حقول الموت.. كيف تحولت الأرض الزراعية إلى كابوس لأهالي الشرقية؟

ثلاثة نعوش في عشرة أيام.. الشرقية تعيش على وقع لدغات الكوبرا

كتبت – رشا خميس:
لم تكن الطفلة ملك تعلم أن خروجها إلى جوار الأراضي الزراعية في قرية كفر حسين الطوبجي سيكون رحلتها الأخيرة. لحظات قليلة كانت كافية لتحول لدغة ثعبان كوبرا إلى مأساة جديدة، ولتضيف اسمها إلى قائمة ضحايا باتت تطول في مركز منيا القمح، حيث أصبحت خلال أقل من عشرة أيام الضحية الثالثة التي تفارق الحياة بسبب لدغات الثعابين.

لكن حكاية ملك لم تبدأ معها. قبلها بأيام، كانت السيدة سهام تقف إلى جوار زوجها داخل حقل الأرز بقرية القراقرة المجاورة لكفر حسين الطوبجي، تساعده في غرس الشتلات. وبينما كانت تنحني بين النباتات، شعرت بلدغة مفاجئة. لمحت ثعبانا ينساب سريعا بين الزرع قبل أن يختفي. حاول الأهالي إنقاذها، ونُقلت إلى المستشفى، إلا أنها لفظت أنفاسها الأخيرة متأثرة بسم اللدغة.

ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى دوّى الخبر مرة أخرى داخل القرية. كان الطفل عبدالرحمن إبراهيم، ذو الأعوام العشرة، يجمع محصول البامية إلى جوار والدته. يتحرك بين خطوط الزراعة بخطوات طفل اعتاد مرافقة أسرته إلى الأرض. فجأة توقف، ووضع يده على جسده من شدة الألم. رفعت الأم رأسها لتشاهد أفعى كوبرا تنسل بين النباتات وتختفي بعيدًا، بينما بدأت علامات الإعياء تظهر سريعًا على طفلها.

حمله الأهالي مسرعين إلى المستشفى على أمل إنقاذه، لكن السم كان أسرع من الطريق، وفارق الحياة قبل أن يصل إلى العلاج، لتغرق القرية في صدمة جديدة لم تكد تستوعب سابقتها.

ثلاثة ضحايا في أيام معدودة كانت كافية لتحويل الخوف إلى واقع يومي. أصبح كثير من المزارعين يترددون في دخول الحقول، خاصة مع موسم زراعة الأرز وجمع المحاصيل، حيث يزداد الاحتكاك بالحشائش والمصارف والمناطق التي قد تختبئ فيها الزواحف السامة.

ويقول أحمد جاويش، أحد أهالي القرية، إنه تواصل مع أحد صيادي الأفاعي، الذي وعد بتجميع فريق من المتخصصين لإجراء مسح شامل للأراضي الزراعية والمناطق المحيطة بالقرية، بحثًا عن الثعابين السامة والتعامل معها، في محاولة لطمأنة السكان ومنع تكرار المأساة.

غير أن مخاوف الأهالي لا تتوقف عند الثعابين وحدها. فبحسب جاويش، تعاني القرية من ضعف الخدمات الصحية، إذ يقتصر دور الوحدة الصحية على خدمات طب الأسرة، بينما تغلق أبوابها في الثانية ظهرًا، وهو ما يحرم السكان من أي تدخل طبي عاجل في الحالات الطارئة، ويزيد من القلق مع تكرار حوادث اللدغات.

لذلك طالب الأهالي بسرعة توفير الأمصال المضادة للدغات الثعابين في أقرب الوحدات الصحية، وتكثيف حملات مكافحة الزواحف داخل الأراضي الزراعية، ورفع كفاءة الخدمات الطبية، خشية سقوط ضحايا جدد.

ومع تصاعد المخاوف، انتشرت عبر صفحات التواصل الاجتماعي مناشدات وتحذيرات من ظهور ثعابين سامة في الحقول والمجاري المائية، وتحدث سكان عن حالة من الذعر دفعت البعض إلى تجنب الخروج إلى الأراضي الزراعية إلا للضرورة.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أجرى محافظ الشرقية، حازم الأشموني، حوارا مباشرا مع أهالي القرية والمزارعين للاستماع إلى مطالبهم، ووجّه بضرورة توافر الأمصال المضادة للدغات الثعابين، ورفع جاهزية الفرق الطبية والإسعافات الأولية للتعامل الفوري مع أي إصابات، إلى جانب تكثيف حملات التوعية بوسائل الوقاية، مثل ارتداء أحذية الأمان والقفازات، وسرعة الإبلاغ عن أي زواحف سامة يتم رصدها.

كما واصلت الأجهزة التنفيذية أعمال التمشيط الميداني للمصارف والأراضي الزراعية، ونفذت حملات لرش وتطهير البؤر المحتمل اختباء الثعابين بها، وإزالة الحشائش والمخلفات التي تمثل بيئة مناسبة لتكاثرها، فيما تمكنت فرق البحث من اصطياد ثعبانين سامين خلال أعمال المسح.

ويرجح مصدر محلي مطلع أن يكون المجرى المائي المار بالمنطقة أحد الأسباب الرئيسية لانتشار الثعابين، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وهو ما يتفق مع ما أكده نقيب الفلاحين حسين أبو صدام، الذي أوضح أن الحرارة المرتفعة تدفع الثعابين إلى الهروب من الأماكن الجافة والاختباء وسط الحشائش الخضراء ومناطق تجمع المياه، محذرًا المزارعين من الاقتراب من الزواحف أو الاستهانة بوجودها، مؤكدًا أن الأنواع السامة تجيد السباحة والتنقل داخل المجاري المائية.

وبين حملات التمشيط، ومطالب توفير الأمصال، وتحذيرات المختصين، يبقى الخوف حاضرًا في قريتي القراقرة وكفر حسين الطوبجي التابعتين لمركز منياالقمح جنوب محافظة الشرقية، حيث لم تعد الحقول بالنسبة إلى كثير من الأهالي مجرد مصدر رزق، بل مكانًا قد يخفي بين نباتاته خطرًا لا يُرى إلا بعد فوات الأوان.

اترك رد