جددت مصر رفضها لمذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية عام 2019، مؤكدة أنها “باطلة بطلانًا مطلقًا، ومعدومة الأثر القانوني”، وشددت على رفض أي إجراءات تستند إليها وتتعارض مع حدودها البحرية المعلنة، بحسب البيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية المصرية.
وأعاد تصديق مجلس النواب الليبي على المذكرة في 20 أكتوبر 2026 فتح الملف السياسي والقانوني للاتفاقية، بعدما وافق المجلس بالإجماع على المذكرة وألغى قراريه السابقين الصادرين عام 2020 بشأن رفضها وقطع العلاقات السياسية مع تركيا.
في ضوء ما سبق، أثارت الخطوة تساؤلات بشأن أسباب الاعتراض المصري، ومدى تأثير المصادقة الليبية الجديدة على الحقوق البحرية للقاهرة، في ظل الخلافات الإقليمية بشأن ترسيم الحدود واستغلال موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.
فيما أكدت الخارجية المصرية أن المذكرة تتعارض مع مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، مشيرة إلى ما وصفته بالمساس بالحقوق السيادية المصرية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري.
وشددت القاهرة على احتفاظها بحقها في حماية مصالحها وحقوقها وفقًا للقانون الدولي، مؤكدة رفضها أي تصرفات تستند إلى المذكرة وتتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة.

الرفض المصري
في تفسيره للأسباب القانونية وراء الموقف المصري، أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون، أن رفض القاهرة لا يمثل رد فعل دبلوماسيًا عابرًا، بل يستند إلى قواعد القانون الدولي الاتفاقي والعرفي.
وأوضح مهران، في تصريحات خاصة لـ”اليوم”، أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تمثل أحد الأطر القانونية الأساسية المنظمة للمناطق البحرية، مشيرًا إلى أن المادتين 74 و83 تتناولان ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة.
كما أضاف أن هاتين المادتين تدعوان إلى التوصل إلى حل منصف وفقًا للقانون الدولي، وهو ما يجعل تحديد مشروعية أي ترسيم بحري مرتبطًا بطبيعة المطالبات المتداخلة والظروف الجغرافية والقواعد القانونية ذات الصلة.
وأشار أستاذ القانون الدولي العام إلى أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين مصر واليونان عام 2020 تمثل أحد التطورات المهمة في تنظيم الحقوق البحرية بشرق المتوسط، لافتًا إلى أن المذكرة التركية الليبية أثارت اعتراضات تتعلق بتجاهلها، بحسب تقديره، حقوقًا ومطالبات بحرية لدول أخرى في المنطقة.
واعتبر مهران أن المبدأ القانوني القاضي بعدم الإضرار بحقوق الدول الثالثة يمثل أساسًا رئيسيًا في الاعتراض المصري، مستشهدًا بالمادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، التي تقرر أن المعاهدة لا تنشئ التزامات أو حقوقًا لدولة ثالثة دون رضاها.
كما أوضح أن توقيع اتفاق ثنائي لا يمنح طرفيه، بمجرد الاتفاق بينهما، حق فرض ترتيبات بحرية على دولة لم تكن طرفًا فيه، مشددًا على ضرورة تقييم أي آثار محتملة للمذكرة على الحقوق السيادية المصرية وفقًا لقواعد القانون الدولي.

كيف بدأت الأزمة؟
بالعودة لجذور الخلاف إلى 27 نوفمبر 2019، عندما وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، برئاسة فايز السراج آنذاك، مذكرتي تفاهم في إسطنبول، تناولت إحداهما التعاون الأمني والعسكري، بينما تعلقت الأخرى بتحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط.
وهدفت المذكرة البحرية إلى تحديد مناطق الاختصاص البحري بين البلدين، من خلال ترسيم الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة وفق إحداثيات جغرافية محددة، بما يحدد نطاق الحقوق البحرية التي يتمسك بها الطرفان.
وصادق البرلمان التركي على المذكرة في 5 ديسمبر 2019، ودخلت حيز التنفيذ خلال الشهر نفسه، قبل تسجيلها لدى شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار التابعة للأمم المتحدة.
في المقابل، رفض مجلس النواب الليبي في شرق البلاد المذكرة عام 2020، واتخذ قرارًا بقطع العلاقات السياسية مع تركيا، قبل أن يتراجع عن موقفه في تصويت 20 أكتوبر 2026، ويعيد الاتفاقية إلى واجهة الخلافات السياسية والقانونية.

ماذا تتضمن المذكرة؟
ترسم المذكرة خطًا بحريًا يربط بين السواحل الجنوبية لتركيا والسواحل الشرقية لليبيا، ويحدد نطاق مناطق الصلاحية البحرية التي يتمسك البلدان بحقوقهما فيها بشرق المتوسط.
وتتيح الاتفاقية للطرفين المطالبة بحقوق سيادية تتعلق باستكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها ضمن المناطق البحرية المحددة، بما يشمل النفط والغاز والثروات الموجودة في قاع البحر وما تحته.
كما تتضمن المذكرة ترتيبات تتعلق بالموارد التي قد تمتد عبر المناطق البحرية التابعة للطرفين، إلى جانب آليات للتشاور وتسوية الخلافات بالطرق الدبلوماسية عند اختلاف تفسير بنود الاتفاقية أو تطبيقها.
وتستند تركيا في دفاعها عن الاتفاقية إلى ما تصفه بمبدأ الإنصاف في ترسيم الحدود البحرية، مع مراعاة أطوال السواحل، والحد من التأثير الذي تمنحه للجزر الصغيرة أو النائية في تحديد المناطق البحرية.
لماذا تعترض دول المنطقة؟
أثارت الاتفاقية اعتراضات إقليمية منذ توقيعها، بسبب تداخل مسار الترسيم الذي حددته مع مطالبات بحرية أخرى في شرق المتوسط، وما يرتبط بذلك من حقوق في المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
ورفضت اليونان الاتفاقية، معتبرة أنها تتجاهل الأثر القانوني لجزرها، وفي مقدمتها جزيرة كريت، عند تحديد المناطق البحرية، بينما اعترضت قبرص على تداعياتها على حقوقها ومطالباتها البحرية.
كذلك رفضت مصر اعتبار المذكرة ملزمة لها، مؤكدة أن أي تفاهم ثنائي لا يجوز أن ينتقص من حقوقها البحرية أو يؤثر في مصالحها السيادية.
وأبدى الاتحاد الأوروبي اعتراضات على الاتفاقية، معتبرًا أنها تمس حقوق دول ثالثة ولا تتوافق مع قانون البحار، وهو ما وسع نطاق الخلاف من تفاهم ثنائي إلى نزاع إقليمي بشأن قواعد ترسيم الحدود البحرية.

هل تحسم المصادقة الليبية الخلاف؟
في تعليقه على التصديق البرلماني الليبي الأخير، أكد مهران أن هذه الخطوة لا تكفي وحدها لحسم مشروعية الاتفاقية أو تحديد آثارها القانونية في مواجهة مصر، لأن الإجراءات التشريعية الداخلية لا تلغي حقوق الدول غير الأطراف في المعاهدة.
وأوضح أن تقييم الوضع القانوني يتطلب التمييز بين نفاذ الاتفاقية بين طرفيها وبين إمكانية الاحتجاج بها على دول أخرى، فضلاً عن دراسة مدى توافق الترسيم الوارد فيها مع القواعد الدولية المنظمة للحدود البحرية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم