لماذا هذه المحاولات الحثيثة لمحو اللحظات الجميلة؟ ولماذا الإصرار على رسم صورة مشوهة لمن نقش ذكراك على جدران قلبه؟ هل هذا هو الإخلاص في الحب؟
قد ينبض القلب لهوى شخصٍ لم يره من قبل، ولم يقترب منه ليشم عبير أنفاسه، ولم تلتَقِ فيه العيون أو تتلامس الأيدي لتذوب في حنان اللقاء؛ حبٌّ تجرّد من توقعات البشر، ومن ملذات الشهوات وضيقة التفكير، لتمتلئ الأيام بضيِّ وصالها، وبشاشة وجهٍ رآه قلبي وإن غابت عنه عيني، وتزدهر الحياة بجمال كلماتها التي يفوح عطرها من بستان ودّها، وأحببت نقاء قلبها الممتزج بقسوته، وكنت أستمتع بكلماتها رغم ما يغلفها من عتابٍ دائم وشكٍّ غير مبرر، فكنت أنسى كل ذلك لأنني لم أرَ سواها؛ فكل نقيصة تُمحى بوصلها، وكل سلبية يُطفأ لهيبها بكلمة منها، كنت أحسب نفسي في محراب هوىً خالٍ من العيوب، يرفرف فوقنا طيرٌ يغرّد بفرحنا، وتشرق الشمس في قلوبنا لتضيء ما أظلمه الزمان، وتعم نسمات الأمل لتغسل بماء الحب أرواح البائسين، وتنبض الأرض بحياةٍ تزهر بالأمل؛ هكذا كانت رؤيتي طيلة حياتي، فلم أكن أرى إلا الجانب المضيء.
فلماذا اخترتِ غير ذلك؟ رسمتِ حياتنا على أنها غلطة، وطريقٌ سلكناه بالخطأ، خلوٌ من العهد والأمان والطمأنينة؛ ادّعيتِ أنها وعود كاذبة، وسماءٌ مغيمة، وأرضٌ قاحلة، وكلماتٌ مضللة. تناسيتِ كيف تركتِ العش عند أول اختبار ورحلتِ، متمسكةً بتبريراتٍ واهية لتلقي باللوم كله على من تحبين، كان ذلك تخاذلاً ووضعاً للمتاريس في طريق الوصال؛ لم تفكري لحظةً في معاناة الحبيب، بل انحصر تفكيرك في “ألا تكن كما أريد أو أرحل”، لتغدو مصلحةً من طرفٍ واحد، ورؤيةً أحاديةً ضلَّ بها الطريق وافترق القلبان.
لِمَ لا تُخلِدين ذكرى إيجابية، ولو للحظةٍ جميلةٍ جمعتنا؟ لقد احتفظتُ بصورتك في مخيلتي رغم غيابك، فلماذا تصرّين دائماً على طمس كل الصور التي رسمتها بدم قلبي؟ لماذا تتجاهلين مشاعري وغضبي، وتنهين كل ذكرى طيبة بكلماتٍ توحي بعدم أهمية ما كان بيننا من حبّ؟ قد لا يعنيكِ الأمر، لكنه يعني لي الكثير، لقد اخترتِ الرحيل بمفردك، فلا تُحمّليني وزر ذلك القرار.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم
