أستاذ صحافة: وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المرآة الأوضح للمجتمع

حوار: محمود حسن محمود

في زمن تتحكم فيه «الترندات» بخيارات الجمهور وتوجهات الرأي العام، وتتحول فيه المنصات الرقمية إلى ساحات للجدل والنقاش، بل أحياناً إلى ميادين للفتنة أو الوعي؛ تبرز تساؤلات ملحة حول الذوق العام، وحدود الحرية، ودور الإعلام في إعادة الاتزان للمشهد الرقمي.

حول هذه القضايا، كان لنا هذا الحوار الخاص مع الأستاذة الدكتورة أسماء عرام، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة قنا، التي قدمت رؤية عميقة ومتزنة حول تأثير السوشيال ميديا على الذوق العام والرأي العام، ودور التعليم والإعلام في صناعة الوعي الجمعي.

وسائل التواصل.. مرآة المجتمع وسيفه ذو الحدين

س:  كيف أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الذوق العام خلال السنوات الأخيرة؟

تقول الدكتورة أسماء عرام: “وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المرآة الأوضح لما يدور في المجتمع، فهي لم تعد مجرد وسيلة للتعبير، بل تحولت إلى أداة لتشكيل الوعي والسلوك والذوق.”

وتضيف أن هذه المنصات ساهمت في توسيع دوائر التأثير، إذ صار كل مستخدم مذيعاً ومخرجاً وصانعاً للرأي، لكن هذا الانفتاح غير المنضبط جعل الذوق العام عرضة لمحتوى سريع وسطحي يغلب عليه الطابع الترفيهي والبحث عن الانتشار أكثر من القيمة والعمق.

أ.د اسماء عرام، رئيس قسم الصحافة بإعلام قنا.

س: هل ساعدت السوشيال ميديا على الارتقاء بالوعي الثقافي أم أسهمت في تراجع الذوق العام؟

ج/ للمنصات الرقمية وجهان؛ أحدهما إيجابي، إذ أتاحت فرصاً غير مسبوقة لنشر المعرفة والفكر والإبداع، وبرزت عبرها مبادرات شبابية ثقافية وتعليمية ملهمة.
أما الوجه السلبي، فهو هيمنة المحتوى القائم على “الترند” والجدل، مما ساهم في تراجع الذوق العام وانتشار اللغة العنيفة والسخرية، والتطبيع مع الإسفاف تحت شعار حرية التعبير.

صانع المحتوى… قدوة رقمية أو سبب في الانحدار.. إلى أي مدى يتحمل صناع المحتوى والمؤثرون مسؤولية تدهور أو تحسين الذوق العام؟

ج/ صناع المحتوى يتحملون جانباً كبيراً من المسؤولية لأنهم يمثلون “قدوة رقمية” لجمهور واسع، خاصة الشباب.
فالمؤثر الذي يقدم محتوى راقياً يعزز القيم الإيجابية، بينما من يلهث وراء المشاهدات بأي ثمن يرسخ أنماطاً سطحية واستهلاكية، وءاليوم التأثير الأخلاقي والاجتماعي للمحتوى لا يقل خطورة عن الإعلام التقليدي.

حرية التعبير لا تعني الإساءة.. كيف يمكن التفرقة بين حرية التعبير وبين الإساءة للذوق العام والقيم المجتمعية؟

ج/ حرية التعبير حق مكفول، لكنها لا تعني حرية الإهانة أو تجاوز القيم الإنسانية، والتمييز بينهما يقوم على نية المحتوى وسياقه وأثره:
فإذا كان الهدف توعية أو نقداً بناءً فهو حرية تعبير، أما إذا كان الغرض السخرية أو الإهانة أو إثارة الغرائز فهو إساءة للذوق العام، ومن هنا تأتي أهمية التربية الإعلامية والأخلاق الرقمية لتوعية المستخدمين بالفارق.

بين القانون والوعي… التهذيب يبدأ من الداخل.. هل هناك حاجة إلى ضوابط تشريعية أو أخلاقية تنظم المحتوى المنشور على السوشيال ميديا؟

ج/ بالتأكيد، فالقوانين ضرورية لحماية المجتمع من خطاب الكراهية والابتذال والأخبار الكاذبة، لكن الأهم من التشريعات هو الوعي الذاتي والمسؤولية الأخلاقية، لأن القانون وحده لا يصنع الذوق العام، بل يحد من الانفلات، أما التهذيب الحقيقي فيبدأ من الأسرة والمدرسة والإعلام.

س: ما دور الإعلام المهني في مواجهة ظواهر الإسفاف والابتذال على المنصات؟

ج/ الإعلام المهني هو خط الدفاع الأول عن الذوق العام، وعليه أن يقدم البديل الراقي ويعزز معايير الجودة في الطرح، ويكشف خلفيات المحتوى المبتذل دون تضخيمه، كما يجب أن يتبنى حملات توعية حول “المسؤولية الرقمية”، ويبرز نماذج إيجابية من صناع المحتوى الهادف.

س: كيف يمكن للجامعات وكليات الإعلام إعداد جيل واعٍ يحافظ على الذوق العام؟

ج/ من خلال إدخال مقررات “التربية الإعلامية الرقمية”، وتدريب الطلاب على إنتاج محتوى مسؤول ومؤثر يوازن بين حرية التعبير والقيم الأخلاقية.
ويجب أيضاً ربط التدريب الأكاديمي بالواقع العملي وتشجيع الطلاب على إطلاق حملات رقمية توعوية تعزز الذوق العام.

 

س: هل ترين علاقة بين مستوى التعليم والثقافة ونوعية المحتوى الذي يتفاعل معه الجمهور؟

ج/ نعم، العلاقة طردية وواضحة.
فكلما ارتفع مستوى التعليم والثقافة، زاد إقبال الجمهور على المحتوى الجاد والراقي، أما انخفاض المستوى المعرفي، فيجعل المتلقي أكثر انجذاباً للمحتوى السطحي والسريع، ورفع الوعي الثقافي هو طريق غير مباشر للارتقاء بالذوق العام.

س: ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأسرة والمدرسة في غرس الذوق الرفيع لدى الأجيال الجديدة؟

ج/ الأسرة والمدرسة هما الأساس في بناء الذوق العام.
حين يتعلم الطفل منذ الصغر معنى الاحترام والذوق في الحديث والسلوك، سينعكس ذلك على تفاعله الرقمي لاحقًا.
لذا يجب أن تتعاونا في غرس قيم “الاستخدام الواعي للميديا”، وتعليم الأطفال كيفية التمييز بين الجيد والرديء في المحتوى.

س: ما رؤيتك لمستقبل الذوق العام في ظل الذكاء الاصطناعي وانتشار المحتوى السريع؟

ج/ المستقبل يحمل تحدياً كبيراً.
الذكاء الاصطناعي سيضاعف حجم المحتوى وسرعة انتشاره، مما قد يزيد من فوضى الذوق إن لم يُستخدم بوعي، لكن يمكن أيضاً توظيفه إيجابياً من خلال أنظمة ترشيح ذكية ومحتوى ثقافي بصري جذاب.
والأمر في النهاية يعتمد على من يقود التكنولوجيا: الإنسان الواعي أم المستهلك العابر؟

السوشيال ميديا والإعلام التقليدي… تكامل لا صراع.. كيف تقيمين دور السوشيال ميديا اليوم في توجيه الرأي العام مقارنة بالإعلام التقليدي؟

ج/ السوشيال ميديا تجاوزت الإعلام التقليدي في السرعة والتأثير اللحظي، لكنها تفتقر إلى المهنية والانضباط الأخلاقي.
أما الإعلام التقليدي فله ميزة المصداقية والمرجعية، رغم بطء تفاعله، واليوم نعيش مرحلة تكامل: المنصات تكشف، والإعلام يصحح، والمجتمع يراقب.

س: ما تقييمك لتفاعل المسؤولين مع حادث “مسن الإسماعيلية” بعد انتشاره رقمياً؟

ج/ التفاعل السريع من الجهات الرسمية يعكس وعياً متزايداً بقوة الرأي العام الرقمي، والمنصات أصبحت جرس إنذار يدفع المسؤولين للتحرك الفوري أمام موجة الغضب الشعبي، لكن ينبغي الحذر من تحول “الترند” إلى محكمة شعبية تصدر أحكاماً دون تحقق أو وعي.

«الترند» أصبح جرس إنذار للمسؤولين.. هل يمكن اعتبار مواقع التواصل شكلاً من أشكال الرقابة الشعبية؟

السوشيال ميديا

ج/ نعم، لكنها رقابة غير منظمة، فهي أداة ضغط إيجابية عندما تُستخدم للمطالبة بالحقوق، لكنها قد تتحول إلى فوضى رقمية إذا غاب الوعي أو انتشرت الشائعات.
الوعي الجمعي هو ما يجعل هذه الرقابة قوة بناء لا وسيلة هدم.

الأخبار الزائفة… وقود الغضب الجماهيري.. ما خطورة انتشار الأخبار الزائفة والعناوين المضللة أثناء موجات الغضب الجماهيري؟

ج/ الخطر الأكبر أنها تشعل الغضب وتفقد الثقة بالمؤسسات، كما أن العنوان المضلل في لحظة غضب قد يغير اتجاه الرأي العام أو يشعل فتنة اجتماعية، لذلك، من الضروري تعزيز مهارات التحقق الرقمي لدى الجمهور، وهنا يبرز دور الصحفيين في تصحيح المعلومات بسرعة ومهنية.

س: كيف يمكن للإعلام الأكاديمي توجيه طلاب الصحافة نحو الاستخدام المهني والأخلاقي للسوشيال ميديا؟

ج/ من خلال تدريبهم على مهارات التحقق من المعلومات، والكتابة المسؤولة، وإدارة الأزمات الرقمية، وربط المناهج بالواقع العملي، ويجب أن تغرس المناهج الجامعية قيم “الأخلاقيات الرقمية” و“المسؤولية في التأثير” باعتبارها جزءا من مهنة الصحافة الحديثة.

الصحفي المعاصر… بين السبق والصدق.. ما الأدوات التي يجب أن يمتلكها الصحفي المعاصر في البيئة الرقمية؟

ج/ مهارة التحقق من المعلومات قبل النشر، والقدرة على التحليل البصري والبياني للمحتوى المنتشر، وفهم خوارزميات المنصات الرقمية، وكذلك إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي في التحرير والتحقق.
والأهم: ضمير مهني ووعي مجتمعي يوازن بين السبق الصحفي والصدق.

تؤكد الدكتورة أسماء عرام أن “الإعلام الجديد هو ساحة الفرصة والمسؤولية معاً “، وأن بقاء الذوق العام مرهون بقدرة المجتمع على الوعي والاختيار، لا بعدد المتابعين أو حجم المشاهدات.

محمود حسن محمود، صحفي بقسم الأخبار والمتابعات- حاصل على بكالوريوس الإعلام من جامعة جنوب الوادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *