حين رفرف علم مصر فوق الهموم..
لم يكن الشارع يحتفل فقط بفوز منتخب مصر، ولم تكن الأعلام وحدها هي التي ترفرف فوق الرؤوس. كان هناك شيء آخر لا تلتقطه الكاميرات… شيء يشبه الروح عندما تجد أخيرًا نافذة تدخل منها الشمس.
رأيت الأطفال يركضون بلا خوف، والشباب يصرخون كأنهم يستردون أعمارًا ضاعت، والرجال الذين أثقلتهم الحياة يقفزون كالصغار، والمحجبات يضحكن من القلب، وكبار السن يصفقون وكأنهم يطمئنون أنفسهم أن الفرح لم يمت بعد.
في تلك الليلة أدركت أن الناس لم تكن تبحث عن انتصار في كرة القدم… كانت تبحث عن انتصار على الحياة.
نحن لا نعيش أيامًا سهلة. العالم كله يحمل فوق كتفيه أثقالًا لم يعرفها منذ سنوات طويلة. أخبار الحروب، والقتل، والانهيارات الاقتصادية، والمحاكم، والخصومات، ومحاضر الشرطة، والقضايا التي أصبحت جزءًا من تفاصيل يومنا، والخوف الذي يسكن البيوت دون استئذان… حتى الأخبار أصبحت تدخل علينا كل صباح وكأنها تختبر قدرتنا على الاحتمال.
ولهذا، عندما سجل منتخب مصر، لم تهتز الشباك وحدها..اهتزت القلوب.
شعرت أن الناس كانت تتلكك على الفرحة.
كانت تبحث عنها في أي مكان، في أي سبب، في أي هدف، في أي علم يرفرف، في أي أغنية وطنية، في أي حضن بين غريبين لم يعرف أحدهما الآخر إلا لأنهما يهتفان لاسم واحد..مصر.
ربما لهذا بدت الفرحة أكبر من نتيجة مباراة.
كانت فرحة مؤجلة منذ شهور..وربما منذ سنوات.
فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا بالأمان وحده، ولا بالمال وحده. يعيش أيضًا بالأمل. وإذا مات الأمل، أصبحت الأيام مجرد أرقام على التقويم.
كرة القدم لم تحل أزمة، ولم تخفض الأسعار، ولم تُنهِ نزاعًا، لكنها فعلت شيئًا لا تستطيع كثير من القرارات أن تفعله… أعادت إلينا، ولو لساعات، الإحساس بأننا شعب واحد، بقلب واحد، ونبض واحد، وحلم واحد.
وربما لهذا كانت دموعي أقرب من ابتسامتي.
لم أبكِ من أجل الفوز..بل لأنني رأيت شعبًا كاملًا يتذكر كيف يفرح.
أشفقت على الناس وعلي نفسي ، لأنني اكتشفت أن الفرح أصبح رفاهية، وأن الضحكة الصادقة أصبحت حدثًا يستحق الاحتفال، وأن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يتشبث فيها بأي بصيص نور حتى لا يغرق في عتمة الأيام.
لكن وسط كل ذلك، بقي شيء لا يزال يقاوم..الأمل.
هذا الشعب، رغم كل ما مر به، لم يفقد قدرته على أن يرفع رأسه عندما يسمع اسم وطنه. وما دام القلب يخفق لمصر، وما دام الناس يجتمعون على المحبة أكثر مما يجتمعون على الكراهية، فهناك مستقبل لم يُكتب بعد.
قد تكون المباراة انتهت، وقد تنتهي البطولة، لكن المشهد الذي رأيته في الشوارع سيبقى طويلًا في الذاكرة.
لأنني لم أرَ جمهورًا يحتفل بفوز..
بل رأيت وطنًا يتنفس.
وأؤمن أن الله لا يترك القلوب التي ما زالت تؤمن به، ولا الشعوب التي، رغم كل انكساراتها، لا تزال تعرف طريق الفرح إذا مر بها.. ولو للحظة.
ويبقى أجمل ما في كرة القدم أنها تُعلمنا، كل مرة، أن الدقيقة التسعين ليست نهاية الحكاية..بل قد تكون بدايتها.
إلى رجال منتخب مصر..شكرًا لأنكم لم تسجلوا أهدافًا في مرمى المنافس فقط، بل سجلتم ابتسامات على وجوه ملايين المصريين..
ولعل تلك الليلة كانت رسالة خفية تقول لنا: مهما اشتدت الأيام، فإن الله يترك دائمًا بابًا صغيرًا يدخل منه النور… حتى لا ينسى الناس أن الغد ما زال ممكنًا. اللهم أكتب لمصر فرحةً لا تنتهي بانتهاء مباراة، ولا تنطفئ بانطفاء الأضواء، بل تمتد في البيوت، والقلوب، والأيام. اللهم آمين
تحيا مصر 🇪🇬🇪🇬🇪🇬♥️
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم