيد أنهم بقيوا في المستشفيات وبقوا على خدمة وطنهم وأبناء شعبهم. 

 

  • وكيف هي أوضاعهم في السجون؟ ألا توجد أي بادرة عن الإفراج عنهم أو عن بعضهم على الأقل؟

منذ يومين كنت في لقاء- عبر تطبيق زووم- في ميلانو بإيطاليا وكان معنا “إلياس” ابن الدكتور “حسام أبو صفية”، وفوجئت أنه تكلم بصراحة عن مخاطر تحوم حول والده أنه قد يفارق الحياة في أي لحظة، كما لا يسمح الاحتلال بزيارة المحامين لهم، ويعاملهم معاملة قاسية جدا.

وقد رأيت بنفسي بعض النماذج من المسعفين أو الموظفين بوزارة الصحة، الذين خرجوا من السجون وتكلموا عن وضع مأساوي جدا، أحدهم هو سائق الإسعاف اسمه الأستاذ “بشير أبو مصطفى”، وحين تحدثت معه أخبرني أنه عاش مرحلة عطش شديد بينما تم تقييد يديه خلف ظهره لمدة 55 يومًا وهو مغمض العينين، ولك أن تتخيلي شخص مقيد بهذه الوضعية طوال تلك المدة، فلا يستطيع الوصول إلى الحمام ولا شرب الماء، وقد أخبرني أنه تمنى في بعض الأحيان أن يصل إلى البول ليشربه كي يسد عطشه، كما ظهرت عليه آثار الضرب والكسور.

ومعظمهم يعانون كسورًا في القفص الصدري والظهر، فمن بين وسائل التعذيب أنه كان يأتيهم طبيب من القوات الإسرائيلية فيسألهم: هل سبق لك أن شكوت من مكان ما في جسدك أو شعرت بألم أو ما شابه ذلك؟ فيجيب الأسير بحسن نية: نعم أشكو مثلا من ألم في منطقة أعلى البطن أو غيرها، ليفاجأ حينما يتركه هذا الطبيب بفرقة خاصة تدخل إليه تضربه في موطن الألم، وعليه كان الأطباء داخل السجون يحاولون البحث عن نقاط ضعف لدى هؤلاء الأسرى من الأطباء والتمريض، لاستكمال محاولات إذلالهم عبر ضربهم بقسوة والإمعان في تعذيبهم.

ولا ننسى الدكتور “عدنان البرش”- رحمه الله- الذي تم ضربه بقسوة على رأسه مباشرة بينما كان يمشي مكبل اليدين والقدمين ففارق الحياة فورًا. 

وعليه ما يحدث لهؤلاء الأطباء أمر يندى له الجبين. ومنهم الدكتور “غسان أبو زهري” أفضل أطباء العظام في قطاع غزة، وكان مشهورًا بزراعة مفصل الركبة، حتى كان الإحتلال يستعين به في مستشفى رمبام في حيفا مرة كل أسبوع أو أسبوعين، كونه أستاذ في زراعة المفاصل فيستعينوا بخبرته في هذا المجال، ومن ثم لم يكن لديه مشكلات أمنية مع الاحتلال، وعلى الرغم من ذلك اعتُقِلَ وعُذِبَ وما زال يقبع في السجون حتى هذه اللحظة، لذا أؤكد مرة أخرى أن الاتهام الحقيقي الموجه لهؤلاء أنهم بقوا في المستشفيات.

 

  • فيما يتعلق بالدكتور “عدنان”، ألم يطرأ جديد في قضية استعادة جثمانه؟

للأسف لا جديد، المعاناة بالنسبة لجثامين الشهداء مازالت مستمرة، والمعاناة بالنسبة للأسرى ما زالت مستمرة، فالاحتلال لا ينظر إلى هؤلاء الأسرى على أنهم أسرى تنطبق عليهم قوانين الأسر، بل يحاول إذلالهم وتحطيم روحهم المعنوية بأن يزرع فيهم (أنكم انتهيتم)، فيدمرهم نفسيا قبل أن يدمرهم جسديًا، وحين خرج أغلب الأسرى قالوا: إن الاحتلال أخبرهم أن أسرهم توفت بما في ذلك أولادهم، وقالوا لهم: “لقد قصفناهم وقتلناهم” ففقد معظمهم الشغف في الحياة، وعندما عادوا وجدوا أطفالهم وأسرهم بخير.

 

أزمة سوء التغذية

  • تحدثت في لقاءات سابقة عن مخاوف من تفاقم أزمة سوء التغذية، فأين وصلت في القطاع الآن؟

سوء التغذية الموجود في القطاع أو المجاعة التي حدثت فيه لم تحدث في هذا القرن من الزمان، إلا طبعا بسبب تغير أحوال المناخ أو الجفاف الشديد في أحد المناطق، وحينها كان العالم يبادر بإرسال طائرات ومساعدات إلى المنطقة المنكوبة، لكن ما حدث في قطاع غزة مختلف، إذ كانت هناك نية مبيتة لتجويع الإنسان الفلسطيني من الطفل للشيخ للمريض، ليبلغ إجمالي حالات الوفاة بسبب سوء التغذية 466 حالة، من بينهم 160 طفلًا، وهناك 158 ألف حالة سوء تغذية شديد منذ العام الماضي الذي هو 2025 حتى هذه اللحظة، منهم 23,883 حالة أثناء وقف إطلاق النار المزعوم منذ بداية عام 2026 حتى أغسطس من نفس العام، وعلى ذلك نجد أن سوء التغذية ما زال يعصف بغزة. 

 

  • وما سبب ذلك في ظل التهدئة المعلنة؟

التهدئة المعلنة غير حقيقية، فالاستهدافات ما زالت مستمرة وقد قُتِلَ 340 طفلًا منذ إعلانها، وأُحْصِيَتْ آلاف الخروقات لتلك التهدئة، كما لم يفِ الاحتلال بتعهداته بإدخال 600 شاحنة يوميًا التي تمثل الاحتياج اليومي الطبيعي للقطاع، فيدخل 50- 60 شاحنة يوميًا بحد أقصى ولم يكن بشكل يومي منتظم.

وبينما أحدثك الآن المعابر مغلقة- منذ أكثر من أسبوع- إغلاقا نهائيًا بالنسبة للأفراد والبضائع القادمة من المعابر على الأراضي المحتلة، وثمة بضائع تأتي من الجانب المصري لكنها لا تكفي القطاع بأي حال من الأحوال، إذ تكون محض شاحنة واحدة من المجمدات أو المعلبات الغذائية وأخرى من المنظفات. 

 

  • مع هذا الإغلاق الخانق، أين الوسطاء والجهات الدولية الضامنة للاتفاق؟

منذ بداية التهدئة، سئم القائمين على غزة الذين يتفاوضون عنها من فرط ما سجلوا من خروقات، حيث بلغت أكثر من 3875 حالة اختراق منذ بدء التهدئة، قتل بسببها أكثر من 2000 شخص وأصيب أكثر من 4800 آخرين، وفي المقابل لم يتعرض الاحتلال لأي انتهاك من الجانب الفلسطيني، ولديه القوة والغطرسة والجانب الأمريكي الذي يقف معه بكل ما يملك من قوة ويؤيده في كل شيء، فما من أحد يلومه وما من أحد من ضامني الاتفاق يحاول التحدث في هذا الموضوع؛

وعليه شعر أهل غزة أنهم تركوا لهذا العدو يمارس فيهم ما يريد دون أن يجرؤ أحد على التحدث معه، وما زال حتى اللحظة 800 ألف طفل نازحين في الخيام، وحسب تقرير اليونيسيف الصادر مؤخرًا هناك 60 ألف طفل فقد أحد الأبوين أو كلاهما، إذ دفع الأطفال الفاتورة الباهظة لتلك الحرب؛

وبالتالي وضع القطاع حاليا صعب جدا، وفي تصوري أن الاحتلال يريد بهذه الأفعال توصيل رسالة لأهل غزة أنه “لا مكان لكم فيها“، ولكن “يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”، وبإذن الله يفشل الاحتلال في مخططاته.

 

  • إن دفع الأطفال تكلفة الحرب، فما أثر سوء التغذية حاليا عليهم؟

كنت قد أجريت دراسة سابقا على سوء التغذية، وفوجئت بتطبيق عملي لها في القطاع، وكنت حينها أعمل في مستشفى الدمرداش بمصر ضمن عملي بكلية الطب جامعة عين شمس، وقد اشتركت مع زميل لي في تلك الدراسة عن أثر تعرض الطفل في الريف المصري لسوء التغذية، وخصصت الدراسة عن مرض سوء التغذية المترافق مع تجمع السوائل في الجسم أو ما يطلق عليه “Nutritional Edema”، وخلال متابعة هؤلاء الأطفال المصابين بالمرض في مصر تم فحصهم عبر “Magnetical Resonance Spectroscopy- MRS”، فثبت وجود تغيرات دائمة لدى هؤلاء الأطفال في تركيب الدماغ والقدرة الإدراكية.

وأغلبهم حدثت لديه مشكلات في القشرة الدماغية وتبدلات في المادة البيضاء في الدماغ، بما يؤثر على التطور الروحي والحركي للطفل وكذلك القدرة الإدراكية، فيعانون في حل مشكلات الفيزياء والرياضيات والأمور التي تتطلب قدرات إدراكية عالية ونسبة من الذكاء، وكذلك صعوبة الحفظ وصعوبة التواصل المجتمعي حتى مع أسرته وأقرانه من الأطفال، وهذا أخطر ما في الأمر.

هذه النتائج مثبتة علميا بدراسات موثقة، أما ما رأيناه منه في غزة فكان أكثر قسوة، حيث تحققت تلك النتائج وشاهدنا قصر القامة الذي أضحى ظاهرة في أطفالها، كما حدث لدى أغلب أطفال القطاع تأخر في البلوغ، وعانى بعضهم من مشكلات في هرمون الغدة الدرقية، ومنهم من حدث لديه مشكلات في التطور الروحي والحركي، وآخرين حدثت لديهم مشكلات في الخلايا الدماغية. 

ومنهم من تعرض لمشكلات نفسية تمثلت في نقص التفاعل في المدارس ونقص القدرة على حل مسائل الرياضيات واضطراب السلوك وعدم الاهتمام بالمجتمع، كما يعرضهم تأخر النمو للتنمر من أقرانهم، فيلازمهم الحزن مع ظهور قصر القامة الشديد، وعليه نحن نتحدث عن استهداف الجيل القادم في القطاع بشكل كامل.

 

  • هذا هو الأثر الحالي للمجاعة، فهل تمتد أثارها على المدى الطويل مع هؤلاء الأطفال؟

بالطبع هناك أثر على المدى البعيد، فعقب المجاعة ومع بدء التهدئة تعمد الاحتلال ألا يدخل إلا السكريات، مثل: الشيبسي والإندومي والمشروبات الغازية والشيكولاتة وغيرها، فأقبل الناس بنهم على تناول تلك الأطعمة والمشروبات؛ 

لدينا في الطب ما يعرف باسم “Thrifty Phenotype” وهي ظاهرة تحدث للجسم حينما يحرم الجسم من الغذاء لفترة طويلة، ثم تدخل له السكريات فجأة بكميات كبيرة نجده يخزنها فورا على هيئة شحوم لا يمكنه بحال من الأحوال الاستفادة منها في المستقبل، حيث يرفض التخلي عنا كأنه يتحسب لحالة حرمان أخرى، وهذا ينعكس بدوره على الأطفال في المستقبل إذ يكونون أكثر عرضة للإصابة بداء السكري من النوع الثاني وأمراض الضغط والقلب.

ولم يسمح الاحتلال بدخول البروتينات والبيض والألبان والأجبان إلا بعد مرور ستة شهور من اتفاق التهدئة، مكتفيا بدخول السكريات كي يؤثر على كل الأطفال والبالغين في غزة، بهدف (هندسة المجاعة- Famine Programming)، وتم له ما أراد فرأينا ذلك في أطفالنا الذين أقبلوا على السكريات بنهم كبير جدًا، فأصيب أغلبهم بتجمع للدهون في البطن وفي مناطق غير المحبب تجمع الدهون فيها، والأخطر من ذلك أن هذه الدهون من الصعب جدا الاستفادة منها في تمارين مستقبلية أو إنقاص الوزن، والأخطر أنها ستعرض الأطفال في المستقبل لأمراض خطيرة مثل: مرض السكر وأمراض الضغط  والقلب.

لم ينته الطبيب المعايش للوضع الصحي في القطاع من حديثه الذي ينضح بالألم، فهو شاهد على وسائل أخرى للإبادة الصحية يمارسها الاحتلال في غزة، ونعرضها عليكم في الجزء الثاني من الحديث.

اترك رد