تقرير: مروة محي الدين
ترك الاحتلال بصمة غادرة في غزة، بعد عامين من العدوان، استشهد فيهم قرابة 70 ألف شهيد، بينهم عشرات الآلاف من الرجال، الذين لم يبق لأسرهم عائلًا، لتبقى زوجة كل منهم أمًا وأبًا وعائلًا، على الرغم من ضعفها وقلة حيلتها، في موقع اليوم، فتحنا المجال للسيدة “صبحية السيد سليمان”- زوجة الشهيد الصحفي “عبد الرحمن العبادلة”، لتروي لنا تحديات ما بعد الحرب واستشهاد الزوج.
لحظة الفاجعة

تبدأ “صبحية” حكايتها بتلقيها فاجعة استشهاد زوجها وسندها- كما تصفه، مقترنا بمصائب أخرى من نتائج العدوان، فتقول: “جائتني مصيبتين في يوم واحد، الأولى: كان إصابة شقيقتي وبناتها، نتيجة قصف الاحتلال منزلها بحزام ناري؛ والثانية: كان استشهاد زوجي (عبد)، ولا أملك أن أقول إلا حسبي الله ونعم الوكيل؛
أنا حتى الآن صابرة، حتى أن الناس من حولي يتسائلون: كيف لي ذلك؟ فيكون ردي: سبحان الله حين يلقي الصبر في نفس إنسان، ولله الحمد نحن أناس متدينون، نعلم أن مصيرنا جميعا إلى الموت، لذا سأصبر ولله الحمد على كل حال”.
وفصلت الحديث عن الابتلاء الثاني الذي جاءها في نفس اليوم، وكيف ثقل على عاتقها الألم، فقالت: “فاجعتي الثانية كان إصابة أختي، حينما قصف الاحتلال محيط منزلها بحزام ناري، وقد قالت لي أنهم لم يشعروا بشيء سوى سموم النار، ولم يروا بعدها سوى غمامة سوداء؛ وقد أسرع زوجها لوضع وشاح على وجهها، لكنه كان قد احترق بالكامل؛ كما استشهد في ذات المنزل 3 أشخاص من أقارب زوج أختي، وأصيب 3 آخرين بخلاف أختي بينهم ابنتيها؛ كما قالت لي: كل شيء تم في لحظة واحة لم نشعر بها، فإن متنا في القصف لم نكن لنشعر بشيء”.
صعوبات يجب مواجهتها

واصلت “صبحية” حديثها عن الصعوبات، التي واجهتها عقب استشهاد زوجها، فقالت: “منذ استشهاد (عبد) ضاقت نفسي حتى عن الكلام، فأصبحت لا أقوى على الحديث في شيء، فماذا عساي أن أقول؟ أشعر بشرود الكلمات مني، وكأنني مكبلة، كما أن ذهني يعج بالأفكار والمهام والمسؤوليات على عاتقي”.
وتابعت: “واجهتني الكثير من المصاعب بعد استشهاد زوجي، فحين ذهبت للمستشفى للحصول على شهادة الشهيد، والأوراق التي تثبت استشهاده، حيث نقلوا المحكمة إليها، تعرضت لحادث أثناء عودتي، إذ سقطت من على ظهر الشاحنة التي كانت تقلنا، وقد رفضت الذهاب إلى المستشفى على الرغم من عرض السائق توصيلي إليها، مفضلة العودة إلى المنزل، وإذا بآلامٍ رهيبة تنتشر في أنحاء جسدي بعد ذلك، لاسيما في رأسي ورقبتي وظهري، حتى فقدت القدرة على تحريك رقبتي، وبقيت على ذلك فترة حتى تعافيت”.
وأضافت متحدثة عن فصل آخر من المعاناة: “الآن أستعد لكي يجري ابني الأكبر توفيق جراحة فتاق سري، في الهلال الأحمر، حيث كان والده- رحمه الله يسعى قبل استشهاده لإجرائها له، ولم يمهله الأجل، وبدأت في إجراءات حجز الجراحة بالمستشفى، إذ يعاني ابني بسببه، فهو ممنوع من البكاء، منعًا لزيادة حجم الفتاق والتهابه، لذا أضحى إجرائها ضرورة ملحة”.
تحديات مستمرة

المرأة التي لا حول لها ولا قوة، تحكي في معرض حديثها، عن عجزها عن قضاء بعض حوائجها، فتقول: “قال لي بعض المعارف: سجلي أبنائك في جمعيات أبناء الشهداء، لكني لا أعرف كيف أصل إليها، فالحركة نفسها مليئة بالالتزامات والضغوط، وأولها مصروفات الانتقال التي تتطلب سيولة، كما لاسيما والسائقين والبائعين يستغلون ضعف الموارد لدينا، وعلى سبيل المثل: إن كان معي 50 شيكل، وبها مزق بسيط في جانبها، يرفض البائع أخذها مني إلا إذا أنفقتها كلها، دون استرداد المتبقي منها، فماذا أفعل في مصروفات الانتقال في هذه الحالة؟
وذلك ما صعب عليَّ الوصول إلى جمعيات لتتكفل بالأولاد، ففي حياة زوجي لم يكن يمنع عني شيئًا، ودائمًا ما كان يأتي بكل ما يحتاجه صغاري، وكل ما يحتاجه المنزل، حتى كان لدي مخزونًا منها، غطى حاجتي في الفترة التي تلت استشهاده، لكن الآن انقطع عني كل ذلك، بما فيه حليب الأطفال لابني وحفاضاته، ما أدى لإصابته بسوء التغذية وانخفض وزنه ووزني، وأدخلته المستشفى عدة مرات لتلقي العلاج؛ وأنا نفسي انخفض وزني بسبب سوء التغذية، وأتابع الآن مع طبيبة تغذية متخصصة”.
وأكملت حديثها: “كذلك أحتاج متطلبات أخرى للطفلين الآخريين، وهما في سن بدأوا فيه دراسة، حيث أرسلت ابنتي وابني لروضة الأطفال، حتى يبدأوا رحلة تعليمهم، ويكفوا عن السؤال عن أبيهم، فالفتاة ماهرة ومتحدثة جيدة، ودائما ما كان أبوها يوصيني بتشجيعها على ذلك، حيث كان يؤثرها بسبب خفة روحها، على الرغم من أنه لم يكن يفرق بين أولاده؛
ثلاثتهم يحتاجون إلى رعاية، ويلزمهم متطلبات بدلا من تلك التي راحت تحت أنقاض منزلنا، بسبب العدوان، وكنا حين نحتاج لبعضها قبل استشهاد زوجي، يأتنا ببعض ما يتمكن من الوصول إليه من تحت ركام منزلنا، بما في ذلك القميص الذي كان يرتديه وقت استشهاده”.
تربية الأبناء ورعايتهم

تظهر رعاية الأبناء وتربيتهم تحديًا آخر في وجه “صبحية”، فتحكي فيه فصلًا جديدًا من الصعوبة، قائلة: “ليس هناك من هو أكثر حنانًا على الأبناء من أمهم، لذا أرعى أبنائي بنفسي، فوالدة زوجي ووالدتي كلتاهما امرأتان مسنتان، لا تقويا على رعاية أطفال في مثل أعمارهم؛ وكل أملي أن يعينني الله على أن أضطلع بمسؤوليتهم حتى يصبحوا مثلما كان أبوهم يتمنى، فأنا لم أبكي خسارة الدار والممتلكات خسارة، لأنها أشياء لا تهمني، إنما بكيت زوجي الذي كان السند، فالإنسان هو المهم، وحياته في ستر الله هي الأهم”.
وتابعت: “للأسف أنا لا أملك مال، كما أنني لا أعمل، وما من عمل يمكنني الحصول عليه، إنما أعيش وأولادي على بعض الأموال، مما ترسله مثلا وكالة اليونيسف أو بعض الجمعيات الأهلية، كما أن أهلي يقفون إلى جواري في توفير بعض متطلبات المنزل والأولاد، وبعض هذه الأموال تأتيني على المحفظة الإلكترونية لهاتف زوجي، لكن نفقة الأولاد باعتبارهم أبناء شهيد تحتاج مني لفتح محفظة خاصة بي، يلزمها استخراج أوراق من المحكمة تفيد باستشهاد عائل الأسرة، وهو ما لم أستطع عمله حتى الآن، ومن هنا لم يصرف لي راتب الشهيد، لكنني في كل الأحوال أسير في حياتي بالتوكل على الله وهو يكفلني؛
أحيانا بسيطة، كانت تصلني بعض المساعدات البسيطة في صندوق كرتوني، وعلى الرغم من انخراط زوجي في حياته في العمل الخيري مع الجمعيات، لكن لم أطلب منهم شيء ولم يأتي منهم راتب أو شيء منتظم؛ إلا من جمعية تكفلت بابنتي أمل، دون أن يكفل أحد الأولاد الباقين”.
فقدان المأوى

أحد أوجاع المرأة الصابرة، كان تداعي الخيمة التي تؤويها، بينما تلوح عواصف الشتاء وأمطاره في الأفق، فقالت: “أتمني أن أجد من يغيثنا بخيمة قبل الشتاء، حيث الخيمة التي أسكنها اهترأت بفعل أشعة الشمس، ولم يعد إصلاحها يجدي نفعا، وحال هطول أمطار ستغرقني وأولادي؛ أو كرفان يتوفر فيه المرافق التي تعينني على حاجاتي، مثل: المياة والكهرباء، ولو عبر خلية طاقة شمسية صغيرة”.
ونفت “صبحية” دخول أي شيء من خيام أو كرافانات أو مواد إعاشة للقطاع، مؤكدة أن عودة الأسرى المحررين له كانت أوضح ما طرأ عليه، ليصدم أحدهم من نبأ استشهاد زوجها، فقالت: “التغير الذي طرأ على القطاع هو خروج الأسرى، الذين وصلوا بحالة مزرية، إذ يتعرضون لأنواع بشعة من التعذيب، لم نسمع عنها حتى في القصص الخيالية؛ وكان من بينهم أسيرا من عائلة العبادلة، من أقرباء زوجي، سأل عنه حينما لم يجده- مثل عادته- أول المستقبلين في تلك الأحداث، ليصدم بخبر استشهاده، وهذا حال كل من يعود ويسأل عنه”.
لكنها مثل كل الصامدين في غزة، ترى في الرضا والصبر دوائًا لكل وجع، لذا تتحلى بهما في رحلتها، تاركة أمرها لله وحده، يفعل ما يشاء، فاختتمت حديثها قائلة: “الحمد لله نحن صابرين وسنظل على صبرنا، ونربي أولادنا”.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم