تقرير: سمر صفي الدين
لم تعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 أكتوبر المقبل مجرد استحقاق دستوري يتكرر كل أربعة أعوام، بل تحولت إلى اختبار سياسي وأمني يعيد رسم موازين القوى داخل إسرائيل.
وتأتي الانتخابات بعد واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ إسرائيل، بينما يواجه بنيامين نتنياهو تحديًا سياسيًا هو الأبرز منذ عودته إلى رئاسة الحكومة، وسط تداعيات الحرب والانقسامات الداخلية وتراجع قوة الليكود.
وفي تصريحات خاصة لـ”اليوم”، يرى الباحث الفلسطيني المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، أمير مخوّل، أن السباق يتمحور حاليًا حول ثلاثة مرشحين محتملين لرئاسة الحكومة، هم نتنياهو ونفتالي بينيت وغادي آيزنكوت، مع تصاعد فرص الأخير في استطلاعات الرأي.
لكن أهمية الانتخابات، وفق مخوّل، لا تكمن فقط في احتمال تغيير رئيس الحكومة، وإنما في طبيعة التحول الذي قد يطرأ على طريقة إدارة الصراع مع الفلسطينيين، إذ لا يبدو أي من المرشحين الثلاثة ممثلاً لمسار سياسي واضح ينهي القضية، وإنما تختلف مقارباتهم بين الحرب الدائمة وإدارة الصراع والتسويات السياسية المحدودة.
وتكتسب الانتخابات خصوصية إضافية لسببين رئيسيين؛ الأول أنها المرة الأولى منذ عام 1988 التي تصل فيها حكومة إسرائيلية إلى نهاية ولايتها القانونية الكاملة دون انهيار الائتلاف أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة.
أما السبب الثاني، فهو ارتباط الحكومة الحالية بأحداث السابع من أكتوبر 2023، التي تعدها الأوساط الإسرائيلية أخطر إخفاق أمني وعسكري في تاريخ الدولة، بينما لا يزال نتنياهو يرفض تحمل المسؤولية السياسية عنها أو تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة.
وبعد ما يقارب ثلاثة أعوام على تلك الأحداث، ما تزال آثارها تلقي بظلالها الثقيلة على المزاج الانتخابي، إذ لم تعد المنافسة تدور فقط حول الاقتصاد والأمن، وإنما حول هوية القيادة القادرة على استعادة ثقة الإسرائيليين بعد الحرب.
خريطة المنافسة
تكشف انتخابات 2026 عن إعادة تشكيل للخريطة الحزبية الإسرائيلية، مع بروز قوى جديدة وإعادة اصطفاف أحزاب المعارضة في مواجهة معسكر اليمين بقيادة نتنياهو.
فيما يتصدر هذه التحولات حزب “يشار” الذي أسسه رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، مستفيدًا من صورته العسكرية وشعارات الكفاءة الأمنية والوحدة الوطنية ومحاربة الفساد.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحزب ينافس الليكود على الصدارة، مستقطبًا ناخبين من اليمين المعتدل والوسط، إلى جانب جزء من القاعدة التقليدية لليكود الباحثة عن بديل يحافظ على النهج الأمني دون الارتباط بنتنياهو.
ويأتي صعود آيزنكوت في وقت كان فيه نفتالي بينيت يُنظر إليه باعتباره أبرز المنافسين المحتملين لنتنياهو، ما يجعل المنافسة داخل معسكر المعارضة نفسها أحد أهم محددات الانتخابات. وقد أشار مخّول إلى أن الخلاف حول هوية قائد البديل يمثل إحدى المعضلات الأساسية أمام المعارضة.
وفي المقابل، أعادت المعارضة تنظيم صفوفها عبر دمج حزب يائير لبيد مع حزب نفتالي بينيت في إطار جديد يحمل اسم “بياحاد”، بينما اندمج حزبا العمل وميرتس في تحالف “الديمقراطيون” بقيادة يائير غولان، في محاولة لتوحيد معسكر الوسط واليسار.
ويواصل أفيغدور ليبرمان تعزيز حضوره داخل اليمين العلماني مستفيدًا من رفضه إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، لكن المعارضة لا تزال تواجه صعوبة في إنتاج كتلة حكومية متماسكة تستطيع الوصول إلى أغلبية 61 مقعدًا.
نتنياهو.. معركة بقاء
يخوض نتنياهو انتخابات 2026 في ظروف تعد الأكثر تعقيدًا منذ عودته إلى السلطة، بعدما فقد جزءًا من الزخم السياسي الذي مكّنه لسنوات من توظيف الملفات الأمنية لتعزيز شعبيته.
وتمنح استطلاعات الرأي حزب الليكود ما بين 20 و23 مقعدًا، مقارنة بـ32 مقعدًا حصدها في انتخابات 2022، ما يعكس تراجعًا واضحًا في قوة الحزب ويضعف قدرة معسكر اليمين على تشكيل حكومة جديدة دون شركاء إضافيين.
ولا تقتصر أزمة نتنياهو على تراجع الليكود، بل تمتد إلى الائتلاف الحاكم الذي تشير معظم التقديرات إلى أنه لن يتمكن من تجاوز عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة، رغم احتفاظ الأحزاب الدينية بقاعدتها الانتخابية.
وبحسب مخوّل، يخوض نتنياهو الانتخابات باعتبارها معركة بقاء سياسي، مستندًا إلى خطاب الحرب الدائمة والتشديد على الترتيبات الأمنية، ويقدم نفسه باعتباره الزعيم الوحيد القادر على منع قيام دولة فلسطينية ومواجهة الضغوط الدولية.
ويرى الباحث أن نتنياهو لا يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سياسية قابلة للحل، وإنما يضعها بالكامل في إطار أمني، فيما ينسجم مشروعه مع توجهات حلفائه في الصهيونية الدينية، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
وتتصل هذه الرؤية، بحسب مخول، بمشروع إبقاء قيام الدولة الفلسطينية مرفوضًا، مع تأجيل مشروع ضم الضفة الغربية إلى حين توافر ظروف دولية مناسبة، وهو ما يجعل الانتخابات بالنسبة إلى نتنياهو معركة على السلطة وعلى شكل السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في آن واحد.
آيزنكوت.. الحصان الأسود
في مقابل تراجع الليكود، يبرز غادي آيزنكوت بوصفه المفاجأة الأكبر في المشهد السياسي الإسرائيلي، بعدما نجح حزب “يشار” في التحول إلى منافس مباشر لنتنياهو.
وتستند قوة آيزنكوت إلى خلفيته العسكرية وقيادته الجيش بين عامي 2015 و2019، إلى جانب حضوره الشعبي بعد فقدان نجله واثنين من أبناء إخوته خلال حرب غزة، وهو ما أكسبه تعاطفًا داخل قطاعات من المجتمع الإسرائيلي.
كما يركز برنامجه على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في إخفاقات السابع من أكتوبر، وفرض الخدمة العسكرية على جميع الإسرائيليين، بمن فيهم الحريديم، وإصلاح النظام التعليمي الديني، وهي ملفات تمس بصورة مباشرة ركائز الائتلاف الذي يقوده نتنياهو.
ويشير مخوّل إلى أن آيزنكوت يختلف عن نتنياهو وبينيت في رؤيته لمستقبل إسرائيل، إذ يرى أن هذا المستقبل يرتبط بالحلول السياسية والتسويات الإقليمية، وليس بالاعتماد على التسويات الأمنية وحدها.
ولا يعني ذلك، وفق قراءة الباحث، أن آيزنكوت يطرح سلامًا إسرائيليًا فلسطينيًا قائمًا على حل الدولتين، فهو لا يقدم هذا الخيار صراحة ولا يطرح برنامجًا ينهي الاحتلال، لكنه يرفض اختزال المستقبل في الحلول الأمنية.
ويبدو آيزنكوت كذلك أكثر قدرة على مخاطبة شرائح من ناخبي الليكود وشاس، فيما تشير قراءات مخوّل إلى أن هذا الاختراق داخل قواعد اليمين قد يكون العامل الحاسم في قدرته على تحويل تقدمه في الاستطلاعات إلى فرصة حقيقية لتشكيل الحكومة.
بينيت.. تقليص الصراع
في الضفة الأخرى من المنافسة، يمثل نفتالي بينيت مقاربة مختلفة عن نتنياهو وآيزنكوت، لكنها لا تتضمن طرحًا لتسوية سياسية شاملة مع الفلسطينيين.
ويوضح مخوّل أن بينيت يعتمد مفهوم “تقليص الصراع”، القائم على إدارة الأزمة وتجميدها دون السعي إلى إنهائها، مع تركيز أكبر على الاقتصاد والملفات الداخلية والترتيبات الأمنية.
وخلال تجربته السابقة في رئاسة الحكومة، اتجه بينيت إلى إدارة القضية الفلسطينية بدل البحث عن حل لها، وهو ما يجعل الفارق بينه وبين نتنياهو مرتبطًا بأسلوب إدارة الصراع أكثر من اختلاف جذري في نهايته.
ويسعى بينيت كذلك إلى تشكيل حكومة وحدة صهيونية تستبعد الأحزاب العربية والحريديم، مع إعطاء الأولوية للملفات الداخلية والأمنية والانخراط في مشاريع إقليمية لا تشمل إقامة دولة فلسطينية.
اليمين المتطرف
يشكل حزبا “الصهيونية الدينية” بقيادة بتسلئيل سموتريتش و”عوتسما يهوديت” بقيادة إيتمار بن غفير أحد أبرز عناصر القوة داخل معسكر اليمين، لكنهما يمثلان في الوقت نفسه أحد أكبر مصادر القلق بالنسبة لنتنياهو.
ويخوض الحزبان الانتخابات بقائمتين منفصلتين بعدما فشلت محاولات دمجهما في قائمة موحدة، وهو ما يهدد بتشتيت أصوات اليمين إذا أخفق أحدهما في تحقيق النتائج المتوقعة.
كما أن خطابهما المتشدد في قضايا الحرب والاستيطان والضفة الغربية يجعل إمكانية انضمام قوى أخرى إلى حكومة يقودها نتنياهو أكثر صعوبة، ويضيق هامش المناورة أمامه بعد الانتخابات.
ويدرك نتنياهو أن خسارة دعم سموتريتش أو بن غفير تعني فقدان جزء مهم من الكتلة اليمينية، ولذلك يواصل الموازنة بين الحفاظ على تحالفه معهما وبين محاولة تجنب تحميل حكومته تبعات سياساتهما المثيرة للجدل.
القوائم العربية
بعيدًا عن المنافسة بين اليمين والوسط، تبرز الأحزاب العربية باعتبارها أحد أبرز العوامل التي قد تحدد هوية الحكومة المقبلة، حتى وإن بقيت خارج الائتلاف الحاكم.
وتشير التقديرات إلى أن القوائم العربية، سواء خاضت الانتخابات منفصلة أو ضمن قائمة موحدة، قد تحصد ما بين تسعة وأحد عشر مقعدًا، وهو رقم قد يكون كافيًا لترجيح كفة أحد المعسكرين إذا عجز أي منهما عن الوصول إلى أغلبية 61 نائبًا.
ولا يرتبط تأثيرها بعدد المقاعد فقط، بل بطبيعة موقفها بعد إعلان النتائج، وما إذا كانت ستمنح دعمًا برلمانيًا لحكومة جديدة من الخارج أم ستبقى في صفوف المعارضة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل إصرار أطراف من المعارضة على استبعاد الأحزاب العربية من الائتلاف، بينما قد تفرض نتائج الانتخابات نفسها ترتيبات مختلفة إذا عجز أي معسكر عن الوصول إلى الأغلبية.
الناخبون المترددون
رغم احتدام المنافسة بين الأحزاب، فإن المعركة الحقيقية لا تدور داخل مقرات الحملات الانتخابية فقط، بل بين شريحة الناخبين المترددين التي قد تحسم الفارق بين المعسكرات.
وتمثل هذه الكتلة الهدف الأول لجميع الأحزاب، لأنها تتحرك بين الليكود وأحزاب اليمين المعتدل والوسط دون ارتباط حزبي ثابت، ما يجعلها صاحبة تأثير كبير في حسم النتائج النهائية.
وتدرك الأحزاب الإسرائيلية أن الفارق بين الفوز والخسارة قد لا يتجاوز بضعة مقاعد، لذلك تركز حملاتها على الأمن والاقتصاد وتكاليف المعيشة ومستقبل الحرب، أكثر من القواعد الحزبية التقليدية.
ولهذا، يتوقع أن تشهد الأسابيع الأخيرة قبل الاقتراع تصعيدًا في الخطاب السياسي والإعلامي، في محاولة للتأثير على أصوات الناخبين المتأرجحين.
معركة خارج الحدود
لم تعد المنافسة الانتخابية مقتصرة على الداخل الإسرائيلي، إذ تحول الإسرائيليون المقيمون في الخارج إلى عامل قد يؤثر في النتائج النهائية.
وتكشف تقارير إسرائيلية عن مخاوف حكومية من عودة آلاف المغتربين للتصويت لصالح أحزاب المعارضة، ما فتح نقاشًا حول تنظيم حركة الطيران وإدارة خانات الهبوط في مطار بن غوريون خلال فترة الانتخابات.
وترى المعارضة أن هذه الإجراءات قد تحد من مشاركة الناخبين القادمين من الخارج، في حين تؤكد مجموعات إسرائيلية أن آلاف المغتربين يعتزمون العودة للإدلاء بأصواتهم، خاصة أن القانون الإسرائيلي يشترط التصويت الحضوري.
ثلاثة سيناريوهات
مع بقاء نحو 70 يومًا على موعد الانتخابات، تبدو الساحة السياسية مفتوحة على ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يرتبط أولها بقدرة نتنياهو على إعادة بناء أغلبية يمينية تتجاوز عتبة 61 مقعدًا.
- السيناريو الأول: يقوم على نجاح نتنياهو في تعويض تراجع الليكود عبر مفاوضات ائتلافية مع الأحزاب الدينية واليمينية، مستفيدًا من خبرته الطويلة في إدارة التحالفات حتى لو لم يحصل حزبه على المرتبة الأولى.
- السيناريو الثاني: يتمثل في نجاح آيزنكوت في ترجمة تقدمه في الاستطلاعات إلى أغلبية برلمانية عبر بناء تحالف واسع يضم قوى الوسط والمعارضة، وربما الحصول على دعم من الأحزاب العربية من خارج الائتلاف.
- السيناريو الثالث: يتمثل في عدم تمكن أي معسكر من حسم الأغلبية، بما يعيد إسرائيل إلى دائرة المفاوضات الائتلافية الطويلة، وربما يفتح الباب أمام حكومة وحدة وطنية أو تفاهمات غير تقليدية.
سياسة واحدة؟
ورغم اختلاف المرشحين الثلاثة في الخطاب والأدوات، فإن قراءة مخوّل تقود إلى خلاصة أكثر تعقيدًا من مجرد السؤال عن هوية رئيس الحكومة المقبل.
فبحسب الباحث، لا يوجد بين نتنياهو وبينيت وآيزنكوت “رجل سلام”، وإنما تتضح الفروق بينهم في طبيعة إدارة الصراع؛ نتنياهو يمثل الحرب الدائمة والتسويات الأمنية، وبينيت يمثل “تقليص الصراع”، بينما يميل آيزنكوت إلى التسويات السياسية والإقليمية دون تبني موقف واضح من إقامة دولة فلسطينية.
وهكذا، قد تنتج انتخابات 2026 تغييرًا مهمًا في هوية رئيس الحكومة وشكل الائتلاف الحاكم، لكنها لا تضمن بالضرورة تحولًا جذريًا في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
ويشير مخوّل إلى أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في تغيير رئيس الحكومة، وإنما فيما يمكن أن يتبلور دوليًا وعربيًا وأمريكيًا من مسار متعدد الأطراف يفرض على إسرائيل أفقًا سياسيًا يتجاوز الحسابات الانتخابية.
وبذلك، تصبح انتخابات أكتوبر معركة على هوية القيادة الإسرائيلية بقدر ما هي اختبار لقدرة النظام السياسي على إنتاج مسار جديد، بينما يبقى السؤال الفلسطيني معلقًا بين ثلاثة أساليب لإدارة الصراع، لا بين ثلاثة مشاريع واضحة لإنهائه.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم