تقرير: سمر صفي الدين
“تحية لك يا حابي، أخرج من هذه الأرض واحضر لتهب مصر الحياة، إنك تخفي مجيئك في الظلمات، وتغطي أمواهك البساتين، أنت واهب الحياة لكل ظمآن”.. هكذا خاطب المصريون القدماء النيل في ترنيمة تختصر علاقة امتدت آلاف السنين بنهر لم يكن مجرد مجرى مائي، بل ظل رمزًا للحياة والخصوبة والاستقرار.
خلّد المصريون القدماء هذه المكانة على جدران معابدهم، إذ ظهر “إيترو-عا”، أو النهر العظيم كما عرفوه، في إحدى جداريات معبد الأقصر ممسكًا بالحبل الرابط بين الوجهين القبلي والبحري، في إشارة رمزية إلى وحدة البلاد حول النهر.
ويأتي استحضار هذه العلاقة التاريخية اليوم، في ظل عودة ملف النيل إلى واجهة التوتر الإقليمي، بعدما أثارت تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي بشأن بناء ثلاثة سدود جديدة مخاوف مصرية من توسيع أديس أبابا نهجها في التحكم بتدفقات النهر.
وفي تصريحات خاصة لموقع “اليوم”، حذّر وزير الري المصري الأسبق محمد نصر الدين علام من تداعيات هذه الخطوة، مؤكدًا أن القاهرة لن تفرط في حقوقها المائية، وأن حماية مياه النيل ترتبط بصورة مباشرة بأمن مصر ووجود شعبها.
استفزاز إثيوبي جديد
أعاد وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إثيوبية رسمية، ملف السدود إلى واجهة التوتر، بعدما تحدث عن خطط لبناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق.
وربط الوزير الإثيوبي هذه الخطط بما وصفه باستراتيجية بلاده لاستغلال مواردها المائية، في وقت لا تزال فيه مصر وإثيوبيا عاجزتين عن التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد تشغيل سد النهضة.
وتأتي التصريحات بينما كانت إثيوبيا قد أعلنت بالفعل في مارس الماضي خططًا لإنشاء ثلاثة مشروعات كهرومائية جديدة على النيل الأزرق، باستثمارات تصل إلى 10.5 مليار دولار.
ويرى الجانب الإثيوبي أن هذه المشروعات تستهدف تعزيز إنتاج الطاقة وتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للكهرباء، بينما تخشى القاهرة أن يؤدي التوسع غير المنسق في السدود إلى زيادة المخاطر على تدفقات المياه نحو دولتي المصب.
وتستند أديس أبابا في خطابها القانوني إلى اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل (اتفاقية عنتيبي)، التي دخلت حيز النفاذ في أكتوبر 2024، وتقول إنها تؤسس لاستخدام عادل ومستدام لمياه النهر.
الرد المصري
جددت القاهرة رفضها الرسمي لأي خطوات إثيوبية أحادية من شأنها المساس بمصالحها وحقوقها المائية في نهر النيل.
وأكد وزير الخارجية بدر عبدالعاطي أن القاهرة لن تسمح بإقامة سدود إضافية أو اتخاذ إجراءات منفردة تؤثر في تدفقات النهر، مشددًا على تمسك مصر بالتوصل إلى اتفاق ملزم قانونيًا يضمن حقوق دولتي المصب.
وأوضح عبدالعاطي، خلال مقابلة مع شبكة “العربية”، أن القاهرة لا تعارض حق الدول الإفريقية في التنمية أو الاستفادة من مواردها المائية، مشيرًا إلى مشاركة مصر في تنفيذ مشروعات وسدود بعدد من دول حوض النيل.
فيما شدد الوزير على أن التنمية لا ينبغي أن تأتي على حساب حقوق دول المصب، مؤكدًا ضرورة تحقيق توازن يحفظ مصالح جميع الأطراف.
مصر لن تفرط
قال الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الري المصري الأسبق، إن مصر “تفعل كل شيء ممكن ومحتمل” في مواجهة التهديدات المرتبطة بمياه النيل، مؤكدًا أن الدفاع عن المياه يرتبط مباشرة بوجود الدولة المصرية.
وفي حديثه لموقع “اليوم”، أضاف علام أن مصر تملك حقًا سياسيًا وأمنيًا وقانونيًا في الدفاع عن وجودها وعن شعبها، مشيرًا إلى أن الخيارات المتاحة أمام الدولة تشمل التحرك السياسي والقانوني والأمني، فضلاً عن الخيارات الأخرى التي تفرضها طبيعة التهديد.
وأوضح أن التحركات المصرية في القرن الإفريقي أصبحت أكثر حضورًا، وهو ما يمثل، بحسب تقديره، عامل ضغط على إثيوبيا ويحد من قدرتها على التحرك منفردة، خصوصًا مع تطلعات أديس أبابا إلى الحصول على منفذ بحري.
وحذر وزير الري الأسبق من التعامل مع إعلان بناء سدود جديدة باعتباره مجرد تصريحات سياسية، موضحًا أن التجربة التاريخية تكشف أن إثيوبيا استغلت في مراحل سابقة لحظات الارتباك الداخلي المصري لتنفيذ مشروعات مائية على النيل.
وأشار علام إلى أن سدودًا إثيوبية جرى تنفيذها أو الدفع بها خلال فترات شهدت غيابًا نسبيًا للإرادة المصرية، مستشهدًا بفترات الستينيات وحرب 1973 وأحداث عام 2011، بحسب تقييمه لتطور الملف.
وأكد أن إنشاء سدود جديدة على النيل الأزرق يمكن أن يمثل مشكلة شديدة الخطورة إذا استهدف حجز كميات كبيرة من المياه، خصوصًا خلال سنوات الجفاف التي تصبح فيها كل كمية إضافية محجوزة أكثر تأثيرًا على دول المصب.
أزمة تتجاوز المياه
شدد علام على أن نصيب المواطن المصري من المياه بات أقل من 500 متر مكعب سنويًا(ما يمثل أقل من الحد الأدنى للفقر المائي الذي حدده البنك الدولي)، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها مصر في ظل ارتفاع عدد السكان وتزايد الاحتياجات الزراعية والغذائية.
وأوضح أن مصر لا تستهلك حصتها السنوية من مياه النيل فقط، وإنما تعتمد بصورة واسعة على إعادة استخدام المياه، لتغطية جانب من احتياجاتها المتزايدة في ظل محدودية الموارد المتاحة.
وربط الوزير الأسبق بين الأزمة المائية والفجوة الغذائية، معتبرًا أن زيادة الضغوط على الموارد المائية تنعكس مباشرة على قدرة مصر على إنتاج الغذاء، وتدفعها إلى زيادة الاعتماد على الواردات لتغطية الاحتياجات الأساسية.
ولفت إلى أن مصر تحتاج إلى التحرك من أجل زيادة إيراداتها المائية، بدلًا من الاكتفاء بالدفاع عن الحصة الحالية، معتبرًا أن مواجهة المستقبل المائي تتطلب استراتيجية تتجاوز إدارة الأزمة إلى زيادة الموارد.
واقترح علام استقطاب جزء من فواقد مياه النيل في دول المنابع، معتبرًا أن تنفيذ مشروعات في هذا المجال يمكن أن يضيف كميات كبيرة إلى الإيراد المائي للنهر، ويحقق فوائد لمصر ودول المنبع في الوقت نفسه.
وأكد أن أحد مشروعات استقطاب الفواقد يمكن، وفق تقديره، أن يضيف ما لا يقل عن 10 مليارات متر مكعب سنويًا، بما يخفف جزءًا مهمًا من الأزمة المائية والغذائية المصرية.
ولا يرى علام أن هذه المشروعات يجب أن تكون مواجهة مع دول المنبع، بل يمكن تقديمها باعتبارها مشروعات تنموية مشتركة تستهدف تقليل الفواقد وتحسين البيئة وتحويل مناطق المستنقعات إلى مساحات أكثر إنتاجًا.
سدود ومخاطر الجفاف
يرى علام أن خطورة السدود الجديدة لا ترتبط فقط بسعة خزاناتها، وإنما بتزامن عمليات التخزين مع سنوات الجفاف، عندما يصبح انخفاض التدفقات أكثر تأثيرًا على قدرة مصر والسودان على تأمين احتياجاتهما المائية.
وحذر من أن إنشاء مجموعة سدود إضافية قد يرفع القدرات التخزينية في حوض النيل الأزرق إلى مستويات كبيرة، بما يجعل التنسيق بين دول المنبع والمصب ضرورة لا يمكن تجاوزها.
فيما أوضح أن المشكلة الأكثر حساسية تتمثل في غياب اتفاق ملزم يحدد قواعد التشغيل والتخزين والتعامل مع سنوات الجفاف والجفاف الممتد، وهي النقطة التي ظلت محور الخلاف الرئيسي بين القاهرة وأديس أبابا.
وتكشف هذه المعادلة أن أزمة النيل لم تعد محصورة في سد واحد، وإنما باتت مرتبطة بمستقبل إدارة حوض كامل تتنافس داخله احتياجات التنمية الإثيوبية مع ضرورات الأمن المائي المصري والسوداني.
تاريخ السدود الإثيوبية
لم يبدأ مشروع بناء السدود على النيل الأزرق مع سد النهضة، وإنما يعود إلى طموحات إثيوبية أقدم امتدت إلى عهدي الإمبراطور هيلا سيلاسي ونظام الدرج (1930 – 1974)، عندما بدأت أديس أبابا دراسة إمكانات حوض النيل وتحديد المواقع المناسبة لإقامة مشروعات مائية.
وظلت هذه الطموحات لسنوات طويلة تصطدم بعوامل سياسية واقتصادية، إلى جانب معارضة مصر وضعف قدرة إثيوبيا على تمويل وتنفيذ مشروعات ضخمة، فضلاً عن محدودية الاهتمام الدولي بدعم مثل هذه المشروعات في ذلك الوقت، بحسب كتاب “السدود والسلطة وسياسات النهضة في إثيوبيا” الصادر عن جامعة إكسفورد، وفقًا لدراسة للباحث ربيع أبو زامل المنشورة في مجلة قراءات إفريقية.
ثم بدأت سياسة السدود تتحول تدريجيًا إلى جزء أساسي من مشروع التنمية الإثيوبي، بعدما تبنت الحكومات المتعاقبة رؤية تعتبر الطاقة الكهرومائية والبنية التحتية أدوات لبناء الدولة وتعزيز الاقتصاد، وهو ما دفع إلى توسع كبير في مشروعات السدود خلال العقود التالية.
وفي هذا السياق، لم يكن سد النهضة فكرة طارئة ظهرت مع اضطرابات مصر عام 2011، إذ يوضح الكتاب أن خطط إقامة سد كبير على النيل الأزرق كانت نتاج مسار طويل، قبل أن تضع إثيوبيا حجر أساس السد في 2 أبريل 2011، مستفيدة من ظرف سياسي مصري شديد الاضطراب سمح لها بالمضي سريعًا في تنفيذ المشروع.
وتكشف هذه الخلفية أن سد النهضة لم يكن مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل جاء في لحظة تغيرت فيها موازين القوة داخل حوض النيل، بعدما سعت إثيوبيا إلى تعزيز علاقاتها مع دول المنبع وتقليص قدرة مصر على منع إقامة مشروعات أحادية على النيل الأزرق.
وبالنسبة إلى مصر، مثّل انتقال إثيوبيا من طموحات قديمة إلى تنفيذ سد ضخم بسعة تخزينية تبلغ 74 مليار متر مكعب تحولاً نوعيًا، خصوصًا أن حجم المشروع تجاوز خططًا سابقة لبناء سدود على النيل الأزرق، وأصبح تشغيله وملؤه مرتبطين مباشرة بمصالح دولتي المصب.
هل حقق سد النهضة أهدافه؟
لا تقتصر أهمية سد النهضة في الرؤية الإثيوبية على تخزين المياه وتوليد الكهرباء، إذ ارتبط المشروع منذ بدايته بأهداف اقتصادية وسياسية أوسع، شملت دعم التصنيع، وتوفير الطاقة بأسعار منخفضة، وتحقيق عائدات من تصدير الكهرباء.
غير أن الدراسة تشير إلى فجوة بين الطموحات والنتائج، بعدما أدى التركيز على زيادة قدرات التوليد إلى إهمال تطوير شبكات النقل والتوزيع، بينما ظلت الخلافات السياسية والانقسامات الداخلية عائقًا أمام وصول الكهرباء إلى قطاعات واسعة من السكان.
وتكشف المشكلة كذلك في صعوبة تحويل فائض الطاقة المحتمل إلى مصدر مستدام للنقد الأجنبي، إذ يتطلب تصدير الكهرباء اتفاقيات إقليمية وبنية تحتية مناسبة، في وقت تتنافس فيه دول المنطقة نفسها على أسواق الطاقة.
كما أن الطموحات الصناعية لم تحقق النتائج المأمولة، مع استمرار التفاوت الكبير في الحصول على الكهرباء بين أديس أبابا وبقية الأقاليم، ما يطرح تساؤلات حول قدرة السدود وحدها على تحقيق أهداف التنمية الإثيوبية.
فيما تخلص الدراسة إلى أن طفرة بناء السدود، رغم حجمها، لم تنجح بالكامل في تحقيق أهدافها الرئيسية المتعلقة بالتصنيع وتوسيع الوصول إلى الكهرباء وزيادة عائدات النقد الأجنبي.
آبي أحمد.. سدود أكثر وأزمة أعمق
مع وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، دخلت سياسة السدود وقطاع الكهرباء في إثيوبيا مرحلة مختلفة، بعدما سبقتها احتجاجات واسعة منذ 2015 وتفككت الجبهة الديمقراطية الثورية، قبل أن تنزلق البلاد إلى حرب تيجراي بين عامي 2020 و2022.
وأثرت هذه التحولات السياسية والاقتصادية مباشرة في النموذج الذي دعم طفرة بناء السدود، إذ يرى المؤلف أن نموذج “الدولة التنموية” والاقتصاد السياسي الذي ساند هذه الطفرة تعرضا لتراجع حاد، بالتزامن مع صعوبات في توفير الكهرباء المدعومة للمستهلكين والأعمال الصناعية.
ودفعت الأزمات السياسية والاقتصادية وأزمة الديون المانحين إلى تبني مقاربة مختلفة، بينما اتجهت حكومة آبي أحمد إلى تحرير قطاع الكهرباء وتشجيع استثمارات القطاع الخاص في التوليد والتوزيع، في محاولة لإعادة بناء القطاع على أسس اقتصادية جديدة.
ومع ذلك، لم تتوقف خطط إثيوبيا في مجال الطاقة الكهرومائية، إذ يرجح المؤلف استمرار العمل في سد النهضة ومشروعات أخرى، مع بقاء إمكانات كبيرة لإنشاء سدود جديدة في أحواض النيل الأزرق وبارو وأومو. لكن تكرار طفرة السدود التي شهدتها إثيوبيا سابقًا لن يكون سهلاً، إذ يتطلب توافر عوامل سياسية ومالية وتقنية كانت وراء التوسع السابق.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم