لم تعد عملية تطوير الإسكندرية تقتصر على القرارات التي تُتخذ داخل المكاتب الحكومية، وإنما بدأت المحافظة في فتح مساحة أوسع أمام المواطنين للمشاركة في اختيار شكل عدد من المشروعات الجاري دراستها، في خطوة تستهدف أن يكون المواطن شريكًا في صناعة القرار، وليس مجرد متلقٍ لنتائج المشروعات بعد تنفيذها.

وتحت شعار “رأيك يصنع مستقبل الإسكندرية” طرحت محافظة الإسكندرية استطلاعا للرأي حول أحد المشروعات المقترحة لتطوير واستغلال المساحة أسفل كوبري الفريق أول سليمان عزت، وتحويلها إلى مساحات رياضية ومتنفس يخدم أهالي المنطقة، ويوفر بيئة حضارية لممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية.
المواطن شريك في اختيار شكل التطوير
المحافظة دعت المواطنين إلى إبداء آرائهم حول المشروع ومدى تأييدهم لتنفيذه، إلى جانب تقديم المقترحات والملاحظات التي يمكن أن تسهم في نجاحه، في محاولة لربط عملية التخطيط باحتياجات السكان الفعلية وطبيعة المناطق التي تستهدفها المشروعات.
وتحمل هذه الخطوة رسالة واضحة مفادها أن تطوير المدينة لا ينفصل عن رأي سكانها، وأن الاستماع إلى المواطنين يمكن أن يساعد في الوصول إلى مشروعات أكثر ارتباطًا باحتياجاتهم اليومية، سواء من خلال توفير مساحات مفتوحة أو مناطق للرياضة والترفيه.

من تطوير المساحات إلى إحياء ذاكرة الترام
ولم تتوقف فكرة المشاركة المجتمعية عند المشروعات الخدمية، حيث طرحت المحافظة استطلاعًا آخر تحت شعار «رأيك يحيي تراث الإسكندرية»، يتعلق بإعادة توظيف عدد من عربات الترام القديمة والحفاظ عليها باعتبارها جزءًا من ذاكرة المدينة وهويتها البصرية.
وتقوم الفكرة على منح عربات الترام القديمة حياة جديدة من خلال وضعها في عدد من المواقع المميزة بالإسكندرية، وإعادة توظيفها كعناصر حضارية وتراثية يمكن أن تتحول إلى مساحات ثقافية أو ترفيهية أو خدمية، بما يحافظ على قيمتها التاريخية ويمنحها دورًا جديدًا داخل المدينة.
الإسكندرية بين المستقبل والذاكرة
ويكشف طرح المشروعين عن محاولة للجمع بين اتجاهين في تطوير الإسكندرية؛ الأول يرتبط باحتياجات المستقبل من خلال استغلال المساحات غير المستغلة وتحويلها إلى أماكن رياضية وترفيهية، والثاني يرتبط بالحفاظ على ذاكرة المدينة من خلال إعادة توظيف عربات الترام القديمة بدلًا من اختفائها من المشهد السكندري.
وفي الحالتين، وضعت المحافظة المواطن أمام السؤال قبل اتخاذ القرار النهائي: ماذا تريد أن ترى في مدينتك؟
ففي المشروع الأول، يمكن للمواطنين اقتراح الأنشطة التي يرون أنها مناسبة للمساحات أسفل الكوبري، بينما يفتح المشروع الثاني الباب أمام أفكار جديدة حول أماكن وضع عربات الترام والاستخدامات التي يمكن أن تقدمها.
“صوت المواطن” في مواجهة تحديات التطوير
وتأتي أهمية هذه التجربة من كون الإسكندرية مدينة ذات طبيعة خاصة، تجمع بين الكثافة السكانية والامتداد العمراني والساحل والتاريخ والتراث، وهو ما يجعل أي مشروع جديد بحاجة إلى مراعاة أكثر من مجرد الجانب الإنشائي أو الخدمي.
فالمشروع الناجح ليس فقط ما يتم تنفيذه على الأرض، وإنما ما يشعر المواطن بأنه جزء منه، خاصة عندما يتعلق الأمر بمكان اعتاد استخدامه أو معلم ارتبط بذاكرته وذاكرة مدينته.
وبين مساحة رياضية أسفل كوبري، وعربة ترام قديمة تعود إلى الشارع في ثوب جديد، تبدو الإسكندرية أمام تجربة مختلفة في إدارة بعض ملفات التطوير؛ تجربة تضع رأي المواطن ضمن مراحل التفكير في المشروع، وتمنح سكان المدينة فرصة للتعبير عن رؤيتهم لشكل الإسكندرية التي يريدون العيش فيها.
من “المواطن المتلقي” إلى “المواطن الشريك”
ويبقى نجاح هذه التجربة مرتبطًا بمدى تحويل الآراء والمقترحات التي يقدمها المواطنون إلى عناصر حقيقية في الدراسات والتنفيذ، حتى يشعر المواطن أن مشاركته لم تكن مجرد استطلاع رأي، وإنما خطوة مؤثرة في صناعة القرار.
فالإسكندرية لا تحتاج فقط إلى مشروعات جديدة، وإنما تحتاج أيضًا إلى مشروعات تحمل روح المكان وتحترم ذاكرته وتستجيب لاحتياجات سكانه.
وهنا تصبح الرسالة الأهم من الاستطلاعات: الإسكندرية تتغير، لكن هذه المرة تحاول أن تسأل أهلها أولًا عن شكل التغيير الذي يريدونه.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم