الإعلامية هيام أحمد : تكتب| «الشعلة قصتك أنت»

 

جئت وشاهدت الدنيا..

لم تكن كما تروى في الأحلام، ولا كما نتوقع في البدايات. كانت واقعا يضع الإنسان أمام نفسه بلا تجميل: من أنت؟ وإلى أين تمضي؟

 

في الحقيقة، لم تبدأ الحكاية يوم جئت وشاهدت الدنيا، بل بدأت قبل ذلك بكثير. بدأت في طفولة لم نختر تفاصيلها، وفي أسرة كانت أول نافذة نطل منها على الحياة. هناك تشكلت أول مخاوفنا، وأول أحلامنا، وأول أفكارنا عن أنفسنا والعالم.

 

وهناك أيضا بدأت الشعلة تتشكل بصمت، قبل أن نسميها، وقبل أن نفهمها، وقبل أن ندرك أن داخل كل إنسان نورا صغيرا ينتظر أن يكبر أو أن يخبو.

 

كبرنا،لكن شيئا في داخلنا ظل يبحث عن نفسه.

ومع مرور الوقت، لم تكن المعركة فقط مع ظروف الحياة، بل مع عالم يزداد ضجيجا كل يوم. عالم يحاول أن يشغل الإنسان عن جوهره، وأن يملأ وقته أكثر مما يملأ روحه، حتى أصبح كثيرون يعرفون كل شيء عن العالم، ولا يعرفون الكثير عن أنفسهم.

 

ومن هنا جاءت الحاجة إلى الشعلة،لأن المشكلة لم تكن في قلة المعلومات، بل في ضياع المعنى. ولم تكن في الظلام وحده، بل في الاعتياد عليه.

ومن هنا تبدأ الشعلة.

ليست مجرد نور بل وعي يولد داخل الإنسان، يختبره بين أن يكون حرا أو تابعا، بين أن يفهم الحياة أو ينجرف فيها دون سؤال.

الشعلة ليست قصة تكتب عني، بل قصتك أنت، حيث تبدأ حكاية اختيارك بين النور والظلام.

نحن لا نكتب فكرة بعيدة عن الواقع، بل نغوص في قلبه، ونقرأ الحاضر بوعي أعمق، ونؤمن أن المستقبل لا ينتظر بل يصنع بالوعي لا بالصدفة.

الحرية ليست أن تفعل ما تريد، بل أن تدرك لماذا تريد، وليست انفلاتا من القيود، بل وعيا يختار طريقه بوضوح ومسؤولية.

وقد يشتعل داخل الإنسان تمرد صامت على الواقع، ليس هروبا من الحياة، بل رفضا للعيش بلا معنى، تمرد على الجهل، وعلى التكرار، وعلى كل ما يطفئ معنى الإنسان داخله.

ومع مرور الأيام، ابتعدنا عن بعضنا البعض، وانشغل كل منا بحمل شعلة لا يراه الآخرون. ظننا أحيانا أن ما نخشاه لن يحدث، وأن التعب سيعبر سريعا، لكننا اكتشفنا أن الحياة نفسها اختبار.

اختبار في الصبر، وفي الفقد، وفي الانتظار، وفي القدرة على الاستمرار حين تتعب الروح.

ومع كل ما أثقل قلوبنا، بقيت في داخلنا شعلة لا تنطفئ، تذكرنا أن الله لم يخلقنا لنستسلم، بل لننهض كلما تعثرنا، ونؤمن أن بعد العسر يسرا، وأن بعد كل ظلام نورا.

لكن هذه الشعلة لا تختبر في الراحة، بل في الصراع. صراع داخلي بين وعي يريد أن ينهض، وغفلة تحاول أن تبقي الإنسان في مكانه.

 

وهي في حقيقتها معركة خفية، حرب مع الشيطان الذي لا يتوقف عن إطفاء النور داخل الإنسان، لا دفعة واحدة، بل تدريجيا بالنسيان، والتسويف، وضياع المعنى.

 

وفي لحظات الانكسار، يطمئن القلب حين يتذكر: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، فتسكن الروح، وتستعيد الشعلة توازنها مهما اشتد الظلام.

يا من تحملون الشعلة.

لا تخافوا، لا تحزنوا، لا تيأسوا، ولا تقنطوا من رحمة الله، فالنور قد يضعف، لكنه لا يموت ما دام في القلب يقين.

وهنا تتجلى الحقيقة؛ فقد ينتصر الظلم زمنًا، لكنه لا يستطيع أن يسكن قلبًا أيقن أن الله نور الطريق، وأن الشعلة التي أوقدها الحق لا يطفئها الباطل.

وفي داخل كل إنسان جوهرة مخفية، لا يكشفها إلا وعيه. وشباب اليوم ليسوا ضائعين، بل يبحثون عن معنى وسط ضجيج العالم، كأنهم في صحراء حارقة يتعطشون لنقطة نور تعيد إليهم الاتجاه.

وفي النهاية يبقى السؤال:

 

هل ستترك شعلتك تنطفئ بصمت،أم ستجعلها نورا يعيد تشكيلك ويضيء من حولك؟

فالشعلة ليست فكرة تقال.

بل حياة تختار.

اللهم لا تطفئ لنا نورا في قلوبنا، ولا تتركنا لأنفسنا طرفة عين، واجعل شعلة وعينا ثابتة لا تنكسر ولا تنطفئ.

فما دامت الشعلة حية في داخلنا، فلن ينقطع الطريق إلى النور، ولن تضيع خطانا مهما طال بنا السير، أو اشتدت بنا العواصف، أو أثقلتنا الأيام، تذكر الشعلة ليست وعدا بأن تختفي العتمة، بل عهدا ألا تستسلم لها. حين تحرس الشعلة في قلبك..يحرس الله طريقك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *