قلعة الشقيف.. كيف قرأ الإعلام العبري خطاب نتنياهو الدعائي؟

لم تكن “قلعة الشقيف” التاريخية في جنوب لبنان مجرد موقع عسكري في الحسابات الإسرائيلية خلال الأيام الماضية، بل تحولت إلى رمز سياسي وإعلامي يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى توظيفه لتسويق ما يصفه بإنجازات الحرب على الجبهة الشمالية، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات داخل إسرائيل بشأن جدوى استمرار العمليات العسكرية في لبنان.

فبعد إعلان جيش الاحتلال إحكام سيطرته على القلعة الواقعة على تلة استراتيجية تشرف على مساحات واسعة من جنوب لبنان، حرص نتنياهو وقيادات عسكرية إسرائيلية على إبراز الحدث باعتباره إنجازًا ذا أبعاد تاريخية، مستحضرين معارك الثمانينيات والدور الذي لعبته القلعة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

إعادة توظيف الرمزية

لكن هذا الخطاب لم يمر من دون انتقادات داخلية؛ فقد رأت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أن المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية تحاول إعادة توظيف الرمزية المرتبطة بقلعة الشقيف لصناعة صورة انتصار معنوي، رغم أن الموقع ذاته يحمل في الوعي الإسرائيلي ذكريات الاستنزاف والخسائر التي رافقت سنوات التورط العسكري الطويل في لبنان.

وكتب الصحفي الإسرائيلي، حن أرتسي، في الصحيفة أن نتنياهو يستخدم القلعة “بطريقة يائسة” لصناعة شعور بالفخر الوطني وتحسين صورة العملية العسكرية في الشمال، متجاهلاً أن معركة الشقيف عام 1982 كانت بداية مرحلة امتدت 18 عامًا من الانخراط العسكري الإسرائيلي في لبنان، وأسفرت عن مقتل مئات الجنود.

وأضاف أن حديث نتنياهو عن “قلعة شقيف مختلفة” لا يعكس حقيقة الانقسام العميق داخل إسرائيل بشأن الحرب الحالية وأهدافها، مشيرًا إلى أن استمرار القتال وإرسال الجنود إلى مناطق تتزايد حولها علامات الاستفهام لا يحظى بإجماع داخلي كما تحاول الحكومة تصويره.

القبر السياسي لنتنياهو

في السياق ذاته، ذهبت صحيفة “هآرتس” أبعد من ذلك، عندما اعتبرت أن لبنان قد يتحول مجدداً إلى “القبر السياسي” لنتنياهو، كما حدث خلال ولايته الأولى في نهاية تسعينيات القرن الماضي.

ورأى الكاتب الإسرائيلي ألوف بن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أخفق آنذاك في استيعاب التحول الذي طرأ على المزاج العام الإسرائيلي الرافض للاستمرار في المستنقع اللبناني، بينما نجح منافسه إيهود باراك في استثمار هذا المزاج عبر وعده بالانسحاب من جنوب لبنان، وهو الوعد الذي قاده إلى الفوز في انتخابات 1999.

وبحسب المقال، فإن نجاحات إسرائيل العسكرية ضد حزب الله خلال الفترة الأخيرة دفعت نتنياهو وحلفاءه إلى تبني أهداف أوسع في لبنان، إلا أن استمرار سقوط الجنود وتنامي الشكوك حول الجدوى الاستراتيجية للحرب قد يعيدان إنتاج المشهد الذي سبق الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.

حزب الله: جئنا ولم نجدكم

وتزامنت هذه الانتقادات مع خطوة إعلامية مضادة من حزب الله، الذي نشر مشاهد مصورة قال إنها التقطت بواسطة مسيّرة “أبابيل” الانقضاضية فوق قلعة الشقيف ومحيطها خلال الليل.

وأظهر الفيديو، وفق الحزب، خلو الموقع من أي وجود لجنود الاحتلال، مرفقاً بعبارة “جئنا ولم نجدكم”، في رسالة مباشرة تستهدف الرواية الإسرائيلية بشأن السيطرة الكاملة على القلعة.

واعتبر حزب الله أن إعلان الاحتلال السيطرة على الشقيف يندرج ضمن حملة دعائية تهدف إلى تعويض الخسائر الميدانية وتحقيق مكسب معنوي أمام الرأي العام الإسرائيلي، في حين تحاول الحكومة الإسرائيلية تقديم الموقع بوصفه رمزًا للنجاح العسكري في الجبهة الشمالية.

وبينما تتواصل المواجهات في جنوب لبنان، تبدو قلعة الشقيف اليوم أكثر من مجرد موقع استراتيجي. فهي تحولت إلى ساحة مواجهة رمزية بين روايتين متناقضتين:

  • الأولى تسعى إلى تقديمها كدليل على استعادة الردع الإسرائيلي.
  • الثانية ترى فيها محاولة لإحياء سردية تاريخية لم تنجح في محو ذكريات الخسائر والاستنزاف التي ما زالت حاضرة بقوة في الذاكرة الإسرائيلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *