..كانت الأرض تتسع للجميع، لكن الكراهية جعلت البشر يتزاحمون فوق الورود.
ليس كل من دست قدماه على وردةٍ رآها، فبعض القلوب تمضي في الحياة عمياء عن الجمال، ثم تتساءل من أين جاء كل هذا الخراب؟! وما أكثر الذين يمرون فوق الجمال دون أن يروه، وما أكثر الذين يهدمون الأشياء النبيلة ثم يبحثون بين الأنقاض عن سبب الخراب.
لم تكسرني الأشواك يومًا، لكن الذي أوجعني حقًا أن من مروا بجوار الورود هم أنفسهم من داسوها.
دستُ على ورودي..
ولم يكن الورد زهرةً في حديقة، بل كان ثقةً منحتها لمن لا يعرف قيمة الأمان، وكان قلبًا مفتوحًا لمن اعتاد الأبواب المغلقة، وكان يدًا امتدت بالسلام في زمنٍ غدا فيه السلام تهمة.
أصبحت أتأمل العالم فأجده يعبر فوق الورود كثيرًا، وكأنه في حربٍ مع كل ما هو جميل.
يدوس على الرحمة ويسميها ضعفًا.
يدوس على الصدق ويسميه سذاجة.
يدوس على الطيبة ويسميها غباء.
ثم يتساءل لماذا بات العالم أكثر قسوةً وبرودة.
وفي زحام الحياة، يؤلمني أن أرى أحيانًا جارًا ينسى حق الجوار، أو صديقًا يخذل قلبًا ائتمنه على أسراره.
فالجيران كانوا يومًا سندًا إذا ضاقت الأيام، والأصدقاء كانوا وطنًا صغيرًا نحتمي فيه من قسوة العالم.
وما أقسى أن يأتي الجرح ممن ظننتهم أقرب الناس إلى روحك، وما أجمل أن يبقى بين البشر من يحفظ الود، ويرعى المعروف، ويجبر الخواطر بصمتٍ نبيل.
في كل مكان أرى الأقدام نفسها.
في بيتٍ هدمته كلمة.
وفي وطنٍ مزقته الكراهية.
وفي طفلٍ سرقت الحروب طفولته قبل أن يتعلم معنى الحياة.
وفي إنسانٍ بات يخاف من الإنسان أكثر مما يخاف من الوحوش.
كأن البشرية فقدت قدرتها على رؤية الورود، ولم تعد ترى إلا الأشواك.
والغريب أن الحروب لا تبدأ على الحدود فقط، بل تبدأ داخل النفوس.
حين ينتصر الحسد على الامتنان.
والأنانية على المشاركة.
والانتقام على التسامح.
هناك تُطلق الرصاصة الأولى، حتى وإن لم يسمعها أحد.
كل حربٍ في العالم كانت يومًا فكرةً صغيرة في قلبٍ امتلأ بالكراهية.
وكل خرابٍ عظيم بدأ بخطوةٍ صغيرة فوق وردةٍ لم ينتبه أحد إلى أنها كانت آخر ما تبقى من الجمال.
أخشى أن يأتي يومٌ لا يبقى فيه قاتلٌ ولا قتيل، ولا منتصرٌ ولا مهزوم، لأن الجميع سيكون قد انتهى بعد أن داس آخر وردةٍ في إنسانيته.
دستَ على وردي..
لكن الورد لا يتعلم الكراهية.
هذه هي معجزة الورد التي لم يتعلمها البشر بعد.
فهو يُسحق ويظل يفوح عطرًا.
ويُقطف ويظل جميلًا.
ويموت ليمنح الأرض فرصةً جديدة للحياة.
أما نحن، فغالبًا ما نحوّل جراحنا إلى أسلحة، ونحوّل خيباتنا إلى قسوة، ونورث أحزاننا لمن لم يؤذونا.
وربما لهذا تتكاثف عتمة العالم يومًا بعد يوم؛ لأن كثيرين أتقنوا الدوس، وقليلين فقط ما زالوا يعرفون كيف يزرعون.
ومع ذلك.. سأظل أزرع وردي.
ليس لأن الناس لن يدوسوا عليه، بل لأنني لا أريد أن أصبح واحدًا ممن يدوسون.
والحل ليس في مزيدٍ من الخصام والاتهام، بل في أن يعود الإنسان إلى إنسانيته، وأن يتذكر أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الرحمة قوة، وأن الأمن والأمان نعمة عظيمة لا تدوم إلا بالشكر والعدل والمحبة.
فانتبهوا أيها البشر قبل أن تدوسوا آخر وردةٍ في قلوبكم، فحين تموت الورود في الداخل، لا يبقى في الخارج ما يستحق الحياة.
فالنجاة الحقيقية ليست أن تحافظ على ورودك من العالم، بل أن تحافظ على قلبك وردةً رغم العالم كله.
فليدس من شاء على ورودنا، أما نحن فلن نزرع في الأرض إلا مزيدًا من الورود.. اتركونا نزرع ورودنا، فحين يُنتزع الأمان من الإنسان لا يبقى ما يستحق أن يُزرع.
اللهم ازرع في قلوبنا رحمةً لا تذبل، وانزع منها كل شوكٍ يؤذي عبادك.
وأصلح قلوب البشر، وانزع منها الحقد والكراهية، واحفظ الأوطان والعباد، وانشر الأمن والسلام في الأرض، فالورود هم الغد، فلا تُؤذوا المستقبل.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم
