تقرير مروة محي الدين
سياسة النفس الطويل، كانت النهج الذي سارت عليه تركيا في آسيا الوسطى والقوقاز، في بناء قومية تركية موحدة، تمدد نفوذها في آسيا الوسطى، وبخطوات محسوبة متمهلة- كما عرضنا في الحلقة السابقة- باتت تهدد نفوذ دول كبرى، وتحالفات قوية، كانت المنطقة موطن نفوذها وقوتها، عبر محاولتها تغيير التوازنات الجيوسياسية.
القومية التركية… إستراتيجية متنامية لبسط نفوذ أنقرة على آسيا الوسطى
في هذه الحلقة، نستعرض مخاوف الدول الكبرى والتحالفات، التي تهددها تلك القومية الآخذة في التمدد، وردود أفعالها حيال ذلك:
روسيا
لما كانت موسكو القوة المهيمنة تقليدياً في المنطقة المعنية، التي تعد ساحتها الخلفية، أضحى التمدد التركي يعني تآكل النفوذ الروسي، إذ يهدد بتفكيك شبكة التحالفات الأمنية الروسية، مثل: منظمة معاهدة الأمن الجماعي- CSTO.
وعلى جانب آخر، تقلل التحالفات التركية العسكرية- في مجال توريد المسيرات- اعتماد دول التحالف التركي على الأسلحة الروسية، ما يمثل تهديدا مباشرًا لمصالح موسكو؛ كما يقلص ممر زانجيزور هيمنة روسيا على طرق النقل، بين أوروبا وآسيا.
ولم يكن طبيعيًا أمام تلك التهديدات المتنامية، أن تقف روسيا صامتة مكتوفة الأيدي، لكن تحركها حيال ذلك التحالف جاء تكتيكيا محسوبًا، فوق تصريحات الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي- لموقع اليوم: “لا تستطيع روسيا مواجهة تركيا مباشرة في هذه المنطقة، في الوقت الحالي، بسبب ضعفها النسبي، بعد الحرب في أوكرانيا والعقوبات التي وقعت عليها، ومن هنا كانت إستراتيجيتها هي الاحتواء والاختراق من الداخل، إذ تستخدم نفوذها التقليدي في أجهزة الأمن- KGB سابقاً، والنخب الحاكمة في هذه الدول، لإبطاء وتيرة التكامل التركي، وإفشال بعض المشروعات الحيوية، مثل: ممر زانجيزور”.
الصين
تمتلك الصين مصالح كبرى في آسيا الوسطى، إذ أنها ذات أهمية قصوى للأمن القومي الصيني، لا سيما في منطقة شينجيانج- تركستان الشرقية- ومشروع مبادرة الحزام والطريق- BRI؛ حيث تخشى بكين من تغذية الشعور القومي التركي بين الأيجور في شينجيانج، الذين يتحدثون لغة تركية.
وفي ذات السياق تخشى التوسع الاقتصادي التركي، وتطوير طرق نقل جديدة، بما ينافس مشروعات البنية التحتية، التي تمولها الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق.
وفي هذا الصدد، يقول “الألفي”: “أجرت الصين حسابات دقيقة، حيث يحتمل أن يعطل التحالف التركي مشروع الحزام والطريق، وعلى جانب آخر هي في حاجة لتركيا باعتبارها شريكًا تجاريًا؛ فكان تعميق وجودها الاقتصادي بآسيا الصغرى، لموازنة النفوذ التركي، ومضاعفة قمعها لأي إشارة للقومية التركية بين الأيجور، في شينجيانج”.
إيران
بدورها، كانت إيران من أكثر الدول تأثرًا بالتمدد التركي في القوقاز، إذ يمثل- وفقًا لحساباتها، تهديدًا لأمنها القومي، ومن هذا المنطلق تعارض إنشاء ممر زانجيزور، الذي تراه خطراً يهدد حدودها الشمالية مع أرمينيا، ويقطع اتصالها البري معها ومع وأوروبا.
وعلى غرار التخوف الصيني، كان التخوف الإيراني، من تأجيج المشاعر القومية لدى الأقلية الأذربيجانية الكبيرة لديها، لا سيما مع تعاظم النفوذ التركي- الأذربيجاني.
ومن هنا، كان رد فعلها أقوى من باقي الدول، فحسب “الألفي”: “إيران هي الدولة الأكثر تضرراً واستعداداً للمواجهة، فتعزز تحالفها الإستراتيجي مع أرمينيا، لعرقلة ممر زانجيزور، وتجري مناورات عسكرية قرب حدود أذربيجان، وأخيرًا لجأت للبعد المذهبي، فتحرض الشيعة في أذربيجان ضد الحكومة العلمانية الموالية لتركيا”.
الاتحاد الأوروبي
تواصل تركيا مساعيها لمد نفوذها في آسيا الوسطى، في وقت توتر علاقاتها بأوروبا، ومن ثم شكل هذا التمدد- خارج حدود الناتو- تحدياً للاستقرار في مناطق الجوار الأوروبي؛ كما أنها لا تحبذ سيطرة تركيا على ممرات الطاقة الجديدة، على الرغم من اهتمامها بتنويع مصادر الطاقة بعيداً عن روسيا.
كذلك يقلل التوسع التركي المنفرد من قدرة أوروبا على التأثير في سياسات أنقرة، على الرغم من أن دول الاتحاد الأوروبي تنظر لتركيا باعتبارها شريكاً أمنياً مهماً، في مكافحة الإرهاب والسيطرة على تدفقات الهجرة.
وفي النهاية وقفت أوروبا في دور المراقب غير الفاعل، إزاء التحرك التركي، فحسب تصريحات “الألفي”: “يتناقض رد فعل الولايات المتحدة مع أوروبا، في هذا الشأن، فبينما يقلق صعود تركيا القوية المستقلة الاتحاد الأوروبي، يعجز عن تقديم بديل جذاب لدول آسيا الوسطى، مما يجعله طرفاً مراقباً أكثر منه فاعلاً؛ فيما تشجع الولايات المتحدة النفوذ التركي، إذ ترى فيه بديلًا عن النفوذ الروسي والصيني في آسيا الوسطى، خاصة في مجالات الطاقة والأمن”.
وأضاف عن عوامل نجاح المشروع التركي، فقال: إنه يعتمد على ثلاثة عوامل، هي : قدرة تركيا على الاستمرار في تمويل، وتقوية هذه المشاريع اقتصادياً؛ والحفاظ على استقرار دول آسيا الوسطى، وعدم عودتها إلى الحضن الروسي؛ وإدارة اللعبة الدبلوماسية المعقدة مع جميع الأقطاب، دون الدخول في صراع مفتوح؛ وحال نجاحها، فإنها ستؤسس قطباً تركياً قوياً، يكون أحد اللاعبين الرئيسيين في النظام العالمي متعدد الأقطاب القادم، ما يعيد تركيا إلى الواجهة باعتبارها قوة مركزية على مسرح التاريخ”.
ومن هنا يكون على تركيا جهدًا مضاعفا، في كسب تأييد حلفائها، وتعميق أواصر التعاون معهم، بينما تضع نصب أعينها هدفها، المتمثل في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية، لمنطقة شاسعة كانت لقرون تحت الهيمنة الروسية ثم الصينية
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم