مقالات

رشا خميس تكتب: حين تفقد الأحزاب بوصلتها

في زمنٍ تحوّلت فيه السياسة من ساحة صراع أفكار إلى مجرّد “واجهة” لعرض الوجوه، تكشف كواليس بعض الأحزاب اليوم عن واقع لا يمكن تجميله أو الالتفاف حوله: مساحاتٌ مترامية من الفوضى، وغيابٌ صارخ للعقيدة، وصعودٌ لافت للانتهازية التي تزاحم الفكرة وتبتلع المشروع.

فالأحزاب التي وُلدت تاريخيًا لتكون مصانع للرؤى وحواضن للبرامج، باتت داخل بعض الكيانات مجرد مضمار لمطاردة المصالح، وإعادة تدوير أسماء لا تحمل مشروعًا ولا تمتلك رؤية. وفي الوقت الذي تُقصى فيه الكفاءات الحقيقية، تتوسع شبكات النفوذ الضيقة، وتُحكم قبضتها على القرار، حتى يصبح الانتماء للحزب ليس خيارًا فكريًا بل صفقة.

وحين تتحوّل العقيدة الحزبية إلى ورق بلا روح، وينحصر الولاء في المكاسب، وتُدار التحالفات في غرف مغلقة بعيدًا عن قواعد اللعبة الديمقراطية، يصبح فقدان المواطن ثقته أمرًا طبيعيًا، بل منطقيًا، ويصبح سقوط وزن العمل السياسي نتيجة متوقعة لانهيار الأساس الذي يقوم عليه.

ما يحدث اليوم في بعض الأحزاب ليس اختلافًا حول برنامج، ولا نقاشًا في توجه بل هو صراع بين من يريد حزبًا يسير على خط واضح، وبين من يريد حزبًا يسير خلف مصلحته، صراع بين مشروع يطمح للنهضة، وشبكات تبحث عن البقاء.

والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أنّ السياسة لا تنهض بالشعارات، ولا تستقيم بالعلاقات، ولا تثمر بالتحالفات المؤقتة، السياسة تنبعث من قلب الفكرة.. من وضوح المشروع.. من قدرة الكيان على أن يكون أكبر من أفراده، وأقوى من نزاعاتهم، وأعمق من مصالحهم.

لن يستعيد العمل السياسي عافيته إلا حين تعود الأحزاب إلى أصلها الأول:

فكرة قبل الأشخاص، مشروع قبل المناصب، ووطن قبل كل الحسابات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى