الإعلامية هيام أحمد:تكتب «رفعت الجلسة»

 

كان هناك زمنٌ يبدأ فيه الخلاف عند باب البيت، وينتهي على فنجان شاي أو كلمة طيبة من كبير العائلة.

أما اليوم، فقد انتهى بنا الأمر إلى العيش في عالمٍ يبدو وكأنه محكمة مفتوحة لا تغلق أبوابها أبدًا.الجميع يرفع دعاوى،والجميع يترافع.

والجميع ينتظر الحكم.

والغريب أن الجميع أيضًا يرى نفسه بريئًا.

الجار ضد الجار، والأخ ضد أخيه.

والصديق ضد صديقه.

وأحيانًا الإنسان ضد نفسه.

حتى مواقع التواصل الاجتماعي تحولت الى محاكم مستعجلة.

جلسات عاجلة،مرافعات مرتجلة.

واحكام نهائية تصدر في دقائق، ولا يحق لاحد الاستئناف.

حتى أصبحنا نعيش وسط محاضر غير مكتوبة، وبلاغات صامتة، وخصومات مؤجلة تنتظر أول فرصة للاشتعال.

في الماضي كان الناس يخشون خسارة الأحباب.

أما اليوم، فيبدو أن بعضهم يخشى خسارة النقاش أكثر من خسارة الإنسان نفسه.

المضحك المبكي أن أغلب هذه القضايا لا تتعلق بحقوق كبرى ولا بمصائر أوطان.

بل بسبب كلمة أُسيء فهمها، أو رسالة لم يصل منها سوى نصف المعنى، أو موقف عابر تحول إلى ملف كامل من الاتهامات.

لقد أصبح سوء الفهم أخطر محامٍ في هذا العصر يترافع ليلًا ونهارًا بلا أتعاب.ويكسب أغلب القضايا.

أما الحكمة، فتجلس خارج القاعة في انتظار استدعائها كشاهد.

 

وأما التسامح، فقد تم شطبه من قائمة الشهود منذ زمن.

العالم كله يتحدث عن العدالة، لكنه ينسى أن العدالة لا تبدأ بالحكم، بل بالفهم،ولا تبدأ بالعقاب، بل بالإنصاف.

ولا تبدأ بإدانة الآخرين، بل بمراجعة النفس.

حتى مواقع التواصل الإجتماعي تحولت إلى محاكم مستعجلة.

جلسات عاجلة، مرافعات مرتجلة.

وأحكام نهائية تصدر في دقائق.

ولا يحق لأحد الاستئناف.

والاغرب اننا نشتكي من الوحدة بينما نحن من نصنعها،ونبحث عن السلام بينما نحول ابسط المواقف الى معارك صغيرة.

اصبح العالم يتحدث عن العدالة، لكنه ينسى ان العدالة لا تبدأ بالحكم بل بالفهم،ولا تبدأ بالعقاب بل بالانصاف.

ولا تبدأ بادانة الاخرين بل بمراجعة النفس.

لقد وصل الإنسان إلى الفضاء، واخترع ما لم يكن يتخيله أجداده، لكنه ما زال يجد صعوبة في قول:

“أعتذر”وكأن الكبرياء أصبح أغلى من راحة القلب،وأثمن من العلاقات.

وأقوى من الحقيقة أحيانًا.

المشكلة أننا لم نعد نبحث عن الحقيقة،،نحن نبحث عن نصر سريع، حتى لو كان على حساب قلب إنسان.

حتى أصبح الانتصار أهم من السلام، وإثبات الخطأ أهم من إصلاحه، وكأن الحياة مباراة وليس علاقة.

وربما لو اجتمعت البشرية كلها في قاعة واحدة، لاكتشفنا أن القضية الوحيدة الحقيقية ليست بين شخصين..بل بين الإنسان وضميره الذي قرر أن يسكت.

وبعد الاطلاع على الأوراق، وسماع مرافعات الكرامة، واستبعاد كل ما يشبه الرحمة من الأدلة….

 

حكمت المحكمة أن الجميع خسر، وأن الانتصار كان مجرد وهم قانوني جميل،،لكن الجلسة الحقيقية لم تُرفع بعد من داخل القلوب،

وربما لو اجتمعت البشرية كلها في قاعة واحدة، لاكتشفنا أن أكبر قضية منظورة حتى الآن ليست بين شخص وآخر،بل بين الإنسان وإنسانيته.

هناك حيث تتراكم الأحكام المسبقة، وتكبر الخصومات الصغيرة، وتضيع حقائق كثيرة بين الرغبة في الانتصار والرغبة في الفهم،فليس كل خلاف يحتاج إلى قضية، وليس كل خطأ يحتاج إلى عقوبة. وليس كل انتصار يستحق أن نخسر من أجله إنسانًا..

وبعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعات، واستدعاء الضمير شاهدًا على العصر….

حكمت المحكمة بأن الرحمة كانت أحقّ بالحضور من الخصومة، وأن التسامح كان أولى من الانتصار.

رفعت الجلسة.

لكن قبل أن يغادر كلٌّ منا قاعة الحياة، ربما يجدر بنا أن نتذكر حقيقة بسيطة نسيناها وسط ضجيج الاتهامات والأحكام: ما خُلِق الإنسان ليغلب أخاه، بل ليعينه، وما جعل الله الناس شعوبًا وقبائل ليتخاصموا، بل ليتعارفوا ويتراحموا. فالدين معاملة، والقلوب أمانة، وما نقدمه للناس يعود إلينا يومًا بصورة أو بأخرى.

لقد جعلنا الله لبعضنا سكنًا وسندًا ورحمة، لا قضاةً وجلادين؛ فكل قلبٍ تكسره اليوم، قد تقف غدًا بين يدي الله مسؤولًا عنه،الدين معاملة قبل أن يكون كلامًا، والإنسان امتحان في قلبه قبل أن يكون حكمًا على غيره.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ اللهم انزع من القلوب قسوة الخصومة، وألهمنا عدلًا لا يظلم، ورحمةً لا تضعف، وحكمةً تُطفئ نار الخلاف قبل أن تشعلها الكلمات، واجعلنا ممن يجبرون القلوب . رفعت الجلسة. لكن الجلسة الحقيقية لم تُرفع بعد من داخل القلوب، رفعت الجلسة وبقي حكم الله حيث لا يضيع حق ولا يُظلم أحد.

عن هيام احمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *