القمة العربية.. قرارات مصيرية تُشعل التوتر العالمي وتُقلق تل أبيب وواشنطن

وسط استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، اختتمت القمة العربية الطارئة التي انعقدت في القاهرة أعمالها بإصدار 23 قرارًا، كان أبرزها تبني الخطة المصرية لإعادة إعمار القطاع دون تهجير سكانه، وهو ما يمثل خطوة مهمة في ظل حجم الدمار الهائل الذي تعرض له القطاع نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية. ورغم أن هذه الخطة جاءت في سياق الجهود العربية لإنهاء معاناة الفلسطينيين، فإنها قوبلت برفض إسرائيلي وأمريكي، ما يعكس تعقيدات المشهد السياسي الحالي.
تفاصيل البيان الختامي: دعم للقضية الفلسطينية وإدانة لإسرائيل
اختتمت القمة العربية الطارئة التي انعقدت في القاهرة أعمالها بإصدار بيان ختامي يؤكد على دعم القضية الفلسطينية وإدانة الجرائم الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة. جاء البيان ليحمل موقفًا عربيًا موحدًا، حيث شدد القادة العرب على تحميل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن العدوان الوحشي الذي أسفر عن سقوط آلاف الضحايا من المدنيين، وتدمير واسع للبنية التحتية، مؤكدين أن ما يحدث يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وجرائم حرب تستوجب المحاسبة أمام المحاكم الدولية. وطالب البيان بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، معتبرًا أن استمرار الحرب يزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد الاستقرار الإقليمي، داعيًا المجتمع الدولي، وخاصة مجلس الأمن، إلى تحمل مسؤولياته في إنهاء العدوان الإسرائيلي ومنع تصعيد الصراع.
كما أكد البيان رفض الدول العربية القاطع لأي محاولات تهجير قسري للفلسطينيين من أراضيهم، معتبرين أن إسرائيل تحاول فرض واقع جديد في القطاع والضفة الغربية، وهو ما لن يتم القبول به تحت أي ظرف. وأعلن القادة العرب تبنيهم للخطة المصرية لإعادة إعمار غزة، والتي تهدف إلى إعادة بناء ما دمره العدوان، وضمان توفير الاحتياجات الأساسية للفلسطينيين دون المساس بحقوقهم أو فرض حلول تشمل تغيير التركيبة الديموغرافية للقطاع. وشددت القمة على ضرورة التحرك الدبلوماسي العربي في المحافل الدولية، والعمل على توسيع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، إضافة إلى مطالبة الولايات المتحدة بمراجعة موقفها المنحاز لإسرائيل، والذي يعتبر أحد العوامل التي تؤدي إلى استمرار التصعيد العسكري.
وجدد البيان التمسك بمبادرة السلام العربية لعام 2002، والتي تقوم على مبدأ إنهاء الاحتلال الإسرائيلي مقابل تطبيع العلاقات العربية، مؤكدين أن تحقيق السلام العادل والشامل لن يكون ممكنًا دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كما دعا القادة العرب إلى تحريك الملفات القانونية ضد إسرائيل في المحاكم الدولية، لمحاسبتها على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، مطالبين بضرورة توثيق الانتهاكات الإسرائيلية والعمل على تقديم قادتها للمحاكمة أمام العدالة الدولية. ومع هذا الموقف العربي الواضح، يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن الدول العربية من ترجمة هذا البيان إلى خطوات عملية تضغط على إسرائيل لإنهاء عدوانها، أم أن التعنت الإسرائيلي والدعم الدولي المستمر لها سيجعلان هذه القرارات مجرد بيانات سياسية بلا تأثير حقيقي على الأرض؟
حماس ترحب بالخطة المصرية رغم عدم تطرقها لنزع سلاحها
من جانبها رحبت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالخطة المصرية التي تبنتها القمة العربية في القاهرة لإعادة إعمار قطاع غزة، معتبرة أنها خطوة إيجابية رغم أنها لم تتطرق إلى قضية نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وهو الشرط الذي تصر عليه إسرائيل كجزء من أي تسوية مستقبلية. وأكدت الحركة أن أي عملية إعادة إعمار يجب أن تضمن حقوق الفلسطينيين في العيش بكرامة، وألا تكون مشروطة بقبول تسويات تمس بالمقاومة الفلسطينية.
يأتي هذا الترحيب في وقت تتزايد فيه الجهود العربية والدولية لإيجاد حلول لوقف الحرب وإعادة إعمار القطاع، وسط تعقيدات سياسية وعسكرية. وعلى الرغم من دعم الدول العربية للخطة المصرية، فإن إسرائيل أعلنت رفضها الصريح لها، معتبرة أن تجاهل مسألة نزع السلاح يشكل تهديدًا طويل الأمد لأمنها. كما أن الولايات المتحدة لم تعلن تأييدها للمبادرة، ما يثير تساؤلات حول مدى إمكانية تنفيذها في ظل التعنت الإسرائيلي والدعم الدولي المستمر لمواقف تل أبيب.
في المقابل، ترى الفصائل الفلسطينية أن نزع سلاح المقاومة ليس خيارًا قابلًا للنقاش، بل هو جزء من معركة مستمرة للحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني والدفاع عن غزة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. وبينما تواصل إسرائيل حملتها العسكرية، تبقى الجهود السياسية لإعادة إعمار القطاع مرهونة بحسابات إقليمية ودولية معقدة، تجعل مستقبل المبادرة المصرية غير واضح حتى الآن.
إسرائيل ترفض وتدين مخرجات القمة العربية وسط مخاوف من الضغوط الدولية
على الجانب الآخر، جاءت ردود الفعل الإسرائيلية غاضبة وحادة تجاه مخرجات القمة العربية الطارئة التي انعقدت في القاهرة، حيث رفضت تل أبيب الخطة المصرية لإعادة إعمار غزة، واعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن البيان الختامي للقمة لم يعكس حقائق الوضع بعد 7 أكتوبر، في إشارة إلى العمليات التي شنتها حركة حماس داخل إسرائيل، والتي كانت ذريعة تل أبيب لشن عدوانها الواسع على القطاع.
وأكدت إسرائيل أن أي مبادرة لإعادة إعمار غزة يجب أن تشمل نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة، وإلا فإنها لن تكون مقبولة. وترى الحكومة الإسرائيلية أن تجاهل هذا الشرط الأساسي في المبادرة العربية يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ويُبقي على قوة الفصائل المسلحة التي تعتبرها إسرائيل عدوًا رئيسيًا. كما شدد المسؤولون الإسرائيليون على أن أي إعادة إعمار دون ضمانات أمنية صارمة لن تؤدي إلا إلى تعزيز قوة حماس، وهو ما ترفضه تل أبيب تمامًا.
ولم يقتصر الموقف الإسرائيلي على الرفض فقط، بل امتد إلى إدانة القمة العربية ومخرجاتها، وسط مخاوف حقيقية من أن تتبنى الولايات المتحدة موقفًا إيجابيًا من المبادرة العربية، مما قد يزيد من الضغوط الدولية على إسرائيل لإنهاء الحرب في غزة. وتخشى تل أبيب أن تتعرض لضغط أمريكي متزايد لدراسة الخطة المصرية كجزء من حل سياسي طويل الأمد، وهو ما قد يحد من خياراتها العسكرية ويضعها أمام ضغوط دبلوماسية غير مرغوب فيها.
وفي ظل هذا التوتر، تؤكد إسرائيل أنها مصممة على تحقيق النصر الكامل في حربها على غزة، كما صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي شدد على أن تل أبيب غير معنية بأي تسوية لا تحقق أهدافها الاستراتيجية. وبينما تستمر المواجهات على الأرض، تظل مخرجات القمة العربية في مواجهة مباشرة مع التعنت الإسرائيلي والدعم الغربي المستمر لمواقف تل أبيب، مما يجعل أي حل دبلوماسي للأزمة حتى الآن غير قابل للتحقق.
الموقف الأمريكي: رفض رسمي للخطة المصرية ومخاوف إسرائيلية من ضغوط محتملة
كما أعلنت الولايات المتحدة رسميًا رفضها للخطة المصرية التي تبنتها القمة العربية لإعادة إعمار قطاع غزة، مؤكدة أنها لا تتماشى مع الأولويات الأمريكية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية. وجاء هذا الموقف متماشيًا مع الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل، التي تصر على ضرورة تفكيك القدرات العسكرية لحماس والجماعات المسلحة كشرط أساسي لأي تسوية مستقبلية.
ورغم هذا الرفض العلني، فإن القلق الإسرائيلي ينبع من احتمال أن تضغط إدارة الرئيس الأمريكي على تل أبيب للتعاطي مع الخطة بشكل غير مباشر، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية المتزايدة لإنهاء القتال في غزة. فمع تزايد المطالبات العالمية بوقف الحرب، تجد واشنطن نفسها في موقف صعب بين دعم إسرائيل من جهة، ومحاولة تهدئة الغضب الدولي من جهة أخرى.
وتخشى إسرائيل من أن أي تغيير في الموقف الأمريكي قد يدفعها إلى إعادة النظر في استراتيجيتها العسكرية، خاصة مع التهديدات المتكررة من البيت الأبيض بضرورة الحد من العمليات العسكرية لحماية المدنيين. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الانتقادات داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث يطالب بعض السياسيين والمنظمات الحقوقية بممارسة ضغوط أكبر على إسرائيل لوقف القتال وإيجاد حلول دبلوماسية للأزمة.
وفي ظل هذا التوتر، تبقى العلاقة بين واشنطن وتل أبيب أمام اختبار جديد، حيث تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على الدعم الأمريكي المطلق، بينما تحاول إدارة بايدن الموازنة بين دعمها التاريخي لإسرائيل والاستجابة للضغوط الدولية التي تطالب بوقف الحرب. ويبقى السؤال: هل ستستمر واشنطن في دعم إسرائيل دون شروط، أم أن الضغوط المتزايدة ستجبرها على تعديل موقفها ودفع تل أبيب نحو حلول سياسية؟
نتنياهو: “غيرنا وجه الشرق الأوسط وسنحقق النصر”
في ظل التصعيد المستمر في غزة، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحات تصعيدية جديدة، أكد فيها أن إسرائيل مصممة على تحقيق النصر في الحرب الحالية، وأن حكومته لن تتنازل عن أهدافها في غزة. وأشار إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية غيرت وجه الشرق الأوسط، معتبرًا أن الحملة التي تقودها تل أبيب ستستمر حتى تحقيق جميع الأهداف الاستراتيجية التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية.
وتأتي هذه التصريحات وسط ضغوط دولية متزايدة لإنهاء الحرب،ويبدو أن نتنياهو يواصل تبني نهج المواجهة المفتوحة، مؤكدًا أن إسرائيل لن تتوقف قبل القضاء على تهديد الفصائل المسلحة وتأمين ما تعتبره استقرارًا طويل الأمد في المنطقة، وفق رؤيتها الأمنية.
وفي الوقت الذي ترفض فيه إسرائيل الحلول الدبلوماسية المطروحة، تبقى الأوضاع على الأرض مفتوحة على جميع السيناريوهات، في ظل استمرار العمليات العسكرية والتوتر المتصاعد بين تل أبيب والمجتمع الدولي.
مستقبل الخطة المصرية: بين الضغوط الدولية والتعنت الإسرائيلي
في ظل المشهد السياسي والعسكري المعقد، يبقى مستقبل الخطة المصرية لإعادة إعمار غزة غير واضح، إذ تواجه المبادرة تحديات كبيرة بين الضغوط الدولية والتعنت الإسرائيلي. فمن جهة، تدفع الدول العربية بقوة نحو تنفيذ الخطة باعتبارها حلًّا عمليًّا لتخفيف معاناة الفلسطينيين ووقف الحرب، ومن جهة أخرى، ترفض إسرائيل المبادرة تمامًا، متمسكة باستمرار عملياتها العسكرية لتحقيق أهدافها الأمنية والاستراتيجية.
أما الموقف الأمريكي، فلا يزال متذبذبًا بين دعم تل أبيب والسعي لاحتواء التوتر الإقليمي. فعلى الرغم من أن واشنطن رفضت رسميًا الخطة المصرية، إلا أن الضغوط الدولية المتزايدة قد تدفعها لإعادة النظر في موقفها أو ممارسة نفوذها على إسرائيل للقبول بتعديلات على المبادرة. وتخشى تل أبيب من أن يؤدي أي تحول في السياسة الأمريكية إلى تقييد تحركاتها العسكرية أو فرض شروط قد تضطرها إلى التفاوض بشكل غير مباشر حول إنهاء القتال وإعادة الإعمار.
وفي ظل هذا الوضع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنجح الضغوط الدولية في فرض تنفيذ الخطة المصرية، أم أن التعنت الإسرائيلي والدعم الأمريكي سيجعلانها مجرد مقترح غير قابل للتطبيق؟