حوار: مروة محي الدين
تاريخ من الصراعات المحتدمة بين الظل والعلن، ملأت التاريخ الإيراني، لم تكن فيها ضحية مثلما لم تكن جلادًا، إنما كانت مناورًا شرسًا، تحدث عنه الأستاذ “أسامة حمدي”- الباحث المتخصص في الشأن الإيران- في الحلقة السابقة من حواره الخاص لجريدة وموقع اليوم، ويكمل في هذه الحلقة أثر تلك الصراعات الماضية والحاضرة على الوضع الحالي لطهران.

الوضع الذي فرض تساؤلات عدة، وسط مناوشات تتجدد كل يوم بينها وخصومها، حول: ما موقف نهج تصفير المشكلات الذي كانت تتبعه؟ وكيف ستتموضع إيران داخل المنطقة؟ وإلى أين ستؤول معادلات الأمن الإقليمي بالمنطقة؟ وهل من مظلة بديلة تساعدها في الالتفاف على العقوبات حال استمرارها؟ لا سيما مع صمودها الذي أذهل عدوها نفسه خلال الحرب الأخيرة.
باحث بالشأن الإيراني يوضح لليوم أسباب تداعي دبلوماسية حسن الجوار بالمنطقة
أين تصفير المشكلات؟
منذ ما يربو على عقد من الزمان سعت إيران لتصفير مشكلاتها مع دول الجوار، ومن أجل ذلك راحت تعقد اتفاقيات التعاون الأمني والاقتصادي مع جاراتها من المملكة العربية السعودية للعراق، ومن باكستان لروسيا، بخلاف مد بعض جسور التعاون مع دول عربية أخرى كما وضح “حمدي” في الحلقة السابقة من الحوار، لكن الحرب الأخيرة حملت رياح عاتية، سألناه: إن كانت قد اقتلعت أوتاد تلك الاتفاقيات لتقوض دعائم تصفير المشكلات؟
أجاب بشكل قاطع: بالطبع فعلت، فالحرب كانت أول اختبار حقيقي لتلك الاتفاقيات، حيث ظهر جليًا أنها لم تكن مبنية على ثقة كاملة وحسن نوايا، كالذي يبنى عليه أي اتفاق دولي، يرتضيه طرفاه ويلتزمان به، بل تخللت تلك الاتفاقات الريبة والشك المتبادل، ومنها أضحى كل طرف يترقب فعل الآخر طول الوقت ويحذره، وكل منها ملتزم بمشروعه الخاص، حيث تلتزم دول الخليج بولائها الأمريكي، فيما تلتزم طهران بمشروعها بدعم أذرعها في المنطقة، وتنفيذ أهدافها بأن تصبح قوة إقليمية ذات نفوذ في المنطقة، وتسعى لإنهاء الوجود الأمريكي والإسرائيلي منه.
أمن المنطقة في الميزان| مستقبل تصفير المشكلات الإيرانية بعد ضربات دول الجوار
رأب الصدع
انهيار مساعي تصفير المشكلات يحمل عواقب وخيمة على أمن المنطقة، ويوسع التصدعات داخلها، ما يضع علامات استفهام حول مستقبل هذا الوضع المعقد ومحاولات تسويته أو حلحلته على الأقل، ليثور التساؤل: كيف سيتحول خطاب إصلاح ذات البين الذي تروج له إيران لخطوات عملية؟
وقد أجاب “حمدي” عليه، فقال: أعتقد أن ذلك الخطاب سيتحول لعقد اتفاق أمني جديد بين طهران ودول الخليج، تكون السعودية هي القائمة عليه، أو على الأقل ستمثل الصوت الخليجي البارز فيه، ويستثنى منه بعض الأصوات الناشزة مثل: الإمارات، وبالطبع سيتم ذلك برعاية باكستانية وتركية وصينية، حيث لا ترغب تلك الدول في استمرار الحرب، لا سيما إسلام أباد الاسلام التي لا ترغب في استمرارها، لعدم رغبتها في الدخول في مواجهة مع طهران، ذلك أن هناك اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، وتطور الأمور قد يفرض عليها الدخول في تلك المواجهة، وهي التي لا ترى في إيران عدو، ولن تغير العقيدة الدفاعية لجيشها كي تدعم الرياض، لذا ستسعى لإصلاح ذات البين، ورأب الصدع الذي سببته الحرب.
يعزز هذا الطرح، أن جميع الأطراف أضحت تتفهم أن الوجود الأمريكي هو سبب الأذى، وأن القواعد الأمريكية أضحت عبء على دول الخليج، كما لا تحفظ أمن ولا استقرار، بل بالعكس تركت الخليج يواجه مصيره أمام الضربات الإيرانية، حيث ثبت أن استهداف إيران لها هو أسهل ما يكون، باستخدام صواريخ ومسيرات رخيصة الثمن، ولم يفكر الطرف الأمريكي إلا في حماية أمن إسرائيل.
معادلات الأمن الإقليمي
مع تغير النظرة للقواعد الأمريكية ودورها في المنطقة، تغيرت معادلات الأمن الإقليمي فيها، لتعضد الرؤية التي روجت لها إيران، بأن دول المنطقة يجب أن تحمي نفسها بنفسها، فكان السؤال: هل يعزز مبدأ الأمن الإقليمي الذاتي في المنطقة الاتفاق مع طهران؟
وقال “حمدي” في ذلك التساؤل: فعليا روجت إيران لمبدأ الأمن الإقليمي، الذي يعني لها إدارة الدول لأمنها من داخلها، فلا يوجد أمن من خارج الإقليم، فهي لا ترغب في استيراد الأمن سواء لهم أولأعدائهم، حتى أنها قبيل الحرب الأخيرة رفضت عرضا روسيا لنشر منظومات دفاع جوي روسية في جميع أنحائها، بصواريخ روسية نووية متكاملة لحمايتها، لأن المقابل كان أن توقع مع موسكو اتفاقية أمنية تماثل اتفاقية الأخيرة مع بيلاروسيا، أي تكون تابعة أمنية لها، وقد رد “علي خامنئي ولاريجاني” برفض رهن أمن بلاده بالأمن الروسي، وما يحمله ذلك من مطامع روسية محتملة في البلاد، قد تصل لرفضها مغادرتها، فيصبح الأمر احتلالا مفروضا عليها أو ما يشبه القواعد العسكرية الموجودة في الخليج، فيستطيعون التحكم في القرار الإيراني.
وبالتالي فطهران ترفض رهن أمنها بأحد، حيث تؤمن بالاعتماد على قدراتها الذاتية وإن كانت أقل كفاءة، وكذلك الأمر على المستوى الإقليمي، حيث يحفظ الأمن بالتشارك بين الدول، وليس بالاستيراد وتدخل الأطراف الخارجية. وعلى الرغم من أن دول الخليج قد لا تتبنى السردية الايرانية لكنها اقتنعت أن القواعد الأمريكية غير مجدية على أرضها، بل على العكس ورطتها في صراعها.
كما يبدو الطرف الأمريكي مقتنعا أن تلك القواعد أضحت تمثل عبئًا عليه لاسيما من الجانب الاقتصادي، كما يسهل استهدافها والقوات الموجودة فيها، ويمثل بعد المسافة عبئًا آخر لا يعالجه إرسال حاملات الطائرات، التي تستغرق أيام طويلة قد تصل لشهور لتصل لها، وعلى جانب آخر تبقى قوات قوامها حوالي 30- 40 ألف جنديًا تحت رحمة الأذرع الإيرانية والجيش الإيراني، ويمكن أن تتعرض للأسر حال اقتحام الأراضي العربية التي تضمها، وذلك بخلاف سهولة استهدافها بالمسيرات والصواريخ، فليس ثمة منظومة دفاع جوي قادرة على حماية السماء بنسبة 100%.
القوة الدولية الرابعة
الحرب التي غيرت معادلات الأمن الإقليمي انسحب أثرها على مراكز القوى والنفوذ في المنطقة، حيث غيرت ثقل وجود بعض القوى الدولية، مثلما غيرت النظرة لبعض الدول، لتجعل منها مركزًا للثقل والنفوذ، وعليه كان السؤال: ماذا غيرت الحرب الأخيرة في موقع إيران بين مراكز النفوذ بالمنطقة؟
تعليقًا على ذلك الطرح، أكد “حمدي”: أن مراكز القوى في الشرق الأوسط كله ستتغير، نتيجة لتلك الحرب، وتحديدًا سيظهر ذلك في ورقة مضيق هرمز، التي تمسك بها إيران، بما يمكنها من التحكم في أسواق الطاقة العالمية وأسعار النفط والغاز، كما تتحكم في صادرات النفط الخليجي كله والغاز، وفي استيراد الخليج السلع من آسيا وأوروبا؛ ومن ثم تبرز طهران باعتبارها قوة إقليمية أكبر في الإقليم، حتى أن بعض الخبراء لا سيما في وسائل إعلام أجنبية يتحدثون عن أنها ستصبح قوة دولية رابعة، بجانب روسيا والولايات المتحدة والصين.
وعلى الرغم من أن هذا التقدير ينطوي على بعض المبالغة، أرى أنها ستصبح قوة تحت العالمية وفوق الإقليمية، بفعل ورقة مضيق هرمز التي تمسك بها، وحال نجحت في استكمال السيطرة عليه، وفرض رسوم العبور فيه، ستسعى كل الدول لتوطيد علاقتها معها، بما في ذلك الدول الأوروبية والأسيوية، بالإضافة إلى أذرعها الممتدة في الإقليم في أربع عواصم عربية، وإذا ما نشب أي صراع مع أذرعها بالمنطقة، مثل: حماس أو حزب الله، ستسعى جميع الدول لإرضائها، لأنها تملك ورقة معاقبة أي دولة بسيطرتها على المضيق، كما ستزيد مكانتها في العالم الإسلامي، حيث لديها نظرية تقول أنها يمكن أن تكون محور العالم الإسلامي، ولعل ذلك ما يدفعها للاستمرار في الدفاع عن القضايا الإسلامية وفي القلب منها قضية القدس.
وقد رسخت الحرب الأخيرة نفوذ إيران في العالم الإسلامي، باعتبارها دولة قادرة على التصدي للهيمنة الأمريكية، ومحاربة الاستكبار العالمي، ودعم جماعات المقاومة ضد إسرائيل.
الالتفاف على العقوبات
رفضت إيران قبيل الحرب الخضوع لموسكو ودخلت معها في اتفاقيات جزئية، ودخلت في اتفاقات أخرى مع إسلام أباد، فكان السؤال “لحمدي”: هل توفر تلكما الدولتان مظلة بديلة لطهران للهروب من الضغط الدولي والعقوبات؟
وفي ذلك قال: باكستان تعيش أزمة اقتصادية، وقد حصلت على دعم مادي من المملكة العربية السعودية مقابل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، وكذلك روسيا التي تقتصر علاقتها بها على التسليح، أما العلاقات التجارية فهي تورد للسوق العالمي نفس السلعة الإيرانية، وهي البترول والغاز، وعليه فكلتاهما متنافستان في السوق العالمية؛ وعلى الرغم من أن الاتفاقات التجارية مع تلك البلاد قد تساهم في تخفيف جزئي لحدة العقوبات، لكن ذلك لا يغنى عن عن الدول الأخرى التي تمثل الأسواق الأولى لإيران، مثل: العراق والسعودية والإمارات، كما تستحوذ الصين على 90% من صادرات النفط الإيراني.
وهذه هي الأسواق التي تستمر إيران في الاعتماد عليها طالما استمرت العقوبات، أما حال تم التوصل لاتفاق برفع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، سيحدث ذلك انتعاشة اقتصادية ضخمة لطهران، تحل كل مشكلاتها الاقتصادية تقريبًا، حيث لديها تريليونات الدولارات من الأموال المجمدة، وبدون ذلك تستمر في سياسة الهروب من العقوبات، عبر أسطول الظل وتهريب النفط والغاز، بالإضافة إلى أنها تشترك مع 9 دول في الحدود البرية، وعليه ستستمر في إقامة علاقات تجارية واتفاقيات تبادل تجاري معها بالمخالفة للعقوبات الدولية، كذلك تستمر في سياسة الصفقات السرية، مثل: بيع السلاح لإفريقيا والمسيرات للجزائر، أيضًا تستورد منها تركيا بعض السلع وتستورد منها الغاز الرخيص.
وهكذا تمضي إيران في صناعة وجود ضارب لها في المنطقة، ومع كل مسعى من خصومها لكسر قوتها تصنع بؤرة قوة جديدة تمكنها من فرض هذا الوجود، وعلى الرغم من التهديدات المستمرة والمناوشات بين آن وآخر، تمضي في سبيلها غير مكترثة، ما يزيد المخاوف من قوتها مثلما يزيد ثقتها في قدراتها.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم
