تقرير: سمر صفي الدين
في واحدة من أكثر الانتخابات التمهيدية تكلفة وإثارة في الولايات المتحدة، حقق الطبيب الأمريكي من أصول مصرية الدكتور عبدول السيد (عبد الرحمن السيد)، 41 عامًا، فوزًا لافتًا بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان. متغلبًا على عضوة الكونغرس هايلي ستيفنز، المدعومة من المؤسسة الديمقراطية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، ليتأهل إلى مواجهة الجمهوري مايك روجرز في انتخابات نوفمبر المقبلة.
وتُصنف انتخابات ميشيغان بين أهم سباقات مجلس الشيوخ هذا العام، إذ قد تلعب دورًا حاسمًا في تحديد الحزب الذي سيسيطر على المجلس خلال السنوات المقبلة.
وحسم عبدول السيد السباق بفارق ضئيل، بعدما نال نحو 48.5% من الأصوات مقابل 47.5% لمنافسته، رغم تدفق أكثر من 60 مليون دولار من الإنفاق الخارجي لدعم ستيفنز، كان جانب كبير منه من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” وحلفائها، في واحدة من أغلى الانتخابات التمهيدية في تاريخ الولاية.
فيما أعلن عبدول السيد فوزه عبر حسابه على منصة “إكس”، قائلاً: “شكرًا ميشيغان… أحبكم من أعماق قلبي”، قبل أن يؤكد في منشور لاحق أن حملته ستواصل العمل من أجل “إبعاد المال عن السياسة، وتقديم إغاثة اقتصادية مباشرة للأسر، وتطبيق نظام الرعاية الصحية للجميع (Medicare for All) ، معتبرًا أن النتيجة تمثل انتصارًا لناخبي الولاية على نفوذ المال السياسي.
Money out of politics.
Money in your pocket.
Medicare for All.Michigan…
We won. I am so proud to be your Democratic nominee for US Senate. Let’s win in November. pic.twitter.com/RItVmqrzob
— Dr. Abdul El-Sayed (@AbdulElSayed) August 5, 2026
إسرائيل في قلب المعركة
لم يكن السباق مجرد منافسة على مقعد في مجلس الشيوخ، بل تحول إلى مواجهة سياسية بشأن مستقبل الحزب الديمقراطي وموقفه من إسرائيل والحرب في غزة، إذ تبنى عبدول السيد خطابًا تقدميًا دعا إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل وإعادة توجيهها إلى الإنفاق على الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية داخل الولايات المتحدة.
في المقابل، قدمت هايلي ستيفنز نفسها باعتبارها من أكثر الأصوات دعمًا لإسرائيل داخل الكونغرس، وقالت خلال حملتها الانتخابية: “وفي الكونغرس الأمريكي، سأواصل القتال من أجل شعب إسرائيل. وسأواصل القتال من أجل وجود إسرائيل. إسرائيل تأتي إليّ في أحلامي. أرى مستقبل إسرائيل، وأعلم أن إسرائيل ستستمر في الوجود من أجل الشعب اليهودي.” وهو موقف جعل ملف العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في صلب المنافسة الانتخابية.
عطفًا على ما سبق، عكست خسارة ستيفنز، رغم الدعم المالي والسياسي الكبير الذي تلقته، تنامي نفوذ الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، خصوصًا بين الشباب والجاليات العربية والإسلامية في هذه الولاية، وهي الولاية التي تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية في الولايات المتحدة.
ومن واشنطن، يرى محمد شهود، الصحفي المختص في الشؤون الأمريكية، أن فوز عبدول السيد يمثل إنجازًا سياسيًا مهمًا للتيار التقدمي، لكنه لا يعني أن الطريق إلى مجلس الشيوخ أصبح مضمونًا، مؤكدًا أن “المعركة الحقيقية تبدأ الآن مع الانتخابات العامة، في واحدة من أكثر الولايات الأمريكية تنافسًا”.
وفي حديثه لـ”اليوم”، يضيف شهود أن المقارنة بين عبدول السيد وزهران ممداني ليست دقيقة، موضحًا أن “ممداني خاض انتخابات عمدة نيويورك في مدينة تميل تاريخيًا وبشكل كاسح إلى الديمقراطيين، بينما يدخل عبدول السيد سباقًا في ميشيغان، وهي ولاية متأرجحة يمكن أن يحسمها فارق آلاف قليلة من الأصوات”.
هجوم حاد من ترامب
أثار فوز عبدول السيد ردود فعل سياسية واسعة، كان أبرزها تعليق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعتبر النتيجة مكسبًا للجمهوريين، وكتب عبر منصته: “خبر رائع للحزب الجمهوري. عبد السيد، الشيوعي الفاشل الذي يكره اليهود وإسرائيل، هو الفائز المتوقع.. والآن، لن تزداد سياسات الديمقراطيين الأغبياء المجنونة إلا سوءًا.”
ويعكس هجوم ترامب المبكر إدراك الجمهوريين لأهمية السباق المرتقب في ميشيغان، كما يؤكد أن الانتخابات العامة ستشهد مواجهة حادة حول الاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية، وفي مقدمتها الدعم الأمريكي لإسرائيل.
وفي هذا الصدد، يشير شهود إلى أن صعوبة المهمة لا ترتبط فقط بقوة المنافس الجمهوري، بل أيضًا بطبيعة الولاية نفسها، موضحًا أن “نتائج انتخابات 2024 توضح حجم التحدي، بعدما فاز دونالد ترامب بميشيغان بفارق محدود، كما خسر الجمهوري مايك روجرز مقعد مجلس الشيوخ آنذاك بفارق ضئيل للغاية، ما يعني أنه يمتلك قاعدة انتخابية قوية وتنظيمًا جاهزًا لخوض المعركة مجددًا”.
ويؤكد أن أحد أبرز التحديات أمام المرشح الديمقراطي يتمثل في إعادة توحيد الحزب بعد انتخابات تمهيدية منقسمة، مشيرًا إلى أن “فوز عبدول السيد جاء بفارق محدود على هايلي ستيفنز، التي حظيت بدعم أبرز قيادات الحزب الديمقراطي في ميشيغان، وهو ما يفرض عليه استعادة ثقة الناخبين المعتدلين قبل نوفمبر”.
ويتابع أن الخريطة الانتخابية تكشف تحديًا إضافيًا، إذ “حقق عبدول السيد نتائج قوية في المقاطعات الجامعية والتقدمية، لكنه يحتاج إلى توسيع حضوره داخل الضواحي ومناطق الطبقة الوسطى والناخبين السود، وهي كتل انتخابية لا يمكن لأي ديمقراطي الفوز على مستوى الولاية من دونها”.
هل ينجح في معركة نوفمبر؟
يُعد عبدول السيد، المولود لعائلة مصرية مهاجرة، أحد أبرز الوجوه الصاعدة في الحزب الديمقراطي، إذ سبق أن تولى إدارة قطاع الصحة في مقاطعة وين، واكتسب حضورًا سياسيًا واسعًا بعد حصوله على دعم السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، اللذين اعتبرا حملته نموذجًا لصعود التيار التقدمي في مواجهة المؤسسة الحزبية التقليدية.
ويشير شهود إلى أن مواقف عبدول السيد التقدمية، التي أسهمت في فوزه داخل الحزب، قد تتحول إلى نقطة استهداف رئيسية من جانب الجمهوريين، موضحًا أن “دعمه لنظام الرعاية الصحية الشاملة، وانتقاداته لسياسات الهجرة، وموقفه الرافض للدعم العسكري الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، ستكون ملفات أساسية في حملة مايك روجرز الانتخابية”.
ومع ذلك، يرى أن فرص المرشح الأمريكي من أصول مصرية ما تزال قائمة، لافتًا إلى أن “نجاحه في هزيمة منافسة مدعومة بإنفاق انتخابي ضخم أثبت قدرته على بناء حملة شعبية فعالة، كما أن خطابه الاقتصادي بشأن تكاليف العلاج، والضرائب، ونفوذ الشركات الكبرى قد يجذب ناخبين مستقلين خارج القاعدة التقدمية، ما يجعل سباق ميشيغان من أكثر المنافسات المفتوحة في انتخابات مجلس الشيوخ المقبلة”.
وبينما منح الفوز في الانتخابات التمهيدية دفعة قوية للتيار التقدمي ورسالة بأن المال السياسي لم يعد وحده قادرًا على حسم النتائج، فإن الانتخابات العامة ستكون الاختبار الحقيقي لقدرة عبدول السيد على تحويل هذا الزخم إلى انتصار في ولاية متأرجحة قد تسهم نتيجتها في رسم ميزان القوى داخل مجلس الشيوخ الأمريكي خلال السنوات المقبلة.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم

