التنظيف السيبراني بفورست سيتي.. ماليزيا تتحدى الغرب وتعمق مواجهتها مع الاحتلال 

تقرير: مروة محي الدين

في قرار أثار موجة من الجدل، أصدرت الحكومة الماليزية بقيادة “أنور إبراهيم” قرارًا بمنع دخول حاملي جوازات السفر الإسرائيلية إلى أراضيها نهائيًا، وتعقب الموجودين منهم في البلاد وترحيلهم، حيث قدم برهانا على موقف كوالالمبور الصارم من إسرائيل وما ترتكبه من جرائم ضد الفلسطينيين.

ولما جاء الموقف عقب التحقيقات في مجتمعات المطورين التقنيين و(المغتربين الرقميين- Digital Nomads) في مشروع “فورست سيتي” في ولاية جوهور، الذي تسلل إليه إسرائيليون عبر تلك المجتمعات بجوازات سفر مزدوجة، ما أثار التساؤلات حول ارتباط تلك القرارات بقضايا الأمن القومي، رحنا في جريدة اليوم نبحث هذا الموقف بين إطره التاريخية وقضاياه المعاصرة.

الثوابت الدبلوماسية والتاريخية

تتبنى كوالالمبور منذ استقلالها عام 1957 سياسة عدم الاعتراف بإسرائيل، وعليه لا توجد أية علاقات دبلوماسية أو قنصلية رسمية بينهما حتى الآن، كما يحمل جواز السفر الماليزي عبارة صريحة مطبوعة على غلافه الداخلي تقول: “هذا الجواز صالح لجميع الدول باستثناء إسرائيل”، وتمنع ماليزيا دخول حاملي الهوية الزرقاء إلى أراضيها، إلا بتصاريح خطية مسبقة من وزارة الداخلية- ما تم إيقافه نهائيا الآن.

وفي عهد الثعلب الماليزي “مهاتير محمد”، رفض السماح بدخول الرياضيين الإسرائيليين إلى بلاده، ما دفع اللجنة البارالمبية الدولية لسحب حق تنظيم بطولة العالم للسباحة منها، لترد الحكومة بأن “مبادئ ماليزيا تجاه القضية الفلسطينية أهم من استضافة أي حدث رياضي”.

وفي رد فعل مباشر على جرائم الإبادة في غزة، أكمل “إبراهيم” ذلك الحراك- في ديسمبر عام 2023- بإصدار قرار رسمي بمنع شركة الشحن الإسرائيلية (زيم- ZIM) من أن ترسو على أي ميناء ماليزي، وكذلك حظر تفريغ حمولة أي سفينة ترفع علم إسرائيل أو تتجه إلى الأراضي المحتلة في الموانئ الماليزية.

لكن تلك المواقف والقرارات لم تستطع الصمود أمام الواقع الرقمي الذي فرضته التكنولوجيا في “فورست سيتي”، حيث نجحت الجوازات المزدوجة والهويات الرقمية في كسر شروط الحظر التقليدية على الحدود.

وذلك على الرغم من تأكيد الدكتور “أوي كي بينج”- المدير التنفيذي لمعهد بينانج بماليزيا- في تصريحات خاصة لموقع اليوم ثبات الموقف الماليزي في تلك القضية، فقال: “في المستقبل المنظور، سيبقى الموقف التاريخي الماليزي من تلك القضية، فما من سبب يدفع أي زعيم ماليزي من الأحزاب الحاكمة ذات القاعدة الشعبية الملاوية إلى تغيير هذا الموقف المثير للجدل”.

 

ثغرة المغتربين الرقميين

القرارات الأخيرة للحكومة الماليزية ألقت بظلالها على مشروع “فورست سيتي”- أحد أكبر المشروعات التكنولوجية في منطقة جنوب شرق آسيا، حيث تخطت الموقف الدبلوماسي التقليدي لتصبح عملية تنظيف سيبراني وأمني واسعة النطاق، هدفها سد الثغرات التي تسللت منها شبكات الاستخبارات، تحت غطاء التطوير التقني.

وكانت شبكات الاستخبارات الإسرائيلية قد استغلت البيئة المفتوحة في المشروع ليتسلل عناصرها وخلاياها الرقمية- حيث كانت “فورست سيتي” وجهة مفتوحة لمهندسي البرمجيات ومطوري الذكاء الاصطناعي ومجتمعات المغتربين الرقميين- لتكشف التحقيقات الأمنية الأخيرة أنهم نجحوا في الدخول للبلاد عبر الهويات المزدوجة، إذ يحملون جنسيات أخرى أوروبية أو أمريكية، ومن ثم لم يحتاجوا للحصول على تأشيرات للدخول، كما استطاعوا الحصول على إقامات مرنة دون إثارة للشبهات.

وهنا كانت الصفعة الأمنية الماليزية، حيث تمكنت استخبارات البلاد من كشف حقيقة هويات أولئك المطورين المحظور دخولها، عبر تتبع البصمات الرقمية، ومراقبة تدفقات الأموال وعقود العمل الحر عبر المنصات التقنية والعملات المشفرة.

وقد أوضح “بينج” أبعاد القرارات الأخيرة المتصلة بتلك القضية وأنها تقتصر على الاحتلال وحدة، فقال: “لا تشكل الجوازات المزدوجة مشكلة سوى حين يتعلق الأمر بالبلاد التي تحظر ماليزيا دخول رعاياها، وحتى الآن هي كيانا وحيدا هو إسرائيل. وعليه هي ليست مشكلة في حد ذاتها، فيما يتعلق بالهجرة إلى ماليزيا بخلاف تلك الحالات؛ حيث أنه مع معظم الدول، تحظى إدارة الهجرة بصلاحيات واسعة لتنظيم دخول الأجانب وخروجهم، لا سيما فيما يخص تصريحات العمل”.

 

التنظيف السيبراني وتاريخ الاختراقات

تأتي عملية التنظيف السيبراني الشاملة في فورست سيتي التي تستهدفها القرارات الأخيرة جزءًا من تحركات أمنية مشروعة، ولدتها حوادث الاختراق المتكررة في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها عملية اغتيال المهندس الفلسطيني “فادي البطش” في كوالالمبور عام 2018، حيث أشارت الحكومة بأصابع الاتهام مباشرة لجهاز الموساد.

ولم يتوقف الاختراق عند هذا الحادث، إذ نجحت أجهزة الأمن الماليزية عام 2022 في كشف شبكة تجسس محلية تابعة للموساد، كانت تستهدف اختطاف المبرمجين الفلسطينيين وخبراء التكنولوجيا المتواجدين في البلاد.

من هنا دق ناقوس حماية السيادة الوطنية، عبر تشديد الرقابة على المشروعات التقنية الكبرى، مثل: فورست سيتي، لمنع تكرار تلك العمليات، حتى لا تتحول المدن الاستثمارية إلى ساحات تصفيات استخباراتية.

وفي رؤية “بينج” أن القضية أعمق بكثير من البعد الاستخباراتي، فقال موضحًا الأمر: “القضية الأساسية في النهاية لا تقتصر على الأمور الاستخباراتية، بل تتعداها إلى ما يكشف للعلن بشكل محرج أو مثير لللغط، حيث أن الإستراتيجية المتبعة في هذا المجال طويلة الأمد وأساسية في السياسات الأمنية لأي حكومة كفؤ في العالم”.

 

المواجهة الغربية

القرارات الماليزية الجريئة في السنوات الأخيرة التي اختتمت بقرار ترحيل الإسرائيليين، لم يستقبلها اللوبي الغربي الداعم للاحتلال بالصمت أو التجاهل، فقد كشف رئيس الوزراء الماليزي تلقيه مذكرات رسمية من السفارة الأمريكية في بلاده، تعلن الاحتجاج على المواقف الماليزية، وتضغط عليه لتغيير مواقفه الداعمة للمقاومة الفلسطينية.

كذلك راح نواب الكونجرس بقيادة “جريج لاندسمان” على سبيل المثال يتحركون لممارسة الضغط الاقتصادي على كوالالمبور، حيث طالبوا بمراجعة الاتفاقيات التجارية معها والمساعدات الموجهة لها، متهمين إياها بفرض إجراءات تمييزية، ووجهوا انتقادات حادة للسياسات الماليزية، لا سيما قرار حظر الموانئ وترحيل حاملي الهويات الإسرائيلية، ملوحين بفرض قيود مالية وعقوبات عليها.

وفي سياق الموقف الماليزي وإمكانية ثباته وصموده أمام تلك الضغوط، لفت المدير التنفيذي لمعهد بينانج إلى أن “زعماء ماليزيا لا يمكنهم تحمل التعبير عن الدعم لإسرائيل في معظم الأمور، إذ أن تلك القضية تمثل خطًا أحمرًا بالنسبة لهم”.

وأمام التلويح بإمكانية تأثير القرارات السياسية الماليزية على تدفق الاستثمارات للمشروعات التكنولوجية الكبرى والمدن الذكية، التي تقدر بمليارات الدولارات، تقف حكومة “إبراهيم” أمام موازنة معقدة بين الحفاظ على المشروعات الاستثمارية الكبرى، والتوافق مع الموقف الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية، وعدم تقديم تنازلات تضر بالأمن القومي للبلاد.

لكن “بينج” عاد يرجح في ختام تصريحاته لليوم ثبات الموقف الماليزي من الاحتلال والقضية الفلسطينية والتوافق الشعبي والسياسي عليه، مشيرًا إلى أن “السياسات الماليزية تتميز بالحساسية البالغة نحو القضايا الدينية والعرقية، وتتسم ديمقراطية البلاد بنزعة شعبوية راسخة داعمة للتضامن الإسلامي الماليزي، ومن ثم لن يخرج أي زعيم ماليزي على هذا التوجه دون سبب وجيه للغاية”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *