
حوار: مروة محي الدين
عبير الحربة بعد عقدين من السجن والقهر لدى الاحتلال، يكون له فرحة خاصة، وإن شابها بعض الألم، فلقاء الأهل بعد غياب لحظة ليس لها مثيل، وللعائلة يكون استقبال الغائب استقبال الفاتحين، بيد أن الاحتلال كان له رأي آخر في ذلك بالنسبة “أيهم كممجي”، إذ تفنن في إيجاد ألوان جديدة من العقاب، يبقى له بها الألم، وكأنهم يقولون ضمنيا: “لا تظن أنك تحررت، فقد صنعنا لك ألمًا يلاحقك أينما كنت”.
وفي هذا الجزء من حواره الخاص لموقع اليوم، يروي الأسير المحرر لحظات أخرى لم يشعر ألمها، سوى من عاش تجربته.
حرمان اللقاء

قال “كممجي” عن لقاء عائلته، والده أو إخوته: لم ألتق أحد من عائلتي حتى الآن، وأزيد من الشعر بيتًا، أن أبي كان في طريقه لأداء مناسك العمرة، شكرًا لله على إطلاق سراحي، فأعادوه ولم يمنحوه تصريح السفر، وقالوا له بشكل صريح: “أنت ممنوع من السفر نهائيا، وعليك مراجعة دوائر التنسيق والارتباط المدني و… إلخ. هذا العدو يفكر بأساليب قذرة، ويأخذ قرارات برعونة طفل تقل من هيبته، ظنًا منهم أنه سيفاجئني ويحبطني حين يمنع أبي من السفر، هذا الاحتلال يتصرف بحقد وعنصرية وغوغائيه، حتى لا تفهم قراراته في بعض الأحيان، ولكن هذه إسرائيل وهذه الصهيونية، التي يناصرها معظم العالم.
وبالطبع ليس لدي زوجة وأولاد لينتظروا خروجي ولقائي، فقد كنت أبن 16 عامًا حين انضممت للمقاومة، وأسرت وأنا أبن 20 عامًا، وخرجت من من السجن وأنا ابن 39 عامًا، فلم أتزوج وكانت أسرتي تتكون من 8 أشخاص، أبي وأمي وأنا وإخوتي الخمسة، الآن نحن في البيت 3 فقط أبي واثنان من إخوتي، والباقين اثنان تحت التراب واثنان في الأسر، وأنا مبعد نعم مبعد واثنان في الأسر، ومثلما منع الاحتلال أبي من السفر وأعادوه من على جسر الأردن، منع إخوتي الاثنين “عماد ومحرم”.
ألوان العذاب

تابع “كممجي حديثه عن ألوان العذاب، التي جزعها له وللأسرى الاحتلال، فيقول: قرار الإبعاد كان نوع آخر من العقوبة، وهو ما تحدث عنه القرآن في الآية القرآنية: “وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”، وصدق الله في كتابه العزيز، فمن أنواع العذاب إما أن يسجن أو يقتل أو يبعد، وبالفعل هم سجنوني وحاولوا قتلي قبل القبض، فقد نجوت من ست محاولات اغتيال، بعد أن أصبت في اثنين منها، ثم اعتقلوني بعد ذلك، وأخيرًا أخرجوني، ومن هنا فقد نفذوا في كل أنواع العذابات.
ولست الوحيد في ذلك، فهناك 550 أسير مؤبد، بعضهم تم إطلاق سراحه، وجميعهم تقريباً أو جلهم مروا بهذه المراحل الثلاث، إما محاولة قتل خارج السجن، ثم الأسر، والآن الإبعاد، وأزيد من الشعر بيتًا، هناك أسرى تم إفراج عنهم إلى الضفة، منعوا من دخول مدنهم مثل أخونا “زكريا الزبيدي”، الذي أبعدوه إلى رام الله، وممنوع من دخول جنين، ومثله كثيرين، أبلغتهم سلطات الاحتلال أنه سيقتل أو يعاد اعتقاله حال عودته إلى بيته وأهله؛ درب جديد من الوقاحه، فالأسير تم إطلاق سراحه إلى نفس الموقع الجغرافي، ولكن يفرض عليه إقامة جبرية في مدينة بعينها.
فهذا العدو والله العظيم لو كان بيده لقطع عنا الهواء، وحرفياً فعلها في السجن وقطع عنا الهواء، فأغلق علينا كل المنافذ، وكدنا في فصل الصيف أن نموت خنقا، فلم نكن قادرين على التنفس، فكنا نسرع إلىصنبور المياةفنضع رؤوسنا تحته، لنهدئ قليلاً وطأة الحر، وهذا باختصار هو العدو الإسرائيلي.
السجن والإبعاد الذي حمل كل هذا الألم، حمل معها أيضًا تجارب تدرس في فنون التحدي، كان فيها السجن مدرسة، تصقل وتؤهل الأسير، حتى يخرج من جديد أكثر قوة، وهذا أخر فصول الحكاية، الذي يرويه الأسير المحرر في الحلقة القادمة.
ماجد المصري لـ«اليوم» 1: حولنا السجون إلى مدارس ثورية لاستكمال النضال
ماجد المصري لليوم 2: أهل مصر استقبلونا كأنهم أهلنا بالضفة الغربية
أيام الكمد والعذاب 2… أسطورة نفق الحرية تهدم أسطورة الاحتلال الأمنية
أيام الكمد والعذاب 2… أسطورة نفق الحرية تهدم أسطورة الاحتلال الأمنية



