محمد العيادي يكتب: لعنة العقد الثامن ونهاية الدولة اليهودية

بدأت تركيا تستشعر خطراً متزايداً من الجانب الإسرائيلي، في أعقاب الهجمات العنيفة على لبنان وسيطرة جيش الاحتلال على مواقع استراتيجية، مثل قلعة الشقيف ومناطق حدودية أخرى، في مسعى لإنشاء منطقة عازلة بعمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ويضاف إلى ذلك توسع إسرائيل في الأراضي السورية، بدءاً من هضبة الجولان وتوغلها في المنطقة منزوعة السلاح، وصولاً إلى جبل الشيخ (جبل حرمون) الذي يُعد موقعاً استراتيجياً حيوياً، حيث أنشأت تحصينات وقواعد عسكرية باتت تقترب من العاصمة دمشق، مما اعتبر الرئيس أردوغان هذا التمدد تهديداً مباشراً لأمن تركيا، محذراً منه، ومطالباً المجتمع الدولي بوضع حد لهذا العدوان؛ وهو ما دفع نتنياهو للرد واصفاً أردوغان بـالإرهابي و”الديكتاتور الداعم لحماس”، ومعتبراً أنه آخر من يحق له إلقاء الدروس الأخلاقية، مضيفاً أن جيشه سيواصل عملياته ضد إيران ووكلائها الذين يهددون الشرق الأوسط والعالم.

 

إن خطاب نتنياهو يشي بتضخم في الذات، وكأنه يرى نفسه حارساً للعالم وقوة لا تُقهر، في استعلاءٍ قد يكون نذيراً ببداية السقوط نحو الهاوية؛ فلكل صعودٍ هبوط، وإن إسرائيل اليوم تحارب لتهرب من شبح التفكك الحتمي، وما تقوم به ليس إلا انعكاساً لذعرها من اقتراب النهاية، ومحاولة يائسة لتغيير واقعٍ تفرضه حتمية التاريخ، وتؤكده مخاوف ما يُعرف بـ”لعنة العقد الثامن”.

في الحقيقة أن إسرائيل حالياً تعيش أسوأ حالاتها، رغم نشوة الانتصار الزائفة التي تحاول الترويج لها؛ فهي في حكم المنتهي، وما هي إلا مسألة وقت حتى تختفي من خارطة الشرق الأوسط ويُكتب عليها التيه من جديد، ويشير تقرير صادر عن جامعة هارفارد إلى وجود رعب ديمغرافي يسبب صداعاً مزمناً للسياسات المستقبلية للدولة؛ وهو ما يفسر محاولات تقليص الوجود الفلسطيني، وما تبع ذلك من مذابح منذ السابع من أكتوبر أدت إلى دمار واسع في قطاع غزة، وانخفاض خطير في أعداد سكانه الذين يعانون الجوع والفاقة، ويفتقرون إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية، حيث يفترشون الخيام ويموتون من البرد القارص، ونقص الأدوية والمؤن.

 

إن الحقيقة التي تحاول إسرائيل إخفاءها هي سيناريو “ما بعد النهاية” الذي بات وشيكاً، وتخوفها من تعامل العالم مع من تبقى منهم حين يصبحون شعباً بلا دولة بعد عودة الفلسطينيين إلى ديارهم، ولقد سبق أن حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت من شبح تفكك إسرائيل ما لم يتم التوصل إلى حل الدولتين قبل أن تواجه صراعاً مشابهاً لما حدث في جنوب أفريقيا، غير أن نتنياهو جاء ليتحدى الواقع بوعود “النصر الكامل” وإقامة “دولة اليهود الكبرى”، ليغدو بذلك سبباً في تسريع نهاية الدولة؛ وهو ما قد يدفع الإسرائيليين للانتقام منه لاحقاً، لكن بعد فوات الأوان، ولذا، فقد فتح نتنياهو الحرب على كل الجبهات، محاولاً توريط الولايات المتحدة في مسعى يائس للهروب من واقع النهاية الحتمية.

تعليق واحد

  1. محمد عبد المنعم محمد

    شكرا جزيلا لحضرتك الأستاذ الكاتب المحترم على هذا التحليل الرائع
    بشرك الله بالخير
    أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا اليوم قريبا و تقر أعيننا بالنصر على الكيان الغاصب الذي بحمل في تكوينه عوامل التفكك و الانهيار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *