أفريكانرز أولاً.. من هم “العرق المختار” في سياسات ترامب؟

تقرير: سمر صفي الدين
تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعادة صياغة برنامج توطين اللاجئين ليصبح أكثر انتقائية وأقرب إلى معايير الهوية الثقافية والسياسية منه إلى دوافع إنسانية.
فبعد عقود من اعتماد الولايات المتحدة على مبدأ “اللجوء كقيمة إنسانية”. تشير وثائق حصلت عليها صحيفة واشنطن بوست إلى أن الإدارة الحالية تعيد رسم خريطة الاستقبال بما يخدم رؤيتها الجديدة للأمن القومي والهوية الوطنية. عبر منح الأولوية للاجئين من أصول أوروبية ويمينية، وتحديدًا الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا المعروفة باسم “الأفريكانرز”.
أجندة ترامب القومية
وبحسب الصحيفة، فإن الخطة الجديدة تهدف إلى استقبال ما يصل إلى سبعة آلاف لاجئ من “الأفريكانرز” خلال العام الحالي، أي ما يعادل تقريبًا كامل الحصة السنوية المقدرة بـ7500 شخص.
هذا التوجه، الذي يراه منتقدون امتدادًا لأجندة ترامب القومية، يضع للمرة الأولى معايير لغوية وثقافية في اختيار اللاجئين، مثل إتقان اللغة الإنجليزية أو تبني مواقف “مؤيدة لحرية التعبير”. وهي صياغات تستخدم لتبرير استبعاد فئات من الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
هيمنة الأفريكانرز
في هذا الصدد، يرى الباحث في الشأن الأفريقي ربيع أبو زامل، سياسة الهجرة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب تكشف عن مفارقة واضحة، فبينما تبدي الإدارة انفتاحًا على استقبال “الأفريكانرز” من جنوب أفريقيا تحت ذريعة تعرضهم لـ”الاضطهاد”، تتجه في المقابل إلى فرض قيود مشددة على طالبي اللجوء من بقية دول أفريقيا ومناطق النزاع، خصوصًا من الشرق الأوسط.
واستشهد أبو زامل في تصريحات خاصة لـ”اليوم”، بتقارير غربية تشير إلى أن واشنطن تدرس خفض سقف استقبال اللاجئين إلى نحو 40 ألفًا بحلول عام 2026. مع تخصيص جزء معتبر من هذه الحصة للأفريكانرز، مقابل تجميد شبه كامل للطلبات القادمة من الدول الأفريقية الأخرى.
وأكد أن هذا التوجه يثير تساؤلات جدّية حول المعايير المعتمدة للاختيار، خاصة أن الفوارق العرقية والاجتماعية داخل جنوب أفريقيا تظهر استمرار هيمنة الأقلية البيضاء. التي لا تتجاوز 7% من السكان، على أكثر من 60% من المناصب العليا.
بينما يعاني السكان السود الذين يشكلون نحو 80% من السكان من معدلات بطالة تفوق بخمسة أضعاف ما يسجله البيض.
انتقادات وتبريرات
ورغم نفي وزارة الخارجية الأمريكية وجود أي تأخير أو تمييز في تنفيذ البرنامج. إلا أن تقارير صحفية وحقوقية تشير إلى بطء في الإجراءات وتراجع عدد المتقدمين بعد اكتمال الفحوص الأمنية والطبية.
ففي حين يبرر البيت الأبيض هذه الخطوات باعتبارها “ضرورية لضمان سلامة البلاد”. تصفها منظمات حقوقية بأنها “عودة إلى سياسات انتقائية” تقوض الدور التاريخي للولايات المتحدة كملاذ للفارين من الحروب والاضطهاد.
ويأتي ذلك في وقت خفضت فيه الإدارة الأمريكية سقف القبول من 125 ألف لاجئ في عهد بايدن إلى 7500 فقط، ما يمثل أدنى رقم في تاريخ البرنامج منذ تأسيسه عام 1980، بحسب تقارير.
من هم الأفريكانرز؟
الأفريكانرز هم مجموعة من سكان جنوب أفريقيا من أصل أوروبي، يعدون أحفاد المستوطنين الهولنديين والألمان والفرنسيين البروتستانت الذين استقروا في “مستعمرة الكيب” الجنوب أفريقية منذ منتصف القرن السابع عشر.
لغتهم الأم هي الأفريكانية، وهي مزيج تطور من اللغة الهولندية مع تأثيرات من اللغات الأفريقية والإنجليزية.
وينحدر الأفريكانرز تاريخيًا من “البوير”، وهي كلمة هولندية تعني “مزارع”. ما يعكس طبيعة حياتهم الريفية واعتمادهم على الزراعة والرعي.
بدأ وجودهم في جنوب أفريقيا عندما أرسلت شركة الهند الشرقية الهولندية عام 1652 الرحالة يان فان ريبيك لتأسيس محطة تموين في رأس الرجاء الصالح.
ومع مرور العقود، ازدهرت المستعمرة ونمت فيها طبقة من المزارعين الأوروبيين الذين كونوا مجتمعات مستقلة ذات طابع أبوي متدين، تأثر بعقيدة الكلفينية التي رأت أن الأفريكانرز “شعب مختار من الرب لحكم الأرض وسكانها الأصليين”.
وبهذا المعتقد، برروا حروبهم ضد الشعوب الأفريقية الأصلية وسعيهم لتوسيع نفوذهم في الداخل.
حرب البوير
مع مطلع القرن التاسع عشر، أصبحت مستعمرة الكيب تحت السيطرة البريطانية. غير أن السياسات الليبرالية لبريطانيا، خاصة تحرير العبيد عام 1834، أثارت غضب البوير. فهاجر كثير منهم شمالًا وشرقًا فيما عُرف بـ”الارتحال الكبير”. ليؤسسوا جمهوريتين مستقلتين: الترانسفال وأورانج الحرة.
لكن اكتشاف الماس والذهب في أراضيهم أثار أطماع بريطانيا، فاندلعت حروب البوير بين عامي 1880 و1902. انتهت بهزيمتهم وضم جمهوريتَيهم إلى الإمبراطورية البريطانية. ومع ذلك، ظل الأفريكانرز محافظين على لغتهم وهويتهم القومية.
من الاستقلال إلى الفصل العنصري
في عام 1910، تأسس اتحاد جنوب أفريقيا تحت الحكم البريطاني. ليبدأ الأفريكانرز رحلة صعودهم السياسي عبر الحزب الوطني الذي أسسوه عام 1914.
وبعد الحرب العالمية الثانية، وصل الحزب إلى السلطة عام 1948 وفرض نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد). الذي ميز البيض عن السود وحرم الأغلبية من أبسط حقوقها السياسية والاجتماعية، مكرسًا سيطرة الأقلية البيضاء لعقود طويلة.
نهاية الهيمنة البيضاء
وفي السنوات اللاحقة، انهار النظام العنصري تدريجياً تحت ضغط المقاومة الداخلية والعقوبات الدولية. وفي عام 1994. فاز المناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا بأول انتخابات ديمقراطية غير عنصرية، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ البلاد.
ومع سقوط نظام الأبارتهايد، تراجع نفوذ الأفريكانرز السياسي، وغادر كثير منهم البلاد. في حين سيطر الباقي منهم وفق اتفاق معلن مع النظام الجنوب أفريقي الجديد على بقاء سيطرتهم على مساحات شاسعة من أراضي البلاد.




