أعلاف المستقبل.. هل يستغني الاستزراع السمكي عن مسحوق الأسماك؟

لم تعد زيادة إنتاج الأسماك وحدها هي القضية التي تشغل صناعة الاستزراع المائي عالميًا، فخلف كل كيلو جرام يصل إلى الأسواق معادلة أخرى لا تقل أهمية تتعلق بما تأكله الأسماك، وتكلفة هذا الغذاء، ومدى قدرة الصناعة على توفيره دون استنزاف موارد طبيعية محدودة.

وفي قلب هذه المعادلة يقف مسحوق الأسماك، الذي ظل لعقود أحد أهم مكونات الأعلاف بفضل ارتفاع محتواه من البروتين، الذي يتجاوز 60 إلى 70%، فضلًا عن احتوائه على الأحماض الأمينية الأساسية وسهولة هضمه. إلا أن الضغوط على المصايد الطبيعية وتقلبات الأسعار دفعت صناعة الأعلاف إلى البحث عن معادلة جديدة تقلل اعتمادها على هذا المكون دون التأثير في نمو الأسماك وجودة المنتج.

وتطرح دراسة أعدها أ.د.م. أحمد سلام، بمعمل تغذية الأسماك بشعبة تربية الأحياء المائية في المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، سؤالًا يتجاوز فكرة البحث عن خامة بديلة: هل يتجه العالم بالفعل إلى الاستغناء عن مسحوق الأسماك، أم أن المستقبل سيكون لإعادة تصميم العلف نفسه؟

وتشير الدراسة إلى أن مسحوق الأسماك لا يزال يتمتع بقيمة غذائية يصعب تجاهلها؛ فهو لا يوفر البروتين فقط، وإنما يمثل مصدرًا للأحماض الدهنية طويلة السلسلة من عائلة «أوميغا 3»، وفي مقدمتها EPA وDHA، فضلًا عن الليسين والميثيونين والفوسفور وعدد من المعادن المهمة. لكن الاعتماد الكبير عليه أصبح يمثل عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا مع محدودية الموارد البحرية المستخدمة في إنتاجه.

ومن هنا تغير اتجاه البحث العلمي؛ فلم تعد المسألة قائمة على العثور على مكون واحد يزيح مسحوق الأسماك من تركيبة العلف، وإنما الوصول إلى مزيج من المصادر يستطيع توفير الاحتياجات الغذائية للأسماك بأعلى كفاءة وأفضل تكلفة ممكنة.

وتأتي البروتينات النباتية، وفي مقدمتها فول الصويا والكانولا ودوار الشمس، في مقدمة البدائل التي دخلت بالفعل صناعة الأعلاف، مستفيدة من وفرتها واستقرار سلاسل إمدادها وانخفاض تكلفتها نسبيًا. لكن استخدامها ليس حلًا جاهزًا في جميع الحالات، إذ تحتوي بعض المصادر النباتية على مركبات قد تؤثر في الهضم، كما تختلف في توازن الأحماض الأمينية مقارنة بالاحتياجات الغذائية لبعض أنواع الأسماك.

ولذلك يتجه الباحثون إلى معالجة هذه المكونات وخلط أكثر من مصدر بروتيني، مع إضافة الأحماض الأمينية والمكونات الغذائية اللازمة، بدلًا من الاعتماد على الاستبدال المباشر لمكون بآخر.

وإذا كان النبات هو البديل الأكثر حضورًا، فإن الحشرات تمثل واحدًا من أكثر المسارات الجديدة إثارة للاهتمام. وتبرز يرقات ذبابة الجندي الأسود بوصفها مصدرًا محتملًا للبروتين والدهون، خاصة مع إمكانية تربيتها باستخدام المخلفات العضوية، وهو ما يمنحها بعدًا اقتصاديًا وبيئيًا يرتبط بإعادة تدوير الموارد.

ولا تتوقف قيمتها عند البروتين، إذ تشير الدراسة إلى احتوائها على حمض اللوريك ذي الخصائص المضادة للميكروبات، إلى جانب «الكيتين» الذي يمكن أن يسهم في تحفيز الجهاز المناعي للأسماك. ومع ذلك، يظل التوسع التجاري مرهونًا بحسم ملفات التكلفة والأمان ونسب الاستخدام والتشريعات المنظمة ومدى تأثيرها في نمو الأسماك وجودة المنتج النهائي.

وفي اتجاه آخر، تضع الأبحاث الطحالب الدقيقة ضمن المكونات المرشحة للعب دور متزايد في «أعلاف الجيل الجديد»، ليس فقط لاحتوائها على البروتين، ولكن لقدرتها على توفير مركبات غذائية وأحماض دهنية مهمة، وفي مقدمتها «أوميغا 3».

وتكتسب الطحالب أهمية إضافية لأنها تنتمي إلى البيئة المائية نفسها، ويمكن إنتاجها من خلال نظم استزراع متنوعة، بما يفتح المجال أمام استخدامها كمكون ضمن تركيبات غذائية أكثر تكاملًا، وليس مجرد بديل مباشر لمسحوق الأسماك.

أما الرهان الأكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا الحيوية فيأتي من البروتينات الميكروبية أو «بروتين الخلية الواحدة»، حيث يمكن استخدام البكتيريا والخمائر وبعض الكائنات الدقيقة لإنتاج كتل حيوية غنية بالبروتين داخل نظم يمكن التحكم فيها، دون الحاجة إلى مساحات زراعية واسعة أو الاعتماد المباشر على المصايد.

ورغم ما يتيحه هذا الاتجاه من إمكانات، فإن انتقاله إلى نطاق تجاري واسع يتوقف على قدرته على المنافسة من حيث التكلفة والقيمة الغذائية والأمان واستقرار الإنتاج وقابلية التوسع، فضلًا عن تقييم أثره البيئي وقبول السوق له.

لكن الدراسة تلفت الانتباه إلى نقطة شديدة الأهمية: ليس كل بديل يحمل صفة «مستدام» أكثر حفاظًا على البيئة بالضرورة.

فالانتقال من المكونات البحرية إلى مصادر أخرى قد يخفض الضغط على المصايد، لكنه يمكن في المقابل أن يزيد استخدام الأراضي أو المياه العذبة والطاقة، كما أن انخفاض كفاءة تحويل العلف قد يؤدي إلى زيادة الكميات المستخدمة وارتفاع الفاقد.

ومن ثم، فإن الحكم على أي مكون جديد ينبغي ألا يبدأ من مصدره فقط، بل من «دورة حياته» كاملة؛ منذ إنتاج المادة الخام ونقلها وتصنيعها، وحتى هضمها وكفاءة تحويلها إلى نمو فعلي وتأثيرها البيئي النهائي.

وهنا تتضح الملامح الحقيقية للتحول الذي تشهده صناعة الأعلاف عالميًا. فالمستقبل، وفق الدراسة، ليس بالضرورة علفًا يخلو تمامًا من مسحوق الأسماك، وإنما تركيبة أكثر ذكاءً ومرونة تجمع بين البروتين النباتي والحشري والميكروبي والطحالب والمنتجات الثانوية للقطاعين الزراعي والسمكي، وتضيف إليها العناصر اللازمة لتحسين الهضم والامتصاص ودعم صحة الأسماك.

وبهذا المفهوم يتحول متخصص تغذية الأسماك من مجرد اختيار أرخص الخامات أو المفاضلة بينها إلى تصميم نظام غذائي متكامل يوازن بين أربعة عناصر رئيسية: النمو، وصحة الأسماك، والتكلفة الاقتصادية، والأثر البيئي.

فرصة أمام الاستزراع السمكي المصري

في مصر، لا تقف القضية عند حدود التطور العلمي في صناعة الأعلاف، بل تمتد إلى فرص توطين جانب أكبر من مدخلات الإنتاج.

وترى الدراسة أن القاعدة العلمية والبنية الأساسية التي يمتلكها قطاع الاستزراع المائي المصري تتيح فرصة للتوسع في دراسة البدائل المحلية، بما في ذلك المخلفات الزراعية والغذائية بعد معالجتها، والطحالب والبروتينات الميكروبية، مع تطوير تركيبات غذائية تتلاءم مع الأنواع الرئيسية في المزارع المصرية، ومنها البلطي والدنيس والقاروص والجمبري.

ويمكن لهذا الاتجاه أن يفتح الباب أمام الاستفادة من المخلفات والمنتجات الثانوية وتحويلها إلى مكونات ذات قيمة غذائية، بما يدعم مفاهيم الاقتصاد الدائري والأزرق ويرفع كفاءة استخدام الموارد.

غير أن الانتقال من الفكرة إلى الصناعة يتطلب دورًا أكبر للمؤسسات البحثية، خاصة في نقل التجارب من المعامل إلى المستويات شبه التجارية والتجارية، بحيث تخضع البدائل الجديدة لاختبارات حقيقية للجدوى الاقتصادية والسلامة الحيوية والأثر البيئي قبل التوسع في استخدامها.

وفي النهاية، ربما لا يختفي مسحوق الأسماك من الأعلاف قريبًا، لكن ما يبدو أقرب إلى الحدوث هو انتهاء عصر الاعتماد على مكون واحد بوصفه حجر الأساس في صناعة العلف.

فالمنافسة القادمة لن تكون بين مسحوق الأسماك وفول الصويا أو الحشرات أو الطحالب، وإنما بين التركيبات الأكثر قدرة على المزج بين هذه المصادر وفق احتياجات كل نوع من الأسماك والموارد المتاحة وتكلفة الإنتاج.

وهكذا يصبح السؤال الأهم لصناعة الاستزراع السمكي في السنوات المقبلة ليس: ما البديل لمسحوق الأسماك؟ وإنما: كيف يمكن إنتاج كمية أكبر من البروتين السمكي بعلف أكثر كفاءة، وموارد أقل، وتكلفة قابلة للاستمرار؟

وعند الإجابة عن هذا السؤال، تبدأ فعليًا ملامح الجيل الجديد من الاستزراع السمكي.

اترك رد