الإعلامية هيام أحمد: تكتب «لا ننام»


يصبح الأرق لغةً تتحدث بها القلوب المثقلة.

لا ننام..

وليس لأن الليل طويل، بل لأن ما نحمله في صدورنا أطول من الليل نفسه،نغلق أعيننا فتستيقظ أفكارنا، ونطفئ الأنوار فتضيء في داخلنا أسئلة لا تنتهي. حتى السعيد بيننا لا ينام كاملًا، وحتى المبتسم يحمل في أعماقه غرفةً مغلقة لا يدخلها أحد.

لقد أصبح الإنسان في هذا العصر محاصرًا بكل شيء إلا نفسه.

محاصرًا بالأخبار، والمقارنات، والسرعة، والضجيج، والانتظار، والخوف من الغد، والندم على الأمس، حتى أصبح العقل يعمل ساعات إضافية لا يتقاضى عنها راحة.

لا ننام..

لأننا فقدنا شيئًا من الحقيقة واليقين الذي كان يجعل القلوب أكثر طمأنينة، ولأننا نعيش وسط ملايين البشر بينما يندر من يفهم ما يدور في أعماقنا حقًا.

لقد علّمنا العالم كيف ننجح ونلاحق الإنجازات، لكنه نسي أن يعلمنا كيف نهدأ ونصالح أنفسنا.

ومن هنا بدأت الغربة.

ليست الغربة أن تبتعد عن وطنك، بل أن تشعر أنك غريب وسط الذين يعرفون اسمك

أن تتحدث كثيرًا ولا يسمعك أحد.

أن تضحك أمام الجميع بينما ينهار شيء ما بداخلك في صمت.

أما الوحدة، فلم تعد غياب الناس، بل غياب المعنى. فكثيرون يعيشون في بيوت مزدحمة، تحيط بهم العائلة والأصدقاء، ومع ذلك يشعرون بفراغ لا يراه أحد، وكأن المسافات بين القلوب تتسع رغم كل هذا القرب.

وكلما اتسعت المسافات بين القلوب، ازداد العنف.

فالعنف لا يولد دائمًا من الشر، بل كثيرًا ما يولد من الألم.

إنسان لم يجد رحمة،وطفل لم يجد احتواء،وشاب لم يجد فرصة،وقلب امتلأ بالخذلان حتى فاض غضبًا.

ولهذا أصبح العالم أكثر قسوة.

ليس لأن البشر أصبحوا أسوأ، بل لأن الجراح أصبحت أعمق.

كل إنسان تقريبًا يحمل معركة لا يراها الآخرون،معركة مع الخوف.

أو الفقد،أو الحاجة،أو الظلم..أو الذكريات،أو مع نفسه،ولهذا لا ننام.

نستيقظ في منتصف الليل لنراجع حوارًا انتهى منذ سنوات.

ونخاف من أحداث لم تقع بعد.

ونفتش عن إجابات لأسئلة ربما لن يجيب عنها أحد،،. نحن لا نخاف مما يحدث.. بل مما لا نفهم لماذا يحدث؟ !.كما أننا لا ننام لأننا نخاف من الحروب المتزايدة، ومن كثرة الجرائم التي باتت تقلق النفوس في أنحاء العالم، ونحلم بمستقبل آمن لأطفالنا، مستقبل يعيشون فيه بسلام وطمأنينة بعيدًا عن الخوف والاضطراب.

كأن البشرية كلها تجلس على حافة شيء مجهول،وكأن ما ينقص العالم اليوم ليس التقدم، بل قلبٌ يتسع للإنسان قبل أن يحاكمه.

ولأن الله باقٍ فوق كل ظلم وخوف، وفوق كل ألم، وفوق كل ما يعجز البشر عن فهمه، لم ينطفئ الأمل من الأرض إلى اليوم،ورغم ذلك..

لا تزال في أعماق كل إنسان شعلةٌ صغيرة تقاوم الانطفاء.

هي التي تجعل الأم تستيقظ من أجل أبنائها والعامل يخرج رغم التعب.

والمريض يتمسك بالله و بالغد.

والفقير يصبر على احتياجه منتظرًا فرج الله.

ومن حُرم الحب والحنان يواصل الحياة على أمل أن يجد قلبًا يحتويه.

والمنكسر يحاول مرة أخرى.

وربما لهذا السبب لم يسقط العالم حتى الآن.

لأن رحمة الله أكبر من كل هذا التعب.

يا الله.

نحن الذين أتعبتنا الطرق، وأرهقتنا الأسئلة، وأثقلتنا الحياة بما لا نُظهره لأحد،.إن كانت القلوب قد ضاقت بما فيها، فأنت وحدك وسعُها، وإن كانت الأبواب قد أُغلقت، فأنت الباب الذي لا يُغلق، وإن ضاقت الأرض بأهلها ففي رحمتك متسع لا ينتهي.

يا رب..

لا نسألك حياةً بلا ألم، ولكن نسألك قلبًا لا ينكسر بعيدًا عنك، ونورًا يدلنا عليك كلما أظلمت الطرق.

يا من يعلم ما نخفيه خلف صمتنا، وما نعجز عن قوله حتى لأنفسنا..

أرح أرواحًا طال سهرها، وطمئن قلوبًا أرهقها الانتظار، واجعل لنا من كل ضيق مخرجًا، ومن كل حيرة هداية، ومن كل خوف أمانًا.

فإن نامت أعيننا، فلا تدع أرواحنا تنام بعيدًا عن رحمتك.

فما أكثر الساهرين، وما أقل المطمئنين، فبين وجع الدنيا ورجاء الله….لا ننام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *