باحث بالشأن الإيراني يوضح لليوم أسباب تداعي دبلوماسية حسن الجوار بالمنطقة

حوار: مروة محي الدين

مع تنامي النبرة التصعيدية بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي، والاتهامات لطهران بالمسؤولية عن ضرب مواقع داخل الأراضي الكويتية مؤخرًا، بينها مطار البلاد، أضحى الوضع الإيراني في المنطقة محط تساؤل، وكيف وصلت بلاد فارس إلى هذا الوضع؟ وما سر العداء بينهما وبين دول الخليج على الرغم من تشاركهم في الحدود والمصالح؟ وما استجد على تلك العلاقات قبل الحرب وبعدها؟

أسامة حمدي- الباحث المتخصص بالشأن الإيراني

بحثًا عن إجابة لتلك التساؤلات، كان لنا حوار خاص لجريدة وموقع اليوم مع الأستاذ “أسامة حمدي”- الباحث المتخصص في الشأن الإيران- وطرحنا عليه في البداية مسألة خطاب التعايش الإيراني، وتغليب مصالح المنطقة على التوغل الغربي فيها، عبر رأب الصدع بين دول الجوار ذاتيا بدلا من الصراع، فكان طرحه الصادم حول محورية الصراع بين الدول، فقال: “بصفة عامة تقوم العلاقات الدولية على مبدأ التنافس والصراع، حيث تسعى كل دولة لتحقيق مصالحها وأمنها في المقام الأول، وعليه الصراع هو سمة طبيعية وأساسية في العلاقات الدولية، وليس مبدأ التعايش السلمي، بل إن التعايش يعني ألا يكون لديك هدف فتتعايش سلمياً مع كل محيطك، دون إثارة أي خلافات أو مشكلات؛

لأن المفترض أن تنظر أي دولة معتبرة لأي خطوة تخطوها أخرى إلى الأمام بأنها تعني رجوعها هي خطوة للخلف؛ وحال لم توسع نفوذها وعلاقاتها الدولية فإنها ستضعف، حيث سيوسع الآخرين نفوذهم على حسابها، لكن ذلك لا يكون معلنا، فيسود خطاب حسن النواية وحسن الجوار ودبلوماسية تطبيع العلاقات مع الجميع والتعايش السلمي”.

 

تطويق شرطي المنطقة

الوضع الذي فرضت فيه إيران نفسها كجواد أشهب يشق صحراء المنطقة لم يكن وليد اللحظة، إذ جاء محصلة لحقب تاريخية عاصفة، تحدث عنها “حمدي” قائلًا: “ماذا حدث لإيران؟ وهي الدولة المحاصرة في محيطها، وهي التي كانت شرطي المنطقة حتى الثورة الإيرانية، ما حدث أنه عقب اندلاعها فرضت عليها عقوبات وتمت محاصرتها، ثم تم دعم نظام صدام حسين- في ثمانينيات القرن الماضي- بهدف إسقاط تلك الثورة، وفي التسعينيات بدأت الولايات المتحدة في فرض عقوبات اقتصادية على إيران والعراق، وانتقلت لمرحلة التواجد المكثف في المنطقة بعد غزو الكويت؛

ومع حلول القواعد الأمريكية محل شرطي المنطقة، الذي كان ينظم الملاحة في الخليج ومضيق هرمز- الذي هو بالنسبة له قضية أمن قومي، بدأت المعادلات الأمنية تختلف، حيث شعرت إيران أن ذلك تهديدًا خطيرًالأمنها القومي والإستراتيجي، لا سيما بعد إسقاط النظام العراقي لصدام، ووصول القوات الأمريكية لحدودها الغربية بشكل مباشر؛

وعلاوة على ذلك، بدأ الاحتلال يتواجد بعلاقات قوية واستخباراتية وأمنية مع دولة أزربيجان على حدودها، وكذلك علاقات أخرى مع إقليم كردستان العراق، ومن هنا بدأ تطويق إيران من أغلب حدودها، باستثناء روسيا وباكستان، فالتواجد الإسرائيلي ممتد حتى لتركيا، ولديها علاقات استخباراتية مع المخابرات التركية والجيش التركي، على الرغم من نظام أردوغان الإسلامي “.

 

مدينة الصفر ومدينة المائة

تحت ضغط عملية التطويق التي يفرضها عدوها، راحت طهران تبحث عن كسر الطوق قبل إحكامه عليها، فوجهت أنظارها صوب جيرانها، لتصحح أخطاءها السابقة، وفي هذا يقول “حمدي” : “انتهجت إيران سياسة إحياء علاقاتها مع دول الجوار، بتقليل أخطاء الماضي متخلية عن الخطاب العدائي معها- إذ كان (الخميني) يصفها بأنها دول الركوع والخنوع، والمطبعين مع الولايات المتحدة، والمسلمين غير الحقيقيين، ثم خطاب مهاجمة صدام وحلفاؤه الذي أخرجه عن الإسلام أثناء الحرب معه- وبدأت تروج لخطاب جديد، انتشر عن (علي لاريجاني)، وتحدث فيه عن محاولة الولايات المتحدة تصفير علاقات إيران مع دول الجوار، بينما ترغب طهران في إقامة علاقات طبيعية معها، معبرا عن ذلك بعبارة: مدينة الصفر ومدينة المائة التي نطمح لها، وكان يقصد من ذلك أن وصول طهران لعلاقات طبيعية مع جيرانها بنسبة 50٪؜ أو 60٪؜ يكون النظام قد حقق مبتغاه؛

ومن هنا انطلق النظام الإيراني لإقامة علاقات أمنية مع العراق وقطر، ومد بعض الجسور مع الكويت، فيما تبقى علاقاته مع قطر أقوى، بفعل تشاركهما في حقل بارس الغازي النفطي، وكذلك عمق أواصر الصلة مع سلطنة عمان، إذ تتشارك معها تاريخيا بعلاقات قوية، حيث كان للجيش الإيراني الفضل في قمع ثورة ظفار، التي قامت ضد نظام السلطنة، كما أن الشيعة في عمان يمثلون غالبية السكان، لذا هناك تقارب مذهبي وديني وتاريخي وثقافي وسياسي، كذلك تتشاركان في إدارة مضيق هرمز والسيطرة عليه، ومن ثم تحتل السلطنة المركز الأقوى في علاقتها بطهران تليها قطر ثم الكويت؛

وأخيرا العراق عقب القضاء على داعش وصعود الحشد الشعبي، فأضحى النظام الشيعي هو من يحكم، ما أدى لحدوث تقارب كبير بين البلدين، وحدث تقارب اقتصادي بينهما، فتمد طهران بغداد باحتياجات النفط والغاز والكهرباء، وأضحت الأخيرة سوق توزيع السلع والمنتجات الإيرانية الأول؛

وأخيرا كانت باكستان أحد أهداف المسعى الإيراني للقفز على العقوبات، فامتدت بين البلدين علاقات تجارية واقتصادية، وأبرمتا عدة اتفاقيات أمنية، وتم استغلال الحدود البرية للتبادل التجاري”.

 

ميراث الشك والريبة

حسب رؤية “حمدي” التي طرحها في حواره، جاء تخفيف حدة التوترات مع دول الجوار بعد خطاب عدائي ضدها، أطلقته الثورة الإيرانية، محملا بتهديدات لها ولأنظمتها الملكية الحاكمة، لا سيما بعد اصطفاف دول الخليج خلف “صدام حسين” خلال الحرب العراقية الايرانية، لذا أطلقت دبلوماسية لحسن الجوار، فيما ترتبط تلك الدول مع الولايات المتحدة بعلاقات أمنية وإستراتيجية، وتنظر لإيران بشك وريبة، مهما أبرموا معها من اتفاقيات؛

مثلما حدث مع المملكة العربية السعودية برعاية صينية، فعلى الرغم الاتفاقات والضمانات تنظر الأخيرة للنظام الإيراني بأنه مهدد للحكم السعودي أو أنظمة الحكم الملكية؛ ذلك أن أخطر ما في النظام الايراني أنه يدعو لحكم أهل البيت- النظام الشيعي الإثني عشري، الذي يقوم على امتداد الحكم من الرسول- صلى الله عليه وسلم- و”علي ابن أبي طالب وأبناءه الحسن والحسين”، وصولا إلى الإمام الإثني عشر الغائب “محمد بن الحسن المهدي”، وبغيابه يحل محله ولاية الفقيه؛ وأمام تلك الصيغة، أضحى ذلك مهددًا أساسيًا وخطيرًا لأنظمة الحكم الملكية في دول الخليج، حيث تتآكل شرعية أي نظام أمام حكم آل البيت أو من ينوب عنهم- الفقيه العادل والعالم بأمور السياسة والاقتصاد ومجريات الحياة، حسب نظرية ولاية الفقيه.

وذلك هو الخلاف الحقيقي بين إيران وأنظمة الخليج، لا سيما وأن النظام الإيراني الثوري يمثل تهديدًا للأنظمة الملكية، إذ يدعو للثورة على الظلم ويرفض أي وجود غربي في المنطقة، بالإضافة طبعا لقضية القدس وإسرائيل، وفكرة الولاء والبراء القائمة على أن المسلمين لا يجب أن يوالوا أهل الكفر، بل ويجب أن يتبرأوا منهم؛ وعلى الرغم من سعيها لإبرام اتفاقات مع تلك الدول وعلاقات أمنية واقتصادية وتجارية، لم ينتهي ميراث الريبة بينهم، وما لبثت أن انهارت كل تلك العلاقات أمام أول اختبار حقيقي لها، لأنها لم تكن مبنية على ثقة كاملة بين الطرفين، حيث هدفت تلك الاتفاقات لتهدئة التوترات وخفض التصعيد، فيما كان كل طرف مستمراً في مشروعه، من إيران التي استمرت في دعم أذرعها في الإقليم، لاسيما الحوثي الذي يهدد السعودية، وحزب الله وتسليحه الذي تستطيع صواريخه الوصول لها، ثم حماس وتهديدها لأمن إسرائيل، فيما أبقت كثير من الدول الخليجية على علاقتها بالأخيرة وعززتها، وعليه كان هناك تشكيك في صدق نواياها.

ذلك التاريخ المحتدم من الصراعات لم يقف عند هذا الحد، حيث أن ظهور طهران القوى في الحرب الأخيرة، واستمرارها في توجيه الضربات للأهداف الأمريكية في دول الجوار، وسماح تلك الدول بتوجيه ضربات إليها من أراضيها وباستخدام سمائها، كان له أثرًا مغايرًا لخطاب التعايش وحسن الجوار، يشرحه الباحث المتخصص بالشأن الإيراني في الحلقة القادمة من الحوار على موقع اليوم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *