الاتفاقية التركية الليبية.. كيف تدير مصر وأنقرة خلافات شرق المتوسط؟

تقرير: سمر صفي الدين

في قاعة مجلس النواب الليبي بمدينة بنغازي، صادق النواب بالإجماع في 20 أكتوبر 2026 على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية عام 2019، في خطوة أعادت ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط إلى واجهة التوترات الإقليمية.

وأثار القرار اعتراضات مصرية وأوروبية، في ظل الخلاف حول آثاره القانونية وانعكاساته على الحقوق البحرية للدول المطلة على المنطقة.

وجاءت المصادقة في وقت شهدت فيه العلاقات المصرية التركية تقاربًا سياسيًا واستراتيجيًا، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة القاهرة وأنقرة على احتواء الخلاف دون التأثير في مسار تطبيع العلاقات بينهما.

وبين المصالح البحرية والتنافس على موارد الطاقة والنفوذ الإقليمي، ظهرت تساؤلات بشأن الخيارات الدبلوماسية والقانونية المتاحة، وإمكانية تجنب عودة العلاقات إلى أجواء القطيعة والتصعيد التي شهدتها سنوات سابقة.

علاء فاروق لـ”اليوم”: الحوار والقانون الدولي مساران لاحتواء الخلاف البحري

خلاف بحري وحسابات استراتيجية

أكد الباحث علاء فاروق، المتخصص في شؤون العلاقات الدولية والمغرب العربي، أن الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا أثارت ارتباكًا في العلاقات المصرية التركية، لكنها لم تصل إلى مستوى يهدد بقطع العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، في ظل حرص القاهرة وأنقرة على احتواء الخلاف عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية.

وفي حديثه لـ”اليوم”، أوضح فاروق أن العلاقات المصرية التركية شهدت، خلال السنوات السبع أو الثماني الماضية، تطورًا متسارعًا أسهم في الانتقال من مرحلة التنافس والنفوذ الإقليمي إلى مسار من التقارب السياسي والاقتصادي والأمني، وصولاً إلى استعادة العلاقات وتوسيع مجالات التعاون والتنسيق المشترك.

وأشار إلى أن هذا التقارب جاء نتيجة جهود مكثفة بذلتها مؤسسات رئيسية في الدولتين، وفي مقدمتها الأجهزة المعنية والوزارتان الخارجيتان، بهدف تجاوز الملفات الخلافية وتقديم المصالح المشتركة على الصدام والتنافس، مع تعزيز التبادل التجاري والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية المعقدة، وفي مقدمتها الملف الليبي.

Image

الاتفاقية تربك العلاقات

على الجانب الآخر، أضاف فاروق أن الاتفاقية البحرية بين تركيا وليبيا أحدثت حالة من الارتباك المفاجئ في العلاقات المصرية التركية، خصوصًا في ضوء الرفض المصري للاتفاقية وما أعقب ذلك من اعتمادها برلمانيًا في ليبيا، إلى جانب ردود الفعل التركية المصاحبة لهذه التطورات.

ولفت إلى أن هذا الارتباك لم يتحول إلى أزمة شاملة، بعدما تعاملت الدولتان مع الخلاف بدرجة من المسؤولية، وحرصتا على احتوائه ومنع امتداده إلى بقية مسارات التعاون، رغم وجود تباينات سابقة بشأن ملفات ليبيا وسوريا وقضايا إقليمية أخرى.

وأكد أن الخلافات السابقة كانت تُعالج سريعًا عبر قنوات الاتصال واللجان المشتركة، دون السماح لها بالتأثير بصورة جوهرية في العلاقات الثنائية أو المصالح الأمنية والاستراتيجية للبلدين.

مساحة بحرية إضافية لمصر

أوضح فاروق أن الجانب التركي بادر إلى اتخاذ خطوات لاحتواء الأزمة ومراعاة التحفظات المصرية، من خلال التصريحات الدبلوماسية وطرح مسارات للحوار والتفاوض، بدلاً من الانزلاق إلى المواجهة أو التصعيد الإعلامي والسياسي.

وأشار إلى أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكد تفهم بلاده للشواغل المصرية، وأبدى الاستعداد للتنسيق ومناقشة نقاط الخلاف عبر الحوار واللجان المختصة، بما يتيح معالجة الاعتراضات المصرية بصورة دبلوماسية.

كما أضاف أن الدعوة التركية إلى عقد اجتماع ثلاثي يضم مصر وتركيا وإيطاليا لبحث التحفظات المصرية بشأن الاتفاقية البحرية مثلت، وفق تقديره، محاولة لفتح مسار تفاوضي يتيح مناقشة الخلافات والحفاظ على العلاقات الثنائية.

وتابع أن وزير الدفاع التركي يشار غولر طرح بدوره استعداد بلاده لتوقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع مصر في شرق المتوسط، مشيرًا إلى أن الجانب التركي تحدث عن إمكانية أن تحقق مثل هذه الاتفاقية مكاسب استراتيجية لمصر، من بينها مساحة بحرية تُقدر بنحو 15 ألف كيلومتر مربع، بما قد ينعكس على مصالحها في استكشاف النفط والغاز.

فيما شدد على أن هذه الطروحات تعكس توجهًا تركيًا نحو احتواء الخلاف والبحث عن تفاهمات مشتركة، لكنه أشار إلى ضرورة التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مبادرات مطروحة، لا اتفاقات نهائية جرى إقرارها بين الطرفين.

موقف مصري ثابت

وفي تفسيره لهذه الخطوة، أكد فاروق أن القاهرة تعاملت مع التحركات التركية بمرونة دبلوماسية، مع تمسكها في الوقت نفسه بموقفها الرافض للاتفاقية البحرية، موضحًا أن التواصل المباشر بين المسؤولين في مصر وتركيا وليبيا أتاح استمرار المشاورات بشأن تداعياتها.

وأشار إلى أن الموقف المصري استند إلى بيانات رسمية واتصالات دبلوماسية، شملت تجديد وزير الخارجية المصري رفض الاتفاقية وإبلاغ نظيره التركي بالموقف المصري، إلى جانب نقل رسالة من الرئيس المصري إلى نظيره التركي رجب طيب أردوغان بشأن استمرار الرفض القاطع لها.

وأوضح أن التمسك المصري بهذا الموقف لا يعني إغلاق أبواب التفاوض، بل يعكس رغبة القاهرة في حماية مصالحها البحرية والقانونية، مع الاستمرار في دراسة المقترحات المطروحة وتقييم آثارها على حقوقها في شرق المتوسط.

وأضاف أن المسار القانوني يمثل أحد الخيارات التي تعمل مصر على دراستها، من خلال إعداد ملف متكامل يستند إلى خبراء القانون الدولي والخرائط والأدلة الفنية، لتحديد الآثار المحتملة للاتفاقية على المصالح المصرية.

ولفت إلى أن اللجوء إلى المؤسسات الدولية أو اتخاذ إجراءات قانونية يظل خيارًا مطروحًا إذا لم تنجح المفاوضات في معالجة الخلاف، مؤكدًا أن أي تحرك من هذا النوع يستلزم دراسة قانونية دقيقة وتحديد المسار والإجراءات المناسبة وفقًا للقانون الدولي.

لا قطيعة بين القاهرة وأنقرة

على صعيد متصل، رأى فاروق أن الخلاف الحالي أعاد إلى الأذهان مرحلة القطيعة والتوتر الإعلامي التي مرت بها العلاقات المصرية التركية في سنوات سابقة، محذرًا من استغلال الأزمة لإثارة الانقسامات أو تأجيج الخلافات بين الشعبين.

واعتبر أن التضحية بالعلاقات الاستراتيجية التي أعيد بناؤها عبر سنوات من الجهود الدبلوماسية والمؤسسية ليست نتيجة حتمية للخلاف بشأن الاتفاقية، حتى مع إدراك أهمية الأبعاد القانونية والاستراتيجية المرتبطة بها.

فيما رجح فاروق أن تشهد العلاقات قدرًا من التوتر أو الجمود النسبي إذا استمرت الخلافات، لكنه استبعد وصولها إلى القطيعة، في ظل حرص الجانبين على حماية مصالحهما المشتركة ومواصلة التنسيق وسط الأزمات الإقليمية المتلاحقة.

كما شدد على أن التفاوض والتهدئة واللجان الفنية والاحتكام إلى القانون الدولي تمثل مسارات يمكن من خلالها إدارة الخلاف، بدلاً من التصعيد أو تبادل الاتهامات، بما يحافظ على فرص التفاهم بين القاهرة وأنقرة.

وأكد أهمية مسؤولية الخطاب الإعلامي في مصر وتركيا وليبيا، داعيًا إلى تجنب الإساءة إلى الدول والشعوب أو استخدام الخلاف البحري لتقويض العلاقات التاريخية والاستراتيجية بينها، مشيرًا إلى أن معالجة النزاعات عبر المسارات القانونية والدبلوماسية تظل أكثر اتساقًا مع حماية المصالح الوطنية ومنع اتساع الأزمة.

 

اترك رد