دعت دار الإفتاء المصرية صُنّاع المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تعزيز الوعي الرقمي لدى الأطفال والشباب، من خلال إنتاج محتوى توعوي هادف يخاطب هذه الفئات وأولياء الأمور بلغة عصرية تتناسب مع طبيعة العصر ووسائل التواصل الحديثة، ويسهم في حمايتهم من المخاطر الفكرية والنفسية والسلوكية المرتبطة بالفضاء الإلكتروني.
وأكدت الدار، في منشور عبر صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك»، أهمية توظيف الوسائط الرقمية الحديثة في نشر القيم النبيلة، وتعزيز السلوك المنضبط، والحد من الآثار السلبية التي قد يتعرض لها الأطفال والشباب أثناء استخدام الإنترنت، مشددة على ضرورة أن تتكامل هذه الجهود مع دور الأسرة في المتابعة والرقابة الواعية.
وتأتي هذه الدعوة في إطار التأكيد على أهمية التعامل المسؤول مع التطور الرقمي، والاستفادة من إمكانات مواقع التواصل الاجتماعي في نشر الوعي، بدلًا من ترك الأطفال والشباب عرضة للمحتوى الضار أو الممارسات الإلكترونية التي قد تؤثر سلبًا على سلوكهم وتكوينهم النفسي والأخلاقي.
شددت دار الإفتاء المصرية على أهمية الدور الذي يؤديه صُنّاع المحتوى في تشكيل وعي مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة الأطفال والمراهقين الذين يتعاملون بصورة متزايدة مع الوسائط الرقمية والألعاب الإلكترونية.
وأوضحت أن إنتاج محتوى توعوي مناسب لهذه الفئات يتطلب استخدام لغة عصرية وأدوات تواصل قادرة على الوصول إليهم والتأثير الإيجابي في سلوكهم، مع مراعاة طبيعة اهتماماتهم واحتياجاتهم العمرية.
وأكدت الدار أن المسؤولية لا تقتصر على التحذير من مخاطر الإنترنت، وإنما تشمل تقديم بدائل إيجابية تسهم في تنمية التفكير السليم، وتعزيز القيم الأخلاقية، وتشجيع السلوك المسؤول في التعامل مع التكنولوجيا.
كما دعت إلى توظيف الإمكانات التي تتيحها المنصات الرقمية في مواجهة المخاطر الفكرية والنفسية والسلوكية، بما يساعد على بناء بيئة إلكترونية أكثر أمانًا، ويحمي الأطفال والشباب من المحتوى الذي قد يؤثر سلبًا على أفكارهم أو علاقاتهم الاجتماعية أو استقرارهم النفسي.
وفي سياق متصل، أكدت دار الإفتاء المصرية أن المتابعة الأبوية للأبناء، بما تتضمنه من توجيه وإشراف على المحتوى الذي يتعرضون له، تشمل منعهم من ممارسة ألعاب الفيديو العنيفة التي قد تسهم في تعزيز السلوك العدواني لدى الأطفال والمراهقين.
وأشارت الدار إلى أن الأبحاث العلمية تناولت العلاقة بين بعض الألعاب العنيفة والسلوك العدواني، موضحة أن التعرض المتكرر لمحتوى يتضمن العنف قد يرتبط بزيادة الاستجابات العدوانية لدى بعض الأطفال والمراهقين في مواقف مختلفة.
وشددت على ضرورة أن ينتبه أولياء الأمور إلى طبيعة الألعاب التي يمارسها أبناؤهم، وألا يقتصر دورهم على توفير الأجهزة الإلكترونية أو السماح باستخدامها، بل ينبغي متابعة محتواها، والتعرف على الرسائل والسلوكيات التي قد تنقلها إلى الطفل.
وتتطلب هذه المتابعة، وفقًا لما أكدته الدار، وعيًا بطبيعة الألعاب المناسبة لكل مرحلة عمرية، وقدرة على التمييز بين الألعاب التي تقدم أنشطة مفيدة لتنمية المهارات، وتلك التي تتضمن مشاهد أو ممارسات قد تضر بالسلوك أو الصحة النفسية أو القيم الأخلاقية للأطفال.
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن ممارسة الأطفال للألعاب الإلكترونية لا تكون جائزة إذا ترتب عليها ضرر واضح في نفسية الطفل أو سلوكه، أو أسهمت في غرس العنف وحب السيطرة والعدوانية لديه، أو أدت إلى الإدمان والانشغال المفرط عن مسؤولياته اليومية.
وحددت الدار عددًا من الحالات التي تستدعي منع الطفل من ممارسة هذه الألعاب، من بينها أن تؤدي إلى استحواذها على معظم وقته، بما يمنعه من المذاكرة والدراسة أو التواصل مع أفراد أسرته والآخرين، أو أن ترتبط بظهور آثار نفسية سلبية، مثل القلق والاكتئاب، أو تدفع إلى سلوكيات شديدة الخطورة.
كما أكدت أن الألعاب التي تتضمن المقامرة المحرمة شرعًا لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد وسيلة للترفيه، لما تنطوي عليه من محظورات شرعية.
ويعني ذلك أن الحكم على الألعاب الإلكترونية لا يتوقف على كونها وسيلة حديثة للترفيه فحسب، وإنما يرتبط بطبيعة محتواها، والآثار المترتبة على ممارستها، ومدى تأثيرها على سلوك الطفل وصحته النفسية والتزاماته الدراسية والاجتماعية.
في المقابل، أوضحت دار الإفتاء أن ممارسة الألعاب الإلكترونية تكون جائزة ما دامت مناسبة للمرحلة العمرية للطفل، وتحقق منفعة أو تقدم قدرًا من الترفيه المباح، دون أن يترتب عليها ضرر نفسي أو أخلاقي أو سلوكي.
وذكرت الدار أن من صور النفع التي يمكن أن تحققها بعض الألعاب تنمية القدرات الذهنية، وتوسيع المدارك، وتطوير بعض المهارات، فضلًا عن إشباع حاجة الطفل إلى اللعب والترفيه بصورة متوازنة.
لكنها شددت على ضرورة خلو هذه الألعاب من المحظورات الشرعية والأخلاقية، ومن بينها المقامرة والمحتوى الإباحي، وكذلك المحتوى الذي يتضمن ممارسات ضارة أو يشجع على السلوك العدواني، وفقًا لطبيعة اللعبة وما تشتمل عليه من مشاهد وممارسات.
كما أكدت أهمية ألا تستحوذ الألعاب على وقت الطفل بالكامل، أو تشغله عن أداء واجباته الدراسية والأسرية والاجتماعية، مع ضرورة خضوع ممارسته لها لإشراف ولي الأمر، بما يسمح بمتابعة سلوكه والتأكد من أن استخدامها لا يؤثر سلبًا على أخلاقه أو صحته النفسية.
وأشارت الدار كذلك إلى ضرورة مراعاة القوانين المعمول بها في الدولة، والابتعاد عن الألعاب المحظورة قانونًا أو التي قد تشجع على الإخلال بالنظام العام أو أمن المجتمع.
وبذلك، تقوم الضوابط التي أوضحتها دار الإفتاء على تحقيق التوازن بين حق الطفل في اللعب والترفيه، وضرورة حمايته من المحتوى الضار، مع مراعاة عمره واحتياجاته النفسية والتربوية.
وتبرز في توجيهات دار الإفتاء أهمية الدور الذي تؤديه الأسرة في توجيه الأطفال نحو الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، من خلال التعرف على الألعاب التي يمارسونها، ومتابعة الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات، والتأكد من ملاءمة المحتوى لأعمارهم.
ولا تقتصر هذه المسؤولية على منع الألعاب الضارة، بل تشمل أيضًا توعية الأبناء بمخاطر بعض الممارسات الإلكترونية، وتشجيعهم على التوازن بين استخدام الأجهزة الرقمية والدراسة والأنشطة الاجتماعية والتواصل الأسري.
كما تساعد المتابعة الواعية على اكتشاف التغيرات التي قد تطرأ على سلوك الطفل أو حالته النفسية نتيجة الاستخدام المفرط للألعاب، بما يتيح للأسرة التدخل في الوقت المناسب، وتقديم الدعم والتوجيه اللازمين.
وتتسق هذه الرؤية مع دعوة الدار إلى تعزيز دور صُنّاع المحتوى في نشر الوعي الرقمي، إذ تتكامل مسؤولية الأسرة مع مسؤولية المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية في توفير بيئة أكثر أمانًا للأطفال والشباب.
واستشهدت دار الإفتاء المصرية بمواقف من السيرة النبوية الشريفة تؤكد أهمية الرفق بالأطفال، ومراعاة مشاعرهم، والتعامل معهم بالاحترام والتقدير، بما يعكس منهجًا تربويًا يقوم على الرحمة والحوار.
ومن هذه المواقف ما ورد عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُتي بقدح فشرب منه، وكان عن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فاستأذن الغلام في إعطاء الأشياخ قبله، فقال الغلام إنه لا يؤثر أحدًا بنصيبه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأعطاه النبي القدح.
ويبرز هذا الموقف النبوي احترام شخصية الطفل ومراعاة حقه، وعدم الانتقاص من مكانته بسبب صغر سنه، وهو ما يؤكد أهمية التعامل مع الأطفال باعتبارهم أصحاب احتياجات نفسية وتربوية تستحق الاهتمام.
وتشير دلالات هذا الموقف إلى أن التربية السليمة لا تقوم على الأوامر والمنع وحدهما، وإنما تشمل أيضًا احترام الطفل، والاستماع إليه، ومراعاة مشاعره، وتعليمه القيم من خلال المواقف العملية.
كما استشهدت دار الإفتاء بموقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أم عبد الله بن عامر، عندما دعت ابنها لتعطيه شيئًا في حضوره، فسألها النبي عما أرادت أن تعطيه، فأخبرته بأنها أرادت إعطاءه تمرًا، فبيّن لها أنها لو لم تفعل لكان ذلك كذبًا.
ويؤكد هذا الموقف أهمية الصدق في التعامل مع الأطفال، وضرورة أن يلتزم الوالدان بالقيم التي يرغبان في غرسها في نفوس أبنائهما، لأن التربية لا تعتمد على التوجيه اللفظي وحده، بل تتأثر كذلك بما يراه الطفل من سلوكيات داخل أسرته.
وتتصل هذه المعاني بواقع التعامل مع الأطفال في البيئة الرقمية، إذ يحتاج الأبناء إلى التوجيه الصادق والواضح بشأن مخاطر الإنترنت، بعيدًا عن التهويل أو تقديم معلومات غير دقيقة، مع إتاحة مساحة للحوار وطرح الأسئلة والتعبير عن المخاوف.
وتؤكد رسائل دار الإفتاء المصرية أن حماية الأطفال والشباب من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية تتطلب تعاونًا بين الأسرة وصُنّاع المحتوى والمؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم