حشمت عبد الحارث يكتب: ما لم تكشفه الدماء في «جريمة الشوش»

لم تبدأ الجريمة المعروفة إعلاميًا بـ«جريمة الشرف» في مساكن الشوش بسوهاج، بسكين ولم يكن أول مشاهدها دماءً أو صراخًا، بل بدأت من خلف شاشة هاتف، برسالة من حساب مجهول .. صور وفيديوهات، قال المتهم حينها إنها تخص زوجته، حيث أكد انه قد تلقى هذه الرسائل من حساب وهمي تضمنت محتواها في صورًا فيدوهات مخلة لزوجته، حينها تحول الشك إلى غضب، والغضب إلى مواجهة، والمواجهة إلى جريمة مكتملة الأركان انتهت بثلاث جثامين؛ تبقى حقيقة هذه الروايات وما وراءها محل فحص وتحقيق حتى الآن.

لكن بعيدًا عن تفاصيل التحقيقات، وأسماء الضحايا والمتهمين، هناك ما هو أهم من إعادة رواية الجريمة مرة أخرى، هناك ثلاثة ملفات خطيرة كشفت عنها هذه الواقعة، وربما تكون أخطر من الجريمة نفسها

أولًا “الابتزاز الإلكتروني” حين تتحول شاشة الهاتف إلى مسرح للجريمة فلم يعد الهاتف مجرد وسيلة للتواصل؛ فنحن في زمن أصبحت فيه الصورة والرسالة والمقطع المصور قادرين على الإنتشار في ثوانٍ، أصبح المحتوى الرقمي قادرًا على إشعال خلافات حقيقية داخل البيوت والأسر .. فالرواية التي أدلى بها “المتهم” أمام جهات التحقيق تتحدث عن حساب وهمي أرسل له صورًا قال إنها تخص زوجته، وهو ما أثار غضبه ودفع الأحداث إلى مسار دموي، لكن في المقابل، نفى دفاعه وجود فيديوهات ابتزاز، وهو ما يجعل هذه الجزئية تحديدًا واحدة من النقاط التي تحتاج إلى حسم التحقيقات والأدلة، وليس مواقع التواصل!

المشكلة هنا يا «عزيزي» ليست فقط في الابتزاز إذا ثبت وجوده، وإنما في سهولة صناعة رواية رقمية قادرة على هدم أسرة، وإشعال شك، وتحويل إنسان من زوج أو أب أو فرد في أسرة إلى شخص يطارد إجابات قد لا يعرف حقيقتها، والأخطر من ذلك أن العالم الرقمي لا يمنح الإنسان دائمًا فرصة للتأكد قبل أن يغضب.

فالصورة قد تكون حقيقية، وقد تكون مفبركة، والرسالة أيضًا تكون دليلًا، وقد تكون فخًا، وحساب مجهول قد يكون وراءه شخص يريد المال، أو الانتقام، أو مجرد إشعال الفتنة؛ لكن في كل الأحوال، لا يمكن أن تكون شاشة الهاتف محكمة، ولا أن تكون رسالة مجهولة حكمًا نهائيًا على حياة إنسان.

ثانيًا “الشرف” عندما يتحول من قيمة إلى رخصة للانتقام، وهنا نصل إلى الملف الأخطر .. فبعض الجرائم لا تحتاج إلى سلاح في بدايتها، لأنها تبدأ بفكرة: «أنا صاحب الحق.. وأنا من يقرر العقاب» وهذه الفكرة تحديدًا هي التي تجعل بعض الجرائم أكثر خطورة من مجرد خلاف عائلي، وشاهدنا ذلك في جرائم أسرية عديدة.

فحتى إذا أثبتت التحقيقات وجود خيانة أو جريمة أو أي سلوك مخالف للقانون، فإن العقوبة ليست حقًا فرديًا، هناك شرطة ونيابة وقضاء؛ أما أن يتحول الغضب إلى حكم، ويتحول الحكم إلى سلاح، ويتحول الإنسان في لحظة واحدة إلى قاضٍ وجلاد، فهذه ليست حماية للشرف، وإنما جريمة جديدة تحتاج هي الأخرى إلى حساب.

لهذا يجب أن نكون حذرين جدًا في استخدام تعبير «جريمة شرف» فهذا المصطلح قد يبدو للبعض وكأنه يفسر الجريمة أو يمنحها مبررًا أخلاقيًا.

ثالثًا “الحياة الخاصة”، وهذا الملف الثالث لا يقل خطورة عن الملفات السابقة؛ فخطورة تداول المقاطع الخاصة ونشرها لا يؤذي الضحية وحدها، بل قد يشعل سلسلة من الجرائم والإنتقام والانهيار الأسري، لانه يحول مادة رقمية إلى أداة للتشهير والابتزاز والانتقام، ثم تتسع دائرة الأذى من شخص إلى أسرة كاملة، وربما إلى جريمة لا يمكن التراجع عنها.

وفي جريمة «الشوش» تحديدًا، لا تزال التحقيقات تفحص حقيقة ما تم تداوله ودوره في الواقعة، خصوصًا مع وجود روايات متباينة بشأن الصور والمقاطع وما إذا كان هناك ابتزاز أم لا، أو الصور والفيديوهات حقيقية من الأساس أم لا.

وهنا يجب أن نتوقف أمام سلوك أخطر من مجرد النشر، ففي أسوأ الحالات، كما كشفت لنا هذه الواقعة، التي قد تتحول تداعياتها إلى مأساة لا يمكن إصلاحها.

وهنا «عزيز القارئ» لا ينبغي أن تتحول القضية إلى معركة على مواقع التواصل بين من يبرر للمتهم، ومن يدين الضحايا، ومن يطلق أحكامًا أخلاقية قبل أن تنتهي التحقيقات، لأن الحقيقة لا تُبنى من منشور «فيسبوك» ولا من تعليق، ولا من رواية طرف واحد .. الحقيقة يا «عزيزي» تبنيها الأدلة.

أما ما يستحق التعليق فعلًا، فهو أن الجريمة كشفت لنا ثلاث أزمات تتجاوز حدود «جريمة الشوش» وهي، ابتزاز يمكن أن يبدأ من خلف شاشة .. وثقافة انتقام يمكن أن تمنح الغضب سلطة لا يملكها .. وحياة خاصة أصبحت في بعض الأحيان سلاحًا يستخدمه الآخرون ضد أصحابها.

وفي النهاية، ربما لا تكون الرسالة الأهم في جريمة الشوش هي كيف وقعت الجريمة فقط، وإنما كيف كان يمكن ألا تقع؟

اترك رد