خطف السلاح.. هل تدخل الضفة بعد فاروق رمضان مرحلة جديدة من المواجهة؟
تصاعد اعتداءات المستوطنين.. وتحذيرات إسرائيلية من انتفاضة جديدة.. وقراءة أمنية لتحول أنماط المواجهة في الضفة الغربية
تقرير: سمر صفي الدين
لم تستغرق المواجهة في قرية تل جنوب غربي نابلس سوى دقائق، لكنها كانت كافية لتضع الضفة الغربية أمام منعطف جديد. ففي أرض زراعية تحولت إلى ساحة اشتباك بين أهالي القرية ومستوطنين مسلحين، تمكن الفلسطيني فاروق رمضان من انتزاع سلاح أحد الإسرائيليين خلال عراك مباشر، قبل أن يستخدمه في الاشتباك، ليسقط قتيلان إسرائيليان، بينما استشهد رمضان وثلاثة فلسطينيين آخرين.
وبدا الحدث وكأنه كسر معادلة ميدانية اعتادت عليها إسرائيل طوال السنوات الماضية، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا يتردد داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية: هل تشهد الضفة الغربية ولادة نمط جديد من المواجهة يفرضه الاحتكاك اليومي مع المستوطنين والجيش؟
كيف تطورت العمليات الفلسطينية؟
لم تكن أنماط المواجهة الفلسطينية ثابتة عبر العقود، بل تغيرت كلما تغيرت البيئة الأمنية التي فرضها الاحتلال.
وبحسب التسلسل التاريخي، بدأت العمليات الفدائية بصورتها الحديثة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ثم برزت العمليات الاستشهادية خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تبلغ ذروتها مع انتفاضة الأقصى، عندما تحولت التفجيرات والاقتحامات المسلحة إلى السمة الأبرز للمواجهة.
ومع تشديد الإجراءات الأمنية الإسرائيلية، وبناء الجدار الفاصل، وتطوير المنظومات الاستخباراتية، شهدت الضفة الغربية تحولًا تدريجيًا نحو عمليات الطعن والدهس وإطلاق النار، باعتبارها أنماطًا أقل تعقيدًا من الناحية اللوجستية وأكثر قدرة على تجاوز الإجراءات الأمنية، قبل أن تظهر خلال السنوات الأخيرة عمليات فردية جمعت بين أكثر من أسلوب في التنفيذ.
تطور أنماط العمليات الفلسطينية:
- 1987: الانتفاضة الأولى.
- التسعينيات: العمليات الاستشهادية.
- 2000–2005: انتفاضة الأقصى.
- 2015: موجة الطعن.
- 2021–2024: إطلاق النار والعمليات الفردية.
- 2026: انتزاع السلاح خلال الاشتباكات.
انتزاع السلاح.. تكتيك جديد أم تطور طبيعي؟
في هذا السياق، تبدو حادثة فاروق رمضان مختلفة عن كثير من الوقائع السابقة، لأنها لا تبدأ بسلاح أُعد مسبقًا، وإنما باشتباك مباشر ينتهي بانتزاع سلاح الخصم واستخدامه خلال المواجهة.
ورغم أن التاريخ الفلسطيني شهد حالات مشابهة، من بينها عملية عمر أبو ليلى عام 2019 التي انتزع خلالها سلاح جندي إسرائيلي قبل استخدامه، فإن تكرار حوادث مماثلة خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع تصاعد هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية، يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الوقائع تعكس تحولًا ميدانيًا جديدًا أم أنها تبقى حوادث مرتبطة بظروف اشتباكات محددة.
وبينما تتعامل إسرائيل مع حادثة فاروق رمضان باعتبارها حادثًا أمنيًا خطيرًا، يرى مراقبون أن أهميتها لا ترتبط بعدد الضحايا بقدر ما ترتبط بطريقة تنفيذها، إذ أعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول قدرة الفلسطينيين على ابتكار أنماط مواجهة جديدة كلما شددت إسرائيل إجراءاتها الأمنية.
إلى أين تتجه الضفة؟
بين تصاعد اعتداءات المستوطنين، واتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية، يبرز احتمال دخول الضفة الغربية مرحلة مختلفة قد تتجاوز الاشتباكات التقليدية إلى موجة أوسع من المواجهات، وهو ما يجعل قراءة هذه التطورات من منظور أمني واستراتيجي ضرورة لفهم ما إذا كانت حادثة فاروق رمضان مجرد واقعة استثنائية، أم بداية لتحول جديد في مسار الصراع.
وللإجابة عن هذه التساؤلات، تحدثت “اليوم” إلى اللواء محمد عبدالواحد، مستشار الأمن القومي والعلاقات الدولية، لقراءة أبعاد هذا التحول، وأسبابه السياسية والأمنية، وإمكانية تحوله إلى نمط جديد من المواجهة، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
تحول ميداني
يرى اللواء محمد عبدالواحد أن ما تشهده الضفة الغربية من حوادث انتزاع أسلحة جنود أو مستوطنين يعكس تحولًا واضحًا في طبيعة أنماط المواجهة الفلسطينية مقارنة بما شهدته الانتفاضتان الأولى والثانية، موضحًا أن هذا التحول يجمع بين الجرأة الميدانية وحالة الإحباط المتراكمة، ويحمل في الوقت نفسه دلالات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة.
وقال، في حديثه لـ”اليوم“، إن تغير أساليب المواجهة لا يرتبط فقط بالتكتيكات الميدانية، وإنما يعكس أيضًا تحولات نفسية داخل الشارع الفلسطيني، في ظل تراجع الثقة بقدرة المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها السلطة الفلسطينية، على توفير الحماية للسكان أو الدفاع عن أراضيهم، إلى جانب غياب ضغوط دولية مؤثرة لوقف اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، وهو ما أسهم في تعميق حالة الإحباط ودفع بعض الفلسطينيين إلى البحث عن وسائل مواجهة مختلفة.
وأضاف أن أبرز ما يميز المرحلة الحالية هو التآكل التدريجي لحاجز الخوف، حيث انتقل الفلسطيني، وفق تقديره، من مرحلة الدفاع ورد الفعل إلى المبادرة بالمواجهة، مرورًا بعمليات الطعن وإطلاق النار، وصولًا إلى محاولات انتزاع السلاح، بما يعكس تغيرًا في طبيعة الاستجابة الميدانية للاعتداءات المتكررة.
تغير الاشتباك
يرى اللواء عبدالواحد أن تكرار حوادث انتزاع الأسلحة لا يعكس بالضرورة وجود خلل جوهري في إجراءات التأمين الإسرائيلية، بقدر ما يكشف عن تغير في طبيعة الاشتباك الميداني نتيجة التوسع الاستيطاني، الذي جعل المستوطنات أكثر التصاقًا بالقرى الفلسطينية، وأدى إلى زيادة الاحتكاكات المباشرة بين الجانبين.
وأوضح أن استمرار اعتداءات المستوطنين، إلى جانب الانسداد السياسي والضغوط الاقتصادية والحصار الأمني وكثرة الحواجز العسكرية، خلق بيئة تجمع بين الإحباط والجرأة التكتيكية، وهو ما يفسر ظهور هذا النوع من الوقائع خلال الفترة الأخيرة.
عملية معقدة
بشأن قدرة المدني على استخدام سلاح ينتزعه خلال الاشتباك، أكد اللواء عبدالواحد أن مجرد انتزاع السلاح لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامه بفعالية، مشيرًا إلى أن تنفيذ مثل هذه العمليات يتطلب لياقة بدنية عالية، ومهارة في الاشتباك، وقدرة على التعامل مع السلاح تحت ضغط شديد.
وأضاف أن الجندي أو المستوطن الإسرائيلي ليس هدفًا سهلًا، بحكم تدريبه العسكري وحمله الدائم للسلاح، فضلًا عن الخبرة التي يكتسبها معظم الإسرائيليين خلال الخدمة العسكرية الإلزامية، ما يجعل نجاح هذه العمليات مرتبطًا بظروف استثنائية أكثر من كونه أمرًا سهل التكرار.
وأشار إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ستسعى، في المقابل، إلى تقليص فرص تكرار هذه الحوادث عبر تشديد إجراءات حماية الأسلحة، وزيادة التحرك الجماعي للعناصر المسلحة، ورفع مستوى الاحتياطات الأمنية.
تحدٍ للعقيدة الأمنية
تاريخيًا، ولدت كثير من أنماط المقاومة الفلسطينية من تطورات ميدانية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى تحديات فرضت على إسرائيل مراجعة عقيدتها الأمنية، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال أن يتحول انتزاع السلاح إلى نمط ميداني جديد إذا تكررت الظروف التي أفرزته.
وفي هذا السياق، يرى اللواء عبد الواحد أن استمرار هذا النمط من العمليات قد يشكل تحديًا للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، لأن إسرائيل اعتمدت خلال السنوات الماضية على توسيع تسليح المستوطنين باعتبارهم خط الدفاع الأول، لكن نجاح فلسطيني في انتزاع هذا السلاح واستخدامه يحول إحدى أدوات المنظومة الأمنية إلى مصدر تهديد مباشر لها.
وقال إن المقاومة في الضفة الغربية باتت، في تقديره، أقرب إلى نمط المقاومة الشعبية القائمة على المبادرات الفردية والمجموعات الشبابية غير المرتبطة بالأطر التنظيمية التقليدية، وهو ما يجعل السيطرة عليها أكثر تعقيدًا، وقد يسهم في انتقال هذا الأسلوب إلى آخرين إذا استمرت الظروف التي أفرزته.
واستدرك بأن هناك عوامل تحد من تحوله إلى ظاهرة واسعة، في مقدمتها القبضة الأمنية الإسرائيلية المشددة، والانتشار العسكري الكثيف، واتساع حملات الاعتقال، والإجراءات الصارمة المفروضة على الحركة داخل الضفة الغربية.
مراجعة العقيدة
أوضح اللواء عبد الواحد أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تتسم بالمرونة، وتخضع باستمرار للمراجعة وفق المتغيرات الميدانية، متوقعًا أن تدفع هذه التطورات المؤسسة العسكرية إلى إعادة تقييم أساليب انتشار الجنود والمستوطنين، وتشديد إجراءات حماية الأسلحة الفردية، خشية تحولها إلى أدوات تستخدم ضد الإسرائيليين.
وأضاف أن إسرائيل ستواصل، بالتوازي مع هذه المراجعات، الاعتماد على الإجراءات الأمنية التقليدية، مثل توسيع الاعتقالات، وزيادة الحواجز العسكرية، وتشديد الحصار، وتعزيز الانتشار العسكري في الضفة الغربية، مستفيدة من غياب ضغوط دولية فعالة تحد من استمرار هذه السياسات الأمنية.
وبينما يصعب الجزم بأن حوادث انتزاع السلاح تمثل بداية مرحلة جديدة في الضفة الغربية، فإن تكرارها بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين واتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية يجعلها مؤشرًا أمنيًا لا يبدو أن المؤسسة الإسرائيلية تنظر إليه باعتباره مجرد حادث عابر، بل تطورًا يستدعي مراجعة أدوات المواجهة وقراءة مختلفة لطبيعة الصراع في الضفة الغربية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم
