
تقرير: مروة محي الدين
مع تفاقم الأوضاع الكارثية للمجاعة في غزة، في ظل منع الاحتلال دخول المساعدات للقطاع وإطباق الحصار على القطاع، منذ أكثر منذ حوالي 130 يومًا، حتى استشهد أكثر من 100 شخص في غزة بسبب الجوع- حسب تصريح المفوض العام للأونروا، وقد أكد برنامج الأغذية العالمي على أن أزمة الجوع بلغت مستويات صادمة، حيث يحتاج 90 ألف امرأة وطفل بالقطاع إلى علاج من سوء التغذية.
مدير الإغاثة: 60 ألف حامل في غزة بلا دواء ولا غذاء ولا حليب أطفال#الجزيرة #الأخبار pic.twitter.com/saGla8QBk7
— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) July 30, 2025
الحديث عن سوء التغذية الذي أصاب المرأة والطفل، يذكر بحال 50- 60 ألف امرأة حامل في غزة، وحالهن وأجنتهن الذي يجب أن يوقظ كل ضمير، طارحًا التساؤل عن مظلة الحماية التي يجب أن تظلهن، فإن كان الاحتلال لا يجد قوة تردعه عن جرائمه، فهل يمكن أن تكون القوانين والمواثيق الدولية غافلة عن حال تلك المسكينات؟ وأين القانون الدولي من أحوالهن المزرية؟
أجاب الدكتور “مجيد بودن”- المحامي المختص بالقانون الدولي ورئيس جمعية المحامين العرب في باريس- على تلك التساؤلات، فقال: “القانون الدولي موجود لكن المشكلة في التطبيق، حيث يمنع القانون الدولي في جميع مبادئه واتفاقياته استهداف المدنيين دون تمييز، ويخص بدرجة كبيرة حماية المرأة الحامل أثناء الحرب، مثلما يعامل الجرحى والمرضى والمعاقين”.
وأضاف: “المرأة الحامل لها حماية خاصة، لعدة أسباب: أولا لأنها امرأة فهي أضعف جسديا من الرجال، وثانيا لأنها في حالة ضعف وتحمل في أحشائها جنينًا وبالتالي تحمل حياة أخرى، ما يعظم من جريمة استهدافها، فالتعدي عليها يكون تعدٍ مضاعف وبشكل أبشع، فتكون المسؤولية عن ذلك أكبر، لاسيما وأن ذلك يثبت نية الإضرار العمدي، ومن هنا يجرم القانون الدولي التعدي عليهن ويمنعه، وتلك هي الحماية التي يوفرها لهن، وليس في العقاب على جريمة التعدي على المرأة الحامل استثناء أو تخفي”.
جرائم مسلسلة

كفلت اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية الحقوق المدنية وقت الحرب، الحماية للمرأة الحامل في أوقات الحرب، إذ تساوي في المادة (16) منها بين الحامل والجريح والمريض والعاجز، وكفلت لهم نفس نوع الحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، حيث تنص على: أنه “یكون الجرحى والمرضى وكذلك العجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين”.
وفي ذلك يقول “بودن”: “في غزة، نرى أن حماية القانون الدولي بما فيه اتفاقية جنيف الرابعة، الذي يوفر حماية خاصة للحامل مثل الجريح والمعاق تم خرقها، ولم يتم احترامها على الرغم من أنها واجبة، وتقع على عاتق الجميع بدءا من الجندي على الأرض وحتى القيادات العسكرية العليا، التي تخطط للعدوان العسكري، والتي تعطي الأوامر للجنود، والتي تراقب آداء الجنود، وكل من يساهم في الاعتداء مهما كانت رتبته، فتكون جميع القيادات مسؤولة وتعاقب وفقا للقانون الدولي”
وأضاف: “على أرض الواقع، لم نر حماية النساء الحوامل، وثمة عديد من الاعتداءات تحصى بالآلاف عليهن، ولكن بتوثيق هذه الجرائم، يمكن أن يتم الكشف عن تلك الجرائم، لتولى المحكمة الجنائية الدولية المختصة بتلك الجرائم محاكمة مرتكبيها ومعاقبتهم، وحتى إن لم تقع المحاكمة الآن فستقع بعد ذلك، وإن تصدت العراقيل للمحكمة الدولية، فهناك محاكم في دول آخرى، وعلى سبيل المثال: تلاحق المحاكم الفرنسية الجنود الإسرائيليين الذين يحملون الجنسية الفرنسية وثبت تورطهم بالإبادة في غزة وفلسطين، وبالمثل في عدد من الدول الأخرى، ومن هنا تبقى الملاحقة قائمة طالما بقي توثيق الجرائم وتم تقديمها للمحاكم المختصة”.
حرمان الحامل المستشفى

كفلت اتفاقية جنيف للحوامل والمرضى والجرحى توفير المشافي، التي تمثل موقع حماية لهن، فتقول المادة (14) منها: “لأطراف النزاع بعد نشوب الأعمال العدائیة أن تنشئ في أراضیھا، أو في الأراضي المحتلة إذا دعت الحاجة، مناطق ومواقع استشفاء وأمان، منظمة بكیفیة تسمح بحمایة الجرحى والمرضى والعجزة والمسنین والأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، والحوامل وأمھات الأطفال دون السابعة؛ والدول الحامیة واللجنة الدولیة للصلیب الأحمر، مدعوة إلى تقدیم مساعیھا الحمیدة، لتسھیل إنشاء مناطق ومواقع الاستشفاء والأمان والاعتراف بھا”.
وهو ما لم تره المرأة الحامل بغزة، حيث هاجم الاحتلال المستشفيات الموجودة في القطاع، ودمر أكثر من 70% منها- حسب تقارير سابقة لجريدة وموقع (اليوم)، وفي تقرير سابق تحدث الدكتور “أحمد الفرا”- رئيس قسم الأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي في خانيونس- عن توفير الرعاية الطبية للمرأة الحامل في مستشفيات القطاع، فقال: “تحول الحرب دون وصول الحبلى إلى مركز رعاية صحية أولي أو مستشفى بسبب صعوبة المواصلات، وإن تمكنت من الوصول، يستهلك منها هذا المشوار الكثير من الطاقة، لأنها تمضي فيه سيرًا على الأقدام”.
وكذلك هاجمت قوات الاحتلال البنية التحتية للمستشفيات ودمرتها، ومن ثم قيدت استفادة النساء من مرافق الرعاية الصحية العاملة، والأدوية وغيرها من السلع الضرورية لصحتهن أثناء الحمل وبعده.
وقد علق “بودن” على ذلك، قائلًا: “تدمير المستشفيات هو أحد مكونات جريمة الاعتداء المدنيين لاسيما المرأة الحامل، لأن ذلك يمنع عنهم خدمات الإسعاف والعلاج، فيكون مكون من مكونات الجريمة، والقانون الدولي يعاقب على الجرائم بجميع مكوناتها، بما في ذلك قصف المستشفيات وتدمير البنية التحتية الأساسية لمرافق العلاج، وهو أيضًا في حد ذاته جريمة حرب”.
مجاعة الحامل في القانون

طبقا للمادة (23) من اتفاقية جنيف الرابعة، تلتزم إسرائيل باعتبارها كيان احتلال لغزة، بكفالة حق مرور المساعدات الطبية والدوائية ومستلزماتها ومهماتها، وكذلك المساعدات الغذائية والمياة والوقود وغيرها، للسكان المدنيين من النساء الحوامل والنفساء والأطفال.
حيث تنص المادة على: أن “على كل طرف من الأطراف السامیة المتعاقدة: أن یكفل حریة مرور جمیع رسالات الأدویة والمھمات الطبیة، ومستلزمات العبادة المرسلة حصراً إلى سكان طرف متعاقد آخر المدنیین، حتى لو كان خصماً، وعلیه كذلك الترخیص بحریة مرور أي رسالات من الأغذیة الضروریة، والملابس، والمقویات المخصصة للأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، والنساء الحوامل أو النفساء”.
وكان سلوك الاحتلال عكس نص الاتفاقية، فقد فرض حصارًا منع فيه شربة الماء النظيف والطعام ولقمة الخبز وأدوات النظافة عن القطاع عن القطاع، ومن ثم حرمت الحامل من والرعاية الطبية، التغذية السليمة وفرض عليها الجوع، فيكون مصيرها إما فقدان حملها أو ولادة طفل مشوه أو خداج- حسب “الفرا” في تقارير سابقة بجريدة اليوم.
وفي ذلك يقول “بودن”: إنه “منع إسرائيل دخول المساعدات الغذائية والطبية لغزة يحرم الحامل من الرعاية الطبية، والتغذية السليمة لاسيما تغذية الطفل في رحم أمه، يدخل في باب التجويع المبرمج والممنهج، الذي يمثل أحد أخطر جرائم الحرب، يتم فيها القتل بشكل عمدي وثابت ولكن تدريجي وبطئ، فتكون أركان الجريمة متوفرة بوجود مخطط للقتل العمد، حيث يعني منع الغذاء الموت الحتمي، وهي جريمة تستهدف المرأة الحامل بشكل خاص لتقتل الأم وجنينها، ويعاقب عليها القانون الدولي”.
ولفت إلى: أن “القانون الدولي يملك إمكانية إجبار إسرائيل على التخلي عن هذه الممارسات، وذلك من خلال قرارات محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، وذلك يتطلب من الدول تحرك لرفع قضايا بجرائم الاحتلال أمام تلك المحاكم، مطالبين إياها بإصدار قراراتها لمنع الاحتلال من مواصلة جرائمه.
وفي حالة استهداف المرأة الحامل بالتجويع، نجد ذلك يمثل خطرًا داهمًا لا يمكن تعويضه ماليًا، لأنه استهداف صريح للحياة، وهي ما لا يقابلها ثمن، وضررا لا يمكن تعويضه، ومن هنا يعطي القانون الدولي المحاكم الحق في إصدار قرارات تمنع الاحتلال من مواصلة تلك الجرائم، وبإمكانها توقيع عقوبات على الدول والأفراد، ووضع شروط وإجراءات تتخذ ضدها”.
الإجلاء الطبي

في غزة، فرض الاحتلال حصارا غاشما على القطاع، شمل منع النساء الحوامل، اللاتي يحتجن للرعاية الطبية في الخارج من مغادرة غزة بأمان، فاقتصر طلب الإجلاء الطبي للنساء الحوامل على الحالات الحرجة، مثل: تلك المصابة بتسمم الحمل أو صاحبات التاريخ المرضي مثل السرطان أو الأمراض المناعية، وفي تقرير “لهيومن رايتس ووتش” في أواخر يناير 2025، عن انتهاكات حقوق الحوامل خلال العدوان الإسرائيلي في غزة، بعنوان “خمسة أطفال في حاضنة واحدة”، كانت الحالة الوحيدة التي تمكنت المنظمة من إجلائها من غزة أثناء الحمل، هي حالة شقيقة الدكتور “أبو سمرة”، بسبب تاريخها المرضي المرضي حيث كانت قد نجت من سرطان البلعوم الأنفي.
وفي انتهاك آخر، فرضت قوات الاحتلال التهجير القسري على سكان القطاع، ما أوقع أضرار بالغة على الحوامل، وذلك بينما نصت المادة (21) من الاتفاقية على أنه: “یجب احترام وحمایة عملیات نقل الجرحى والمرضى المدنیین والعجزة والنساء النفساء ، التي تجري في البر بواسطة قوافل المركبات وقطارات المستشفى، أو في البحر بواسطة سفن مخصصة لھذا النقل، وذلك على قدم المساواة مع المستشفیات المشار إلیھا في المادة 18، وتمیز، بترخیص من الدولة، بوضع الشارة الممیزة المنصوص عنھا في المادة (38) من الاتفاقیة”.
وعن رؤية القانون الدولي لذلك، يقول “بودن”: “منع الإجلاء الطبي أو عرقلته، وإجبار النساء الحوامل على النزوح من منطقة إلى أخرى في غزة، تسبب في أضرار بالغة لحقت بهن، وهي جريمة حرب وخرق خطير للقانون الدولي، حيث يعرض ذلك حياتهن وحياة أجنتهن للخطر”.
وعلى الرغم من، عدم وجود إحصاءات ثابتة بعدد حالات النساء الحوامل التي تعرضت للخطر بسبب العدوان الإسرائيلي، أو الأجنة التي قتلها ذلك العدوان، الثابت من سجلات النظام الصحي وشهادات العاملين به: أن هناك آلاف الحالات أصيبت فيها نساء حوامل أو قتلت أو فقدن أجنتهن، دون أن يجد الاحتلال رادعا لأفعاله أو قرارًا يحجم تغوله.
وفي هذا الصدد، قال المحامي المختص بالقانون الدول: “القانون الدولي يمنح الحماية للأطراف الضعيفة في المجتمعات وفي أوقات الصراع، من المدنيين والأطفال والنساء لاسيما الحوامل، وكذلك يعطي وسائل تطبيق تلك الحماية، وكون إسرائيل ضربت عرض الحائط بالقانون الدولي، لا يعني ذلك فقدانه صلاحيته أو أنه غير مجدي، فعلى العكس من ذلك هو الضمان الوحيد والدواء الوحيد الموجود، وعدم تطبيقه خرقًا كبيرًا، وتطبيقه مهم، والمحاكم الدولية تختص بفرض تطبيقه على الدول والأشخاص”.
واختتم تصريحاته قائلًا: “الجرائم ضد النساء الحوامل جريمة حرب دون شك في القانون الدولي، وحين تكون تلك الجرائم على مستوى واسع مثلما شاهده العالم وأثبتته الوقائع في غزة، يكون استهداف الأم وجنينها، ومن ثم استهداف الحياة وفرصها، أحد المكونات الأساسية لجريمة الإبادة الجماعية كاملة الأركان”…
إقرأ أيضًا:
- المجاعة في غزة… أجساد تتحلل حية من الجوع والألم
- في المجاعة… المرأة المعجزة من تصل الولادة
- تشوه الأجنة بغزة… مقذوفات الاحتلال تقتل المستقبل ببطء




