الإعلامية هيام أحمد تكتب: «كلنا جوزاء»

داخل كل إنسان نسخةٌ لا يعرفها أحد. وربما لا يعرفها هو إلا حين تمنحه الحياة سببًا ليكشفها،فلم يكن الجوزاء برجًا له وجهان.. ربما كان اسمًا مبكرًا لعالمٍ تعلم أن يبتسم بوجه، ويخفي حقيقته بالآخر، ويبدو أننا ظلمنا برج الجوزاء.

سنوات ونحن نتهمه بأن لديه وجهين، بينما الحقيقة أن العالم كله أصبح جوزاء.. الجوزاء..ليس اتهامًا للإنسان، بل مرآةٌ للحظة التي يجد فيها نفسه بين الشيء ونقيضه.

وحين يصبح الإنسان حُجةً لنفسه، وحُكمًا على غيره، فنحب الصراحة، حتى تقترب من عيوبنا، نطالب بالعدل، حتى يأتي الدور علينا، ونريد التسامح عندما نخطئ، والعقوبة عندما يخطئ غيرنا. نحب بعضنا ونؤذي بعضنا،والقلب عنده موهبة عجيبة في الجمع بين الشيء ونقيضه، ونكره الخيانة، ثم نجد لها اسمًا ألطف عندما نرتكبها، ونريد الحرية لأنفسنا، ونضيق بها عندما يستخدمها غيرنا، ونحن لا نمارس التناقض فقط..بل نعرف أحيانًا كيف نبرره.

قد يحبك الإنسان بصدق ويحسدك بصدق. وقد يتمنى نجاحك، ثم يؤلمه أن يذكّره نجاحك بما لم يحققه. وقد يدافع عن المظلوم، ثم يجد عذرًا لظلم من يحب.

ومن البيت تبدأ الحكاية..نربي أبناءنا على الصدق، ثم نسمح لأنفسنا باستثناءاته.
نقول لهم: لا تحكموا على الناس، ثم نحاكم الناس أمامهم، ونريدهم أقوياء، ثم نخاف من استقلالهم، فنحن لا نُورث أبناءنا أخطاءنا فقط..بل نُورثهم أحيانًا أعذارها.

ثم يكبر الإنسان، وتتسع الدائرة، ونكره الواسطة حتى نحتاج إليها.. نطالب بالقانون ما دام لا يعطل مصلحتنا.
نغضب من الفوضى، ثم نبحث عن استثناء يخدمنا، وحين يتكرر هذا من ملايين الناس، يصبح التناقض سلوكًا اجتماعيًا.

ثم جاءت مواقع التواصل، ولم تصنع الإنسان المتناقض؛ أعطته جمهورًا، ونطالب بالخصوصية، ثم نفتش في حياة الآخرين.. نكره الشائعات، ثم نشاركها بعبارة: «لست متأكدًا، لكن…» نرفض التنمر، ثم نمارسه في ثوب السخرية أو «الرأي».

أصبح للوجه الآخر شاشة، وللحكم السريع جمهور، ثم تكبر الصورة أكثر، فتظهر في طريقة إدارة الدول والمصالح.

قد تُرفع راية المبادئ، ثم تتغير اللغة عندما تتغير المصالح.. ويُتحدث عن السلام، بينما تُدار صراعات على النفوذ، وتُرفع العدالة شعارًا، حتى يصبح تطبيقها مكلفًا.

في العالم الكبير، لم تختفِ الازدواجية..فقط كبرت حتى أصبح للشيء الواحد اسمان: حقٌّ حين نفعله، وجريمةٌ حين يفعله الآخر.

فالمبدأ لا يُختبر عندما يخدمك؛ بل عندما يصبح ضد مصلحتك.

ولهذا قد نرفض العنف عندما يؤذينا، ونبحث له عن تفسير عندما يخدم موقفنا، ونطالب بحرية الشعوب ثم نقلق عندما تختار ما لا يناسبنا.

وكأن المشكلة ليست في غياب المبادئ.. بل في استعدادنا لتغييرها عندما تتغير المصلحة.. فهل هذا مرض؟

ليس بالضرورة. الإنسان بطبيعته معقد، وقد يحمل مشاعر متعارضة..المشكلة تبدأ عندما يتحول التناقض إلى طريقة للهروب من المسؤولية؛ حين يصبح لكل خطأ نرتكبه تفسير، ولكل خطأ يرتكبه غيرنا إدانة.

والحل؟

أن يبدأ الإنسان بمراجعة نفسه؛ فما يستقيم في داخله ينعكس على بيته ومجتمعه، وعلى طريقة إدارة شؤونه واتخاذ قراراته، حتى يصل أثره إلى العالم.

فلا يستقيم عالمٌ يرفع راية العدل، ثم يغيّر ميزانها كلما تغيرت المصلحة.

وربما يكفي قبل أن نحكم على أحد أن نسأل:

لو كنت مكانه..هل كنت سأرى الأمر بالطريقة نفسها؟

لسنا جوزاء لأننا نحمل وجهين..

بل لأن الإنسان قد يقضي عمره كله يكتشف: أيُّ الوجهين كان حقيقته، وأيُّهما كان مجرد حيلةٍ للبقاء.

فلا تحاول أن تلغي الوجه الآخر.

اعرفه، وراقبه، ولا تمنحه مفاتيحك.

لم يكن الجوزاء صاحب وجهين كما ظننا..بل كان مرآةً تكشف للإنسان كم يستطيع أن يكون شيئًا..ونقيضه.
ربما كان العالم هو الذي جعل للحقيقة وجهًا، وللمصلحة وجهًا آخر.

اللهم أرِنا عيوبنا قبل عيوب غيرنا، وارزقنا عدلًا لا يتغير بتغير مصلحتنا، ورحمةً لا تتوقف عند اختلافنا.
كلّنا جوزاء.

اترك رد