الإعلامية هيام أحمد تكتب: «نحن الخوف»

 

أخطر ما حدث للبشر، أنهم أصبحوا يبحثون عن الأمان في عالمٍ صُنِع من البشر، ثم خافوا من البشر.

في زمنٍ أصبح فيه الوصول إلى أي مكان أسهل من الوصول إلى قلب إنسان، تشكلت مفارقة غريبة لم يعرفها البشر بهذا الوضوح من قبل؛ نخاف من الناس، بينما نحن أنفسنا الناس.

لم يعد الخوف يسكن الطرق المظلمة أو الأماكن المهجورة فقط، بل وجد طريقه إلى العلاقات، وإلى الكلمات، وإلى المسافات الخفية بين القلوب. أصبح كثيرون يخشون الخذلان أكثر من الفقد، ويخشون تبدل الوجوه أكثر من تغير الأيام.

الحذر لم يعد سلوكًا عابرًا، بل تحول إلى حالة عامة.

نراجع كلماتنا قبل أن ننطقها، ونخفي بعض مشاعرنا قبل أن نبوح بها، ونبقي مسافات آمنة بيننا وبين الآخرين، وكأن الإنسان الذي خُلق ليأنس بالإنسان، بات يبحث عن الأمان بعيدًا عنه.

لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نخاف من الناس؟

بل: ماذا حدث حتى أصبح الإنسان مصدر قلق للإنسان؟

العالم لم يتغير فجأة، وإنما تراكمت عليه أعباء كثيرة؛ ضغوط اقتصادية، وصراعات لا تنتهي، وخيبات متكررة، ووحدة تتسع رغم ازدحام المدن والبيوت والشاشات.

لهذا أصبح العالم مليئًا بأشخاص يبحثون عن الأمان، بينما يفتقدون القدرة على منحه.

لكن تلك ليست الصورة كاملة.

فوسط كل هذا الضجيج ما زالت هناك أم تسهر حبًا، وأب يرهقه العمر من أجل أسرته، وصديق يبقى حين يغادر الجميع، وغريب يقدم معروفًا دون انتظار مقابل، وأرواح طيبة تذكّرنا كل يوم أن الخير لم يغادر الأرض.

الشر موجود، لكنه ليس كل الحكاية.

لأن الخير بطبيعته هادئ، لا يعلن عن نفسه، بينما القسوة تجيد لفت الانتباه.

 

وربما كان الخطأ الأكبر أن البعض سمح للخوف أن يتحول إلى جدار يفصله عن الحياة. فالقلوب المغلقة لا تنجو من الألم، لكنها تحرم نفسها أيضًا من الحب، والدفء، والطمأنينة، وكل ما يجعل الرحلة الإنسانية أقل قسوة.

فالإنسان لم يُخلق ليعيش وحيدًا، ولم تُخلق الأرواح لتبقى أسيرة الشك إلى الأبد.

ولهذا يبقى الأمل قائمًا مهما اشتدت العواصف.

سيأتي يوم يكتشف فيه البشر أن أعظم ما فقدوه لم يكن المال ولا النفوذ ولا السرعة، بل الشعور بالأمان في وجود إنسان صادق.

وسيعود العالم، ولو ببطء، إلى حقائقه الأولى: أن الرحمة أقوى من القسوة، وأن الصدق أبقى من المصالح، وأن القلوب خُلقت لتلتقي لا لتتصادم.

أما المؤمن بالله فلا يفقد الأمل، لأن الله الذي يبدل الخوف سكينة، ويجبر الكسر بعد انكساره، قادر على أن يعيد إلى القلوب ما فقدته من طمأنينة، وأن يفتح للإنسان أبوابًا من الخير لم يكن يتوقعها.

وربما يكون المستقبل أجمل مما نظن، وربما تحمل الأيام القادمة قدرًا أكبر من الرحمة والمحبة والأمان، فالحياة مهما ضاقت لا تتوقف عند جرح، والإنسان مهما تعثر لا يُحكم عليه بالسقوط.

إن ما نحتاجه اليوم ليس عالمًا بلا أخطاء، بل قلوبًا تتذكر أن الإنسانية ما زالت قادرة على النجاة.

فالحقيقة التي غابت طويلًا هي أن الإنسان لم يكن يومًا عدو الإنسان، بل كان الخوف هو العدو الأكبر.

ومهما اشتدت القسوة، يظل في طيها وعدٌ خفي لا يراه إلا من آمن بالرحمة.

وبعد كل خوفٍ سكينة، وبعد كل عتمةٍ نور، وبعد كل انكسارٍ بداية جديدة يكتبها الله بلطفه ورحمته.

 

فما دام في القلب نبضٌ، فهناك دائمًا صفحة لم تُكتب بعد.

اللهم اجعل في قلوبنا نورًا يبدد الخوف، ورحمةً تعيد الأمان بين الناس، وافتح لنا أبواب مستقبلٍ أجمل مما نتخيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *