تقارير-و-تحقيقات

الإفتاء تحسم الجدل حول صيام يوم عاشوراء منفردا

 

 

تقرير: مصطفى على

 

مع اقتراب يوم عاشوراء، العاشر من شهر المحرم، يتجدد الجدل السنوي حول جواز صيامه منفردًا، خاصة إذا وافق يوم السبت، وهو ما دفع دار الإفتاء المصرية إلى إصدار فتوى شرعية حاسمة، تؤكد فيها جواز صيام عاشوراء منفردًا شرعًا، نافية وجود أي مانع فقهي من إفراده بالصيام، ومستشهدة بالأحاديث الصحيحة التي تثبت فضل هذا اليوم وأجر صيامه.

في هذا التقرير، نستعرض ما ورد من أدلة شرعية حول صيام عاشوراء منفردًا، ونرصد آراء العلماء المعاصرين حول هذه القضية، ونسلط الضوء على الفضل العظيم الذي يرتبط بهذا اليوم في السنة النبوية المطهرة.

فتوى دار الإفتاء: لا مانع شرعي من صيام عاشوراء منفردًا

في فتوى رسمية، أكدت دار الإفتاء المصرية أن صيام يوم عاشوراء منفردًا جائز شرعًا، مشيرة إلى أن النصوص الواردة بشأنه لم تنهَ عن إفراده، بل أثبتت الأجر لمن صامه، حتى لو لم يصم يومًا قبله أو بعده وقالت الفتوى: “لم يرد في الشرع نهي عن صوم عاشوراء منفردًا، بل ورد استحباب صيامه وثبوت فضله”.

واستندت دار الإفتاء إلى حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه البخاري:

«قدم النبي ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، نجّى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. فقال ﷺ: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه».

وأضافت الدار أن الأجر والفضل ثابت لمن صامه منفردًا، غير أن الأفضلية تظل لمن صام معه يومًا آخر، كالتاسع أو الحادي عشر، تأسّيًا بالسنة النبوية، واحتياطًا لاحتمال الخطأ في رؤية الهلال.

يوم عاشوراء يوافق السبت هذا العام.. ولا حرج في صيامه

يأتي يوم عاشوراء هذا العام في يوم السبت الموافق 5 يوليو 2025، حسب إعلان هيئة المساحة المصرية، وهو ما أثار تساؤلات حول جواز صيام يوم السبت منفردًا وهنا أوضحت دار الإفتاء وعدد من كبار العلماء المعاصرين أن صيام عاشوراء إذا وافق السبت لا حرج فيه إطلاقًا، لأن الصيام حينها مرتبط بسبب شرعي مشروع، وليس عبادة مبتدعة أو منكرة.

وأكد العلماء أن النهي عن صيام السبت منفردًا لا ينطبق على من صام يومًا كعاشوراء أو يوم عرفة، لأن صيام هذه الأيام عبادة لها أصل في السنة وفضل عظيم، وليس مجرد تخصيص ليوم السبت بالعبادة دون سبب، وهو ما تتفق عليه قواعد الفقه وأصول الاستدلال الشرعي.

من كلام العلماء.. الصيام المشروع لا يُنهى عنه

أبرز ما اتفقت عليه كلمات الفقهاء هو أن الصيام الذي له سبب مشروع لا يدخل في النهي عن إفراد يوم السبت بالصيام، وهو رأي الإمام النووي، والخطيب الشربيني، والإمام الشافعي، وغيرهم من أئمة المذاهب الفقهية. وقال الإمام الشافعي في كتابه:

“إذا كان في صيام السبت نذر، أو عادة، أو موافقة لفضيلة، فلا كراهة فيه”.

ويشير العلامة ابن قدامة في “المغني” إلى أن صيام الأيام التي ورد فيها الفضل الشرعي، كعاشوراء، لا تدخل تحت الكراهة المروية في بعض الأحاديث عن إفراد يوم السبت.

عاشوراء.. يوم من أيام الله في ذاكرة الأمة

يوم عاشوراء ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو يوم خالد في وجدان الأمة الإسلامية، يحمل بين طياته ذكرى نجاة سيدنا موسى عليه السلام وقومه من فرعون، كما ورد في الحديث، وهو اليوم الذي اختاره النبي ﷺ ليصومه، وأمر المسلمين بصيامه شكرًا لله تعالى.

وقد حرص النبي ﷺ على صيام عاشوراء، وقال كما جاء في صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه:

«صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله».

ويُعدّ هذا اليوم من أعظم أيام السنة في الفضل والأجر، إذ يكفّر ذنوب عامٍ كامل، كما يُعدّ أول صيام مشروع في الإسلام قبل فرض رمضان، وقد صامه النبي قبل الهجرة وبعدها.

الأكمل والأفضل.. صيام التاسع أو الحادي عشر مع العاشر

رغم جواز صيام يوم عاشوراء منفردًا، إلا أن الأكمل والأفضل شرعًا هو أن يصوم المسلم يومًا قبله أو بعده، كما دلّت على ذلك الأحاديث الصحيحة. وقد صرّح النبي ﷺ بقوله:

«لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» رواه مسلم.

وقد فسّر العلماء هذا الحديث على أنه دعوة لصيام التاسع مع العاشر، مخالفةً لليهود الذين كانوا يصومون عاشوراء فقط، وهو ما يشير إلى البُعد التربوي والتميّز الشرعي في الإسلام.

أما صيام الحادي عشر مع عاشوراء، فذهب إليه جمع من العلماء، كنوع من الاحتياط في حال الخطأ في بداية شهر المحرم، خصوصًا في الأزمنة التي لا يكون فيها توثيق دقيق لهلال الشهر.

عاشوراء في ضوء المقاصد.. عبادة تجمع بين الشكر والتكفير

صيام عاشوراء لا يحمل فضلًا تعبديًا فقط، بل يجمع بين الشكر لله تعالى على نصر عباده المؤمنين، وتكفير الذنوب والسيئات. فهو يوم من “أيام الله” التي قال فيها تعالى:

{وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللّهِ} [إبراهيم: 5].

وتبرز في هذه المناسبة أبعادٌ روحية وتربوية عظيمة، حيث يُحيي المسلم معاني الإيمان واليقين والثبات، ويتأمل في عظمة النصر الإلهي لعباده، كما يتوب إلى الله ويجدد العهد معه بصيام يوم يكفّر عنه ذنوب سنةٍ مضت.

دعوة مفتوحة لإحياء السنة وتكثير الخير

من خلال هذا التقرير، يظهر جليًا أن صيام يوم عاشوراء، سواء منفردًا أو مقرونًا بيوم آخر، هو من السنن العظيمة التي حثّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم، لما فيها من أجر عظيم وفوائد روحية، وتذكير بتاريخ الأنبياء وسيرتهم المباركة.

وتبقى الدعوة مفتوحة للمسلمين جميعًا، لإحياء هذه السنة المباركة، ونشر فضائلها، والاقتداء بالهدي النبوي في كل مناسبة، خاصة في هذا الزمن الذي يحتاج فيه الناس إلى لحظات صفاء، وتجديدٍ للصلة مع الله، ومواقف إيمانية ترسخ في الوجدان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights