نسيج الفرعون… نوالي أخميم يصارعون الزمن للحفاظ على الصنعة التراثية

تقرير: مروة محي الدين

صناعة “النسيج اليدوي” بمدينة أخميم في محافظة سوهاج هي تاريخ المدينة، حتى تجدها في اللهجة العامية لأهلها، فتسمع أهلها يداومون على قول: “إخميم بلد الغاسل”، وبالبحث في أصل هذا القول تجد له تأويلان: الأول يقول إن المدينة قد اشتهرت منذ قديم الأزل بصناعة النسيج اليدوي والحرير الطبيعي، فكانت تقام بها مغاسل كبيرة لغسل المنسوجات التي تنتجها المدينة وعليه جاءت الجملة أي بلاد الذين يصنعون النسيج ويقومون بغسله بعد الغزل، والثاني يقول إن أصل الكلمة “الغازل” أي بلاد الذين يعملون بصناعة الغزل والنسيج.

فهل استطاعت المدينة المنتجة الحفاظ على تراثها؟ أم أضاعته عجلة الزمن في دورتها على المدينة التراثية؟

اليوم أطلقت التساؤل وذهبت للبحث عن إجابته…! فإذا بالتراث النسيجي يجاهد من أجل البقاء منذ عقود، فقد دارت عجلة الزمن على النسيج اليدوي وكادت أن تدهسه، لولا صحوة في أوائل تسعينيات القرن الماضي أسفرت عن إنشاء قرية النساجين الأولى في حي الكوثر عام 1993، ثم الثانية عام 2005 بنفس الحي، كل قرية تحتوي عدد من المنازل الصغيرة وبكل منزل نولًا، وتسكنه عائلة تعمل بصناعة النسيج على النول، بخلاف النوالين العاملين داخل المدينة التاريخية وقراها، فوصل عدد النوالين ألف أسرة، وهكذا عادت بكرة النول للدوران وعادت الصنعة للحياة.

 

منتج تعرف قيمته بالخارج

 

تحكي الحاجة “هناء حامد” عن استمرارية صناعة النسيج اليدوي رغم الصعوبات والزمن – وهي تعمل وزوجها في تلك الصناعة منذ 20 عامًا، وقد علموا ابنتهم “داليا محمود- 17 عامًا” الصنعة فصارت صانعة ماهرة إلى جانب دراستها – فتقول: “الصنعة مستمرة لأن المعارض بالخارج تُشَغِّل النساجين، فيأتون لهم بالمواد الخام والخيوط، ثم يشترون إنتاجهم ويسوقونه ليس في مصر فقط ولكن أيضًا خارجها، لأن هذا المنتج اليدوي مطلوب بالخارج أكثر، هم هناك يعرفون قيمته أكثر”. عند سؤالها عن المواد الخام قالت: “إن الصناعة قلت عما كانت قديمًا، ربما بسبب اعتماد المنتج على الخيوط القطنية الصافية، التي تمثل سر جودة المنتج وألوانه وبقاءه عبر الزمن”.

ولما كانت الصنعة في سوق خاضعة لتغيرات العرض والطلب والرواج والكساد، أكدت “هناء” على أن ارتفاع أسعار المواد الخام أهم المؤثرات على المهنة فقالت: “كل المواد التي نستخدمها ارتفعت أسعارها جدا، فكان قديمًا سعر الكيلو من 10-15 جنيها، واليوم وصل سعر الكيلو 30 و 40 و45 جنيهًا، فتجاوز سعره الضعف بكثير.”.

وتضيف ابنتها “داليا”: “السعر كذلك يتأثر بتكاليف نقل المواد الخام من مصانعها في القاهرة إلى هنا، وكل تاجر يضيف مكسبه فيصل للنوالين غالي”.

تعدد الأيدي العاملة أهم مميزات صناعة النسيج اليدوي فتفصل السيدة ذلك قائلة: “هي مهنة صعبة، لأن (الكوفرتة) بكامل حجمها يتم صف خيوطها فتلة فتلة إلى جوار بعضها، برسومها ونقوشها لذا نجد شغلها صعب، وعليه سعرها يكون أغلى”.

وأضافت الابنة: “الشغل المعتاد في النول يقوم عليه اثنين، أحدهما يشغل النول والآخر يلف البكر ويغير الخيوط، فإذا ما كان هناك نقش أو صورة خاصة تجد شخص يشغل النول، وآخر يلف البكر، وثالث يشد الخيوط لإنتاج الرسم”، وأضافت: “ولا ينتهي الشغل اليدوي عند هذا الحد، فهناك العاملين على التشطيبات النهائية للمنتج، مثل تشطيب أطراف الكوفرتة (بالفرانشات) او ثنيها على الماكينات، وهناك من يعملون في أعمال التغليف- والفرانشات هي إنهاء الخيوط في أطراف المنتج بشكل يشبه الورود صغيرة”.

وفي حديثة لليوم عن سعة حجم الأيدي العاملة في هذه المهنة، قال “محمد حمدان الدقيشي” – رئيس مجلس أمناء مؤسسة (الفراعنة) لتنمية وتطوير وتسويق الصناعات النسيجية بإخميم: “بداية عمل مؤسسة الفراعنة كانت في تنمية كوادر بشرية مدربة ومتعلمة للعمل على النول، لكننا وجدنا إن صناعة النسيج على النول ترتبط بعدة مراحل تحتاج لأيدي عاملة كثيرة، أ) مرحلة ما قبل النول – وهي مرحلة تجهيز الخيوط واختيار الموديلات والأصناف التي سنصنعها ومرحلة السدوة أو شد الخيوط على النول، ب) مرحلة تشغيل النول، ج) مرحلة ما بعد النول – وهي مرحلة التشطيبات والتعبئة والتغليف، ثم تأتي مرحلة التسويق التي نعتمد فيها على فريق عمل من شباب الخريجين.. وكل هذه المجموعات تعمل بشيء من التكامل فيما بينها”.

وقد كانت الصنعة ترتبط بشكل كبيربحركة السياحة، فكانت الوفود السياحية تُقبل على شراء هذه المنتجات، وأحيانًا تطلب شراء نقوش أو رسوم خاصة منها، وهو ما كان يضيف رواجًا خاصًا للمنتج يرضي صناعه على الأقل، وهو ما حكت “هناء” عن تراجعه قائلة: “كنت تري هذا قبل جائحة كورونا، إذ كان السائحون يأتون ويعاينون الشغل ويشاهدون صناعته ويشترون منه، تقريبًا كان كل أسبوع، لكن بعد الكورونا تراجعت تلك الحركة”.

 

جائحة تقتلع المنتج

جاءت الجائحة في الوقت الذي تطورت فيه أشكال وأنواع المنتجات بشكل كبير، إذ تقول “فاتن حمدان عبد الرحمن” – مديرة معرض منتجات النسيج بمؤسسة الفراعنة: “الصناعة مازالت موجودة والنوالين كانوا يعيشون حالة من التقدم والازدهار، إذ يجددون ويطورون منتجاتهم (ماشاء الله إيديهم تتلف في حرير)، لكنه الآن للأسف إنتاج بلا تسويق”.

ويضيف “الدقيشي”: “أنه في ظل ظروف التسويق الصعبة كان لابد أن نطور منتجاتنا لنجذب المستهلك ونربطه بها، فطورنا خامات المنتج بين الكتان والقطن والصوف الذي كان الهدف منه البيع في فترة الشتاء حتى لا نقتصرعلى فصل واحد، ثم طورنا أنواع المنتجات فصنعنا الرنر والبلسمات وأغطية الكنب لتجهيزات الفنادق، ثم الاسكارف والشال، والكاشمايو المناسب للمصايف، حتى وصلت منتجاتنا إلى 60 منتج مختلف”.

عرض “نور السيد” – مدير المتابعة والإنتاج بمؤسسة الفراعنة – عينة من أشكال وأنواع المنتجات التي خرجت من أيادي النساجين وقال:” طورنا حتى في شكل المنتج فعملنا الأشكال الكاروهات والمقلمة، وعملنا طرح السيدات الإسكارف، لكن بعد ظروف الكورونا نحتاج لتعاون الجهات الرسمية معنا في التسويق”.

الكورونا التي أوقفت سير الحياة في العالم، كان لابد أن توقف الأنوال فتقول الحاجة “هناء”: “الكورونا أدت إلى توقف الشغل والتوزيع والتسويق، فكنت في الفترة الأولى تجد كل الأنوال متوقفة، ليس هناك تسويق الجميع كان فاضي بلا شغل، لأنه إذا اشتغل فأين يسوق…”.

وقد امتدت آثار الكورونا حتى لأماكن الصناعة الجديدة فتقول ابنتها الصانعة الصغيرة: “أحد المستثمرين أتى إلى هنا وأعجب بشغلنا فأنشأ مصنع للنسيج في بني سويف، وقد سافر أبي للعمل هناك كمدرب، لكن مع بدء أزمة كورونا أغلق المصنع أبوابه، ولم يفتحها حتى الآن بسبب ركود التسويق”.

وعن دور (الفراعنة) في التحرك أثناء الأزمة قالت “فاتن”: “منذ بدء أزمة كورونا أي ما يقرب من عامين توقفت جميع المعارض التي كانت تشارك فيها المؤسسة بسبب منع التجمعات وبالتالي (مفيش تسويق)”.

وأكمل “نور” حديثها قائلًا: “طالبنا بمعارض لكن جميع المعارض متوقفة بما فيها معرض القاهرة مثلًا، كما أن القوة الشرائية قلت في ظل حالة الركود الناتجة عن الكورونا.. وأصبح أجر العامل مشكلة، وحتى لا نوقفهم عن العمل أصبحنا نشغلهم بطاقة إنتاجية أقل للنصف أو الربع أحيانًا، حتى نتمكن من الوفاء معه لأن لدينا كمية كبيرة من المنتجات المتراكمة في المخزن”.

وقد صدقت على ذلك “أم ملك” إحدى النوالات العاملات بقرية النسيج بحي الكوثر،وتعمل بالمهنة منذ (13) عامًا معتمدة على دعم (الفراعنة) لها بالمواد الخام وتسويق منتجاتها بعد ذلك، حيث قالت: “كنت أتعامل مع المؤسسة فكانوا يأخذون إنتاجنا لتسويقه لكن الآن ضعف التسويق عندهم بعد انتشار كورونا الذي أثر عليهم جدًا وأثر علينا أيضًا”.

 

مبادرات إنقاذ ضلت الطريق

لما كان التوقف الاضطراري طويل المدى، احتاج الأمر إلى تدخل أعلى من الجهات المسئولة، فكان أن تقدمت (الفراعنة) بعدة مبادرات إلى محافظة سوهاج طلبًا لتكاتف الجهود لتسويق المنتج، يقول “نور”: “خاطبنا المحافظة في حل بسيط، أن تتعاقد لنا مع المستشفيات أو المدن الجامعية أو الفنادق، ليأخذوا منتجاتنا لسد احتياجاتهم من الكوفرتات والمفارش، عملًا على رفع عبء التسويق بشكل جزئي، لأن المشكلة كلها تكمن في أزمة الكورونا، فقبلها كنا نعمل بشكل متوازن ونبيع في المعارض (والدنيا كانت ماشية)”.

وفي هذا الصدد أضاف “الدقيشي”: “قدمنا أكثر من 17 مقترحًا لمحافظ سوهاج، لكنها جميعًا لم تؤت ثمارها، وتعاونت معنا وزارة التضامن عبر معرض (ديارنا) الذي يجوب المحافظات بمنتجاته، لكنه لا يغطي الصناعة بشكل متكامل”.

ومن ضمن المبادرات المتعددة للتسويق كانت مبادرة تجهيز عرائس الأزهر التي تحدث عنها “الدقيشي” قائلًا: “الأزهر يشتري كل عام جهاز عرائس بمبلغ 10 ملايين جنية من صندوق تابع لمؤسسة الزكاة، وعليه خاطبنا شيخ الأزهر ليضم منتجات نسيج إخميم لجهاز كل عروسة، وقد وافق فضيلته على المقترح، لكن أمين صندوق مؤسسة الزكاة رفض لأن بند شراء المنسوجات اليدوية غير موجود في الصندوق متعللا بارتفاع ثمنها مقارنة بغيرها، رغم أننا قدمناها بسعر التكلفة بما لا يتجاوز 250جنية”.

أحد أشكال استجابة اللواء “طارق الفقي”- محافظ سوهاج- لمناشدات الإنقاذ، كانت فتح منفذ بيع داخل مدينة سوهاج لبيع إنتاج قرية النساجين، لكن مديرة معرض المؤسسة بالقرية تحدثت عن توقف حركة البيع فيه قائله: “الموظفة الموجودة هناك لم تبع حتى فوطة واحدة أو شال، بسبب توقف حركة البيع”، وقد أكد “الدقيشي” على الأزمة ذاتها داخل منفذ البيع، حتى إنه اضطر مع توقف حركة البيع وعدم وجود بند الراتب لإخراج راتب الموظفة من جيبه الخاص.

بحلول عام 2021 أعلنت (اليونسكو) النسيج اليدوي لإخميم تراث عالمي يجب حمايته وتنميته والحفاظ عليه، لكن الإعلان لم يجد تلك الخطوات القوية لتنمية هذه الصناعة وترويجها، وهو نفس ما حدث مع منحة البنك الدولي لإنقاذ صناعة النسيج في إخميم، التي قال عنها “الدقيشي”: أنها “تقدر بمبلغ 4 ملايين دولار لم ينفق منها على الصناعة إلا بعض أعمال رصف قرية النساجين وإنشاء بوابة لها، ولم ينفق منها شيء لتنفيذ أي مقترح من مقترحات النهوض بالمنتج على تعددها وكثافتها”، وعليه ضاعت المنحة بسبب سوء إدارتها.

من هنا يهيب النساجون والمؤسسات الراعية عبر اليوم بجميع المسئولين بالدولة، سرعة التحرك لإنقاذ صناعة النسيج اليدوي وإعادة ترويجه وتسويقه بشكل مدروس، يمكنه من استعادة مكانته التاريخية، كما يناشدون الأجهزة الرقابية تشديد الرقابة على المنح الداعمة للصناعة ومنافذ إنفاقها.

 

اترك رد