الإعلامية هيام أحمد تكتب: «فيروس الحب»

حين تعمى الإرادة ولا تعمى المرآة.

تحذير: فيروس الحب لا يحتاج إلى مخالطة، يكفي أن تسمح لقلبك بالدخول دون أن تأخذ إرادتك معك!

هل الحب عدوى؟ أم أن الإنسان أحيانًا يفقد مناعته أمام من يحب؟

الحب قادر على تغيير ترتيب العالم داخل الإنسان؛ قد يجعله يرى الحياة أجمل، وقد يدفعه إلى التنازل عن أشياء لم يكن يتخيل يومًا التفريط فيها. المشكلة ليست في أن تحب، بل في أن تسمح لمشاعرك بأن تصادر حقك في الاختيار.

قد تصبح روح إنسان آخر محور يومك، وتتحول رغبتك في البقاء معه إلى عجز عن المغادرة، حتى عندما تعرف أن وجوده يؤذيك.

أخطر العلاقات المؤذية ليست التي تُحطّمك دفعة واحدة، بل التي تُقنعك تدريجيًا بأن تتصالح مع الأذى، حتى يصبح انكسارك ثمنًا تقبله كي لا تفقد من تحب.

والمفارقة أن الحب لا يعمي المرآة دائمًا؛ فقد نرى الإهمال والخيانة والظلم بوضوح، لكننا نؤجل الاعتراف، ونبحث عن مبررات تجعلنا نستمر فيما نعرف أنه خطأ.

أحيانًا لا تكون المشكلة أننا لا نرى الحقيقة، بل أننا لا نملك شجاعة التصرف وفقًا لها.

إلى أي مدى يمكن أن يصل الإنسان تحت تأثير الحب؟

رجل يتخلى عن أبنائه من أجل علاقة، وإنسان يسرق أو يخون أو يرتكب جريمة خوفًا من فقدان شخص أو رغبة في استعادته. هل الحب هو الذي فعل ذلك، أم أن الإنسان اتخذ منه مبررًا للتخلي عن ضميره؟

لا يوجد فيروس طبي اسمه الحب، ولا مقياس علمي يحدد نسبة الحب التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب جريمة. لكن التعلق القهري والاعتماد العاطفي والغيرة المرضية واضطراب تنظيم المشاعر قد تجعل الإنسان أسيرًا لانفعالاته، دون أن تسقط مسؤوليته الأخلاقية والقانونية عن أفعاله.

أحيانًا لا نتمسك بالإنسان نفسه، بل بالصورة التي صنعناها له، أو بالخوف مما سيحدث لنا بعد رحيله. فنخلط بين الحب والاحتياج، وبين الوفاء والعجز عن الانفصال.

وهنا يصبح السؤال: هل نخشى فقدان من نحب، أم نخشى مواجهة الحياة من دونه؟

ليس كل من يبحث عن الحب ضعيفًا، ولا كل من يريد الونس أنانيًا. فهناك مراحل في العمر يصبح فيها وجود روح قريبة احتياجًا إنسانيًا عميقًا. هناك من قضى سنوات عمره مسؤولًا عن الآخرين، ثم جاء وقت يتمنى فيه شخصًا يسأله عن يومه، يشاركه صمت المساء، ويشعر بغيابه.

 

الوحدة ثقيلة، والونس ليس رفاهية. من حق الإنسان، مهما بلغ عمره، أن يبحث عن قلب يطمئن إليه، وعن علاقة تمنحه شعورًا بأنه ليس وحده في هذا العالم.

فلماذا نضع أنفسنا أمام اختيار قاسٍ: إما الوحدة وإما التنازل عن ذواتنا؟

نحن نحتاج إلى أناس نتشارك معهم الحياة، لا إلى امتلاك البشر؛ إلى أرواح تتجاور، لا إرادات تتصارع. فالحب لا ينبغي أن يكون ثمنه التخلي عن الأبناء أو الكرامة أو الضمير، ولا أن يصبح وجود شخص في حياتك سببًا في إهمال من لهم حق عليك.

أن تحب إنسانًا لا يعني أن تمنحه مفاتيح ضميرك، أو تسلمه إرادتك.

والوعي العاطفي أن تعرف متى تبقى ومتى ترحل؛ فالمغادرة ليست دائمًا خيانة للحب، بل قد تكون احترامًا للنفس. والتمسك ليس دائمًا وفاءً، فقد يكون خوفًا من الوحدة.

لكن كيف نحمي أنفسنا من هذا الفيروس دون أن نفقد قدرتنا على الحب؟

تبدأ المناعة حين لا نجعل شخصًا واحدًا هو العالم كله؛ حين نعيد اكتشاف حياتنا خارج العلاقة: أنفسنا، وأبناءنا، وأصدقاءنا، وعملنا، وأحلامنا، والأشياء الصغيرة التي نسينا الاستمتاع بها.

أن نتعلم الجلوس مع أنفسنا دون أن نعتبر الصمت عقوبة، وأن نسمح للحزن أن يمر دون أن نبني له بيتًا داخلنا. فالتعافي لا يعني محو شخص من الذاكرة، بل أن نتذكره دون أن تتوقف حياتنا عنده.

ولا نعالج الوحدة بعلاقة جديدة قبل أن نفهمها؛ فالآخر ليس دواءً نستخدمه لترميم جرح قديم، بل إنسان له حقه في الحب والاحترام والاختيار.

 

الحياة تُعاش مرة واحدة. فلا تهدرها منتظرًا أن يمنحك أحد الإذن بالسعادة، ولا تجعل خوفك من الوحدة يدفعك إلى قبول علاقة تنتقص منك.

لسنا بحاجة إلى مناعة ضد الحب، بل إلى وعي يجعلنا نحب دون أن نصبح ضحايا لما نحب.

أحب بقلبك، لكن احتفظ بإرادتك. اقترب دون أن تذوب، وتمسك بمن تحب دون أن تترك يدك من نفسك. اللهم ارزقنا حبًا لا يطفئ أرواحنا، وونسًا لا يسلب حريتنا، وقلوبًا لا تؤذي من تحب، وبصيرةً تحفظنا من أنفسنا حين تضعف إرادتنا، ولا تجعل احتياجنا إلى أحد سببًا في ضياعنا.

اترك رد