تقرير: مروة محي الدين
سَتَظَـلُّ أَبَـا خَـالِد فِينَـا.. وَسَيَعْلُـو الْحَـقُّ الْهَـدَّارُ
وَبُذُورُ النَّصْرِ كَتَائِبُنَا.. فِي الْقُدْسِ الْمَوْعِدُ وَالثَّارُ
بهذه الكلمات أحيت كتائب القسام الذكرى السنوية الثانية لاغتيال قائد أركانها العام الأسبق الشهيد “محمد الضيف”، الذي رحل في غارة للاحتلال على خانيونس في 13 يوليو 2024، واستشهد في الغارة ذاتها القائد “رافع سلامة”- قائد لواء خانيونس، ما دفع الكتائب لنشر صورة تجمع بين الشهيدين، تبعتها بنشر صورة ثالثة “لأبي خالد” في شبابه لم يسبق نشرها من قبل.

“الضيف” الذي لم يكن يظهر أمام الشاشات منذ سبتمبر 2002، ليبقى لغزا لدى أجهزة أمن الاحتلال حتى استشهاده، واعتاد الجمهور على ظهوره ظلا وصوتًا، في إعلانات العمليات التي تنفذها الكتائب، وكان آخرها إعلان عملية طوفان الأقصى في فجر السابع من أكتوبر 2023، قبل أن تنشر له كتائب القسام مقطعا مصورا ليلة العملية، بينما يلقى بعض أبيات الشعر عن فلسطين وينظر لخريطتها.
رجل عاش في حب فلسطين والقدس واستشهد لأجلها، رحنا في اليوم نسأل أهالي فلسطين عنه بعد عامين من رحيله، لنعرف وجوده في الوجدان الجماهيري، من فلسطيني المهجر إلى الأسرى المحررين ثم أهالي غزة، لتكون رؤاهم حوله كما في السطور التالية:
فلسطيني المهجر

رؤية الفلسطيني المهاجر للمجاهد الشهيد، تلخصت في أنه حامل راية الكفاح المسلح الذي يزود عن حقه وحقوقهم، فقال عنه الدكتور “أنيس قاسم”- المحامي الدولي والخبير الفلسطيني بالقانون الدولي: “كان الشهيد محمد الضيف ورفاقه في معركة لمصلحة الإنسانية، بينما كانوا يحاولون قطع رأس الحية الصهيونية، التي هي أساس البلاء في العالم كله؛ عليه وعلى رفاقه الرحمه، ولأهلهم ولنا جميعا جميل الصبر والسلوان، ولابد لهذه الأمة أن تنتصر”.
وفي رؤية المناضل “فارس فحماوي”- عضو الهيئة العامة لتنسيقيات المؤتمر الشعبي الفلسطيني- كان “الضيف” أيقونة ملهمة، فبعث لروحه رسالة قال فيها: “إلى روح القائد الشهيد محمد الضيف- أبو خالد، في ذكرى استشهادك… علمتنا أن المقاومة عقيدة، وأن الصبر سلاح، وأن النصر لا يُستجدى بل يُنتزع.
كنتَ الأسد المقدام الذي أرعب المحتل، والعقل الذي خطط، والقلب الذي لم يعرف الخوف. استشهدت كما عشت: مجاهداً في سبيل الله، لا تبتغي إلا تحرير الأرض وتحرير الإنسان، اليوم دمك يوقد العزيمة، وصوتك لا يزال يردد (اثبتوا… فالنصر قريب). ألله أكبر… نم قرير العين يا أبا خالد، وعد الحر دين عليه، ونحن على العهد باقون بعونه تعالى، وإنها لثورة حتى النصر”.
الأسرى المحررين

الأسرى المحررين في صفقة طوفان الأحرار لا سيما أصحاب المؤبدات، كان “الضيف” لهم علامة تاريخية لا يمكنهم نسيانها، فقال عنه الأسير المحرر في الدفعة الأخيرة من الصفقة “ماجد المصري”: “بعد عامين على استشهاد محمد الضيف، تستحضر الذاكرة واحدًا من أبرز القادة العسكريين في تاريخ المقاومة الفلسطينية، والذي يراه كثيرون رمزًا للصمود والثبات في مواجهة الاحتلال. وفي ظل ما يعتبره كثيرون من حالة التخاذل العربي والدولي، بقي اسمه حاضرًا في وجدان مناصريه باعتباره قائدًا كرّس حياته للقتال إلى جانب رجاله، وظل في ساحات المواجهة حتى استشهاده”.
وأضاف: “لقد ترك الضيف بصمةً ستبقى حاضرة في ذاكرة الصراع، ويرى مؤيدوه أن تجربته شكّلت محطة بارزة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وأنها جسّدت إرادة شعب يسعى إلى الحرية والكرامة رغم قسوة الظروف”.
واختتم حديثه لليوم قائلًا: “الرحمة لشهدائنا، والشفاء لجرحانا، والحرية لأسرانا، ونسأل الله أن يحفظ شعبنا الفلسطيني وأن يكتب له الأمن والكرامة والفرج”.
أهل غزة

تباينت وجهات نظر أهل غزة في ظل الظروف القاسية التي يعيشون بسبب الحرب، مع فقدان قطاع كبير منهم لذويهم وأهليهم، بين من يراه شهيدًا مجاهدا قضى في سبيل الله، ومن يراه سببًا في كل ما حل بهم، كما انتابت المخاوف عدد كبير منهم، فكانت اللفتة الأولى لأجوبتهم على السؤال بلهجة فلسطينية عامية “والله ما بعرف حاجة عنه”، ومع شرح الأمر ببساطة وأن الإجابة لا تتطلب معلومة إنما مجرد وصفا شعوريا بسيطا، يبدأون في الحديث الحذر.
بكلمات بسيطة جاء وصف الدكتور “أحمد الفرا”- مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي- لذكرى استشهاد “الضيف”، حيث أجاب عن السؤال عن هذا الحدث بالآية القرآنية: “مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”.
وقالت السيدة “صبحية السيد سليمان” زوجة الصحفي الشهيد “عبد الرحمن العبادلة” الذي راح ضحية الإبادة، بكلمات تنضح بالألم الذي يعتريها والمعاناة التي تعيشها: “ربنا يرحمه ويجعل مثواه الجنة، ويرحم زوجي، ويرحم شهدائنا كلهم، إرحمنا يا الله، ماذا سأقول غير ذلك؟ أنا أمر بفترة صعبة جدا، نريد أن نعيش ولست مستوعبة ما يجري معي، وأشعر أن كل شيء على رأسي، ونعيش في دوامة ولا ندري كيف سنخرج منها؟
وأود لو علم العالم كيف تعاني هنا زوجات الشهداء، حتى الخيمة التي وفروها لنا بالية، ونحصل على المياة بصعوبة، حتى دورة المياة غير متوفرة”.
أما “ماجدة شلوف”- مشرفة تمريض بمستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي- فكانت تحمل في قلبها جرحا غائرًا صنعه فقدان عائلتها بالكامل، لذا قالت عن “الضيف”: “الله يرحمه، ولكن لا سامحهم الله جميعا، لأنهم السبب فى فقدان أهلى وتدمير حياتنا”.
اكتفت بتلك الجملة القصيرة، فعاودنا السؤال للوقوف على حقيقة موقفها: “ألا يمكن أن تكوني قد ظلمته بهذا الحكم؟”، فردت مباشرة: “الله أعلم، لكنني لا أسامح أي شخص كان السبب فى استشهاد أهلى، الله يرحمه ويرحمهم ويسكنهم فسيح جناته”.
ذكرى القائد الشهيد فتحت جرح “سمية رمضان أبو النجا”- النازحة الغزية بخانيونس، التي استشهدت ابنتها بسبب عدم توفر العلاج لحالتها وتأخر نقلها إلى الخارج للعلاج، فسارعت لنفي معرفتها به فقالت بالعامية الفلسطينية: “ما عندي أي خلفية عنه، بس بنسمع من السوشيال ميديا، أنا بعرف بس أنه قائد في حماس”.
ثم استطردت بشهادتها عن مجزرة استشهاده، قائلة: “كان يوم استشهاده مجزرة، مجزرة كبيرة راح فيها الكثير من الشهداء وكتير من الجرحى”.
وتابعت: “الضيف استشهد وارتاح وترك ورائه خوف ورعب ومجاعة، أنا أحزن على كل شهيد، وقد حزنت عليه حينما استشهد، لكن أثناء الحرب يسيطر عليك شعور الخوف فلا تستشعر أي شعور آخر؛ والآن الوضع صعب جدا، فلا نفكر إلا فيما يجري معنا، ومن استشهد ارتاح ولكن نحن نموت بالبطئ، فدائما ما تشعرين أنك سوف تستشهدي في أي وقت، ولا تفكري إلا في كيفية توفير الطعام لأولادك وحمايتهم؛
وأنت تعلمي الظروف التي مرت بي، وما نعيشه ليس حياة، ولا أدري كيف أصفها، حتى أن الكلاب لا تعيشها، ماذا أحكي عن الحرارة وشح المياة والتعليم الذي حرم منه أبنائنا؟ ولو قدر لك أن ترى حياتنا لوجدتها أدنى من كل مستوى تصوراتكم”.
المشهد العام حول المقاوم الأسطورة الذي أرهق الاحتلال وأجهزة استخباراته لأكثر من ثلاثة عقود، يقول أنه باقيا في الذاكرة الفلسطينية وإن اختلفت المواقف حوله، ولكن يبقى السؤال الذي لن تستطيع جريدة اليوم الإجابة عليه: ماذا عن ذاكرة الاحتلال؟ وهل استطاع فعليا أن يطوى صفحة “الضيف” من سجلاته؟
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم