مقامات الصعيد.. أسرار الشفاء وكرامات الأولياء بين الحقيقة والأسطورة

في قلب الصعيد، حيث يمتزج الماضي بالحاضر، تحتفظ محافظة سوهاج بتاريخ عريق من الموروثات، التي تتعلق بالمقامات والأضرحة، والتي لا تزال تحظى بمكانة كبيرة في قلوب الأهالي، رغم تقدم العلوم والطب، يلجأ كثيرون إلى هذه الأماكن طلباً للشفاء أو لتحقيق أمنياتهم، في مزيج فريد بين العقيدة والاعتقاد.

مقام الست عزيزة.. قصة ولية صالحة عمرها قرون

في مدينة أخميم، يبرز مقام السيدة عزيزة أو ما يعرف بـ”الست عزيزة”، وهو أحد أشهر مقامات أولياء الله الصالحين، يعود تاريخ هذا المقام لأكثر من 1000 عام، حيث توفيت السيدة عزيزة، ابنة العارف بالله ذا النون المصري، عام 260 هـ، حيث تروى عنها وعن والدها قصص كثيرة تشبه الأساطير، منها قصة دعائه الذي أخرج طفلاً من جوف تمساح في نهر النيل، مما عزز مكانته الروحية بين الناس.

مقام السيدة عزيزة بسوهاج

الميدان الذي يحتضن المقام في أخميم يعرف باسمه، ويقصده الزوار من كل مكان، يقول الشيخ أشرف شعبان، حارس المقام: “المكان مميز بروحانياته، وقد شاهدت بعيني استجابة دعوات كثيرة هنا”، وأشار الشيخ أشرف إلى أنه انتقل من القاهرة إلى أخميم بعد رؤية روحية دعته لتحمل مسؤولية المقام، ليصبح شاهداً على كرامات لا تزال تثير الدهشة.

البئر المبارك والشجرة العجيبة

بئر الفطامة بسوهاج

لا يقتصر الأمر في أخميم على المقامات فقط، بل توجد أيضاً البئر المبارك وشجرة المعجزات، وهما جزء لا يتجزأ من المعتقدات الشعبية في المدينة.

البئر، المعروف بأسماء مثل “بئر الفطامة” و”بئر قرمان”، يعتقد أنه يعود للعصور الفرعونية بعمق يصل إلى 26 متراً، حيث يستخدم الأهالي مياهه للاستشفاء من الأمراض وفك السحر، ويشهد المكان ازدحاماً كبيراً خاصة أيام الجمعة والسبت، حيث يقصد الناس البئر للاستحمام بمياهه المباركة.

شجرة الجميز بسوهاج

وبجانب البئر، تطل شجرة الجميز الشهيرة، التي تعرف بـ”شجرة المعجزات”، وفقاً للتقاليد، يقوم الزوار بتعليق ملابس المرضى على الشجرة بعد الاستحمام بمياه البئر، اعتقاداً بأن ذلك يجلب الشفاء.

وذكر العم حمادة صلاح صاحب ال50 عاما، ويعمل تربي بمقابر أخميم، إنه ورث المهنة من جد الجد، وتحدث عن البئر قائلا “البير مبارك وتستخدم مياهه في الشفاء من الأمراض وفك السحر، ويشهد البئر اقبال كبير من المواطنين يومي الجمعة والسبت من مختلف محافظات الجمهورية، حيث ذاع سيطه وتداولت أخباره بين المواطنين، وبالإضافة للبئر توجد شجرة جميز عمرها تجاوز ال200 عام، تسمي شجرة المعجزات، أو الشجرة العجيبة، حيث يقوم الشخص المصاب بالاستحمام من مياه البئر، ثم يخلع ملابسه ويلقيها فوق الشجرة بهدف الشفاء.

وعن كرامات المكان ذكرت إحدى السيدات أن لديها طفل يبلغ من العمر 5 أعوام، سقط ذات يوم على الأرض وأصيب بمرض ومسة أرضية، وذهب به إلى الأطباء ولكن بدون جدوي، وعندما أتت للبئر مثلما سمعت عنه، وقامت بالطقوس لنجلها والتبرك بالمياه وتعليق ملابسه فوق الشجرة، ذهب المرض عنه، ورجع الطفل سليم معافي، موضحة أن كل شئ بيد الله وذلك سبب وبركة من أولياء الله الصالحين بالمكان.

رأي الدين بين البركة والممارسات الخاطئة

حول هذه الممارسات، أوضح أحد علماء الأزهر الشريف بأن “الإسلام لا يعارض التبرك بآثار الصالحين، ولكن ما يخالف العقيدة الإسلامية هو الاعتقاد بأن الشفاء، أو قضاء الحوائج يأتي من هذه الأماكن أو الأشخاص مباشرةً، فكل شيء بيد الله وحده.”

وجاء بالفتوى رقم 6826 الصادرة عن دار الإفتاء المصرية بتاريخ 30 سبتمبر 2012 للمفتي الاستاذ الدكتور على جمعة، عن حكم التبرك بآثار الصالحين وهل هذا يجوز شرعاً؟

وأجابت الإفتاء :” يجوز التبرك بآثار الصالحين كما دلت عليه الأدلة من الأحاديث الشريفة وعمل المسلمين سلفاً وخلفاً عبر العصور والله سبحانه وتعالى أعلم”.

وأضاف عالم أزهري، أن تعليق الملابس أو الطقوس مثل الاستحمام بمياه معينة، أو الشجرة لا أساس لها من الدين، وقد تدخل في باب الشرك بالله، إذا اعتقد الشخص أنها تُؤثر بذاتها، وشدد على ضرورة أن يكون توجه المسلم لله مباشرة في طلب الشفاء أو قضاء الحوائج.

ما بين العلم والإيمان

بينما يتفق كثيرون على أهمية الحفاظ على هذه الموروثات كجزء من الهوية الثقافية، يدعو علماء الدين والأطباء إلى توعية الناس بأهمية الجمع بين الإيمان بالله والاستفادة من وسائل العلاج الطبي الحديثة.

وفي أخميم، تبقى هذه الأماكن شاهدة على تاريخ طويل من المعتقدات، التي صمدت أمام الزمن، لكنها تحتاج إلى مزيد من التوجيه لضمان التوفيق بين العقيدة الصحيحة والعادات الموروثة.

محمود حسن محمود، صحفي بقسم الأخبار والمتابعات- حاصل على بكالوريوس الإعلام من جامعة جنوب الوادي.

اترك رد