تقرير: مروة محي الدين
خسر “فرانسوا بايرو”- رئيس الحكومة الفرنسية- اليوم (الإثنين) تصويت طرح الثقة الذي طلبه من البرلمان، حيث سقطت الحكومة بمجموع 364 صوتا بنسبة 72.8% من الأصوات ضدها، مقابل 194 صوتا بنسبة 27.2% من الأصوات داعما له، وامتنع 19 نائبا عن التصويت- وفقًأ لما أعلنته “يائير براون بيفيه” رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية.
وكان “بايرو” قد ألقى خطابا لتوضيح موقف الحكومة أمام البرلمان، في الثالثة من عصر اليوم، قال فيه: إن “فرنسا تزداد فقرا يوما بعد آخر، لكن إسقاط الحكومة لن يزيل الخطر”؛ فيما بدأ التصويت على الثقة في الحكومة في السابعة مساء.
سابقة لم تحدث
جاء التصويت الذي أسقط الحكومة بهذه الأغلبية الكاسحة، ليكون سابقة تحدث للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة منذ 1958، ما يراه الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي المقيم في باريس: “يعكس انهيارًا كاملًا لشرعية النخبة الحاكمة”.
حيث اتحدت أحزاب المعارضة: التجمع الوطني بقيادة “مارين لوبان”، وفرنسا الأبية بقيادة “جان لوك ميلانشون’، والحزب الاشتراكي؛ على اختلافاتها الأيديولوجية، ضد خطة التقشف التي تبنتها الحكومة.
مأزق الإليزيه
أعلن الإليزيه: أن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” سيعين رئيسا جديدا للحكومة خلال الأيام القادمة، ويرجح أن يعلن قراره خلال 48 ساعة؛ إذ يسلم “بايرو” استقالة الحكومة إلى رئيس الجمهورية صباح غد- الثلاثاء؛ ويكون على رئيس الحكومة المعين مهمة تشكيل باقي أعضاءها.
ويرجح “الألفي”: أن “ماكرون سيختار شخصية من المعارضة المعتدلة، مثل: بوريس فالو- من الحزب الاشتراكي، سعيًا منه لاسترضاء البرلمان؛ كما يحتمل أن يكلف الرئيس شخصا من محيطه السياسي الضيق”.
وتابع الحديث عما يمكن أن يقدم عليه الإليزيه، فقال: “ثمة احتمالات يلوح في الأفق، أن يقدم ماكرون على حل البرلمان، ويدعو لانتخابات مبكرة خلال 20-40 يومًا، لكن يبقى هذا الخيار محفوفًا بالمخاطر بسبب شعبية اليمين المتطرف”.
رد فعل شعبي
لما كان تصويت طرح الثقة يمثل جزءا من حالة غضب شعبي عامة في البلاد ضد النخبة الحاكمة، كان السؤال: هل يمتص هذا الإجراء غضب الشارع الفرنسي؟
وقد أجاب “الألفي” على ذلك التساؤل، فقال: “لا أعتقد ذلك نهائيًا، فاليوم وما يليه جزء من كل، والأمر في بدايته، وتلك مرحلة ضمن عدة مراحل قادمة”.
وبالفعل، رحبت أحزاب المعارضة بنتيجة التصويت، حيث وصفت “لوبان” النتيجة بأنها: نهاية معاناة مع حكومة شبحية، مطالبة بحل البرلمان؛ فيما أعلن “ميلانشون”: أن عهد ماكرون انتهى، مطالبًا باستقالته.
وفور إعلان نتيجة التصويت، انطلقت الاحتفالات في ساحات العاصمة باريس، بيد أن النقابات أكدت استمرار احتجاجات 10 سبتمبر، لضمان رحيل النظام السياسي بالكامل.
طفرة اقتصادية طفيفة
كانت أهم أسباب سقوط الحكومة، هي شروط تقشف بروكسل، الهادفة إلى خفض العجز إلى 3%، ما اعتبره الشارع تهديدًا للسيادة الفرنسية.
بيد أنه فور إعلان فشل الحكومة في كسب الثقة، شهد الوضع الاقتصادي تغيرا طفيفا، حيث بلغت عوائد السندات الفرنسية أعلى مستوى لها منذ 2012، فارتفعت إلى 3.8%، فيما انخفض اليورو بنسبة 1.5% مقابل الدولار.
سيناريوهات مستقبلية
“عندما تسقط النخب.. يولد من رحم المعاناة شعبٌ جديد”… هكذا علق “الألفي” على سؤال حول السيناريوهات المتوقع حدوثها، بعد سحب الثقة من الحكومة، حيث يرى فرنسا تمضي نحو واحد من سيناريوهات ثلاثة.
“الأول: أن يعين ماكرون رئيس وزراء من المعارضة المعتدلة، مثل: فالو، فيشكل حكومة وحدة وطنية وهو احتمال قائم بنسبة 20%؛ ويبقى التحدي أمامها أن الحكومة ستحتاج إلى موافقة البرلمان على ميزانية 2025 خلال أسابيع.
والثاني: وهو السيناريو المرجح بنسبة 50%، أن يتم حل البرلمان، وتذهب البلاد لانتخابات مبكرة، تدعو إليها في أكتوبر 2025؛ لكن التحدي الأكبر أمام هذا السيناريو أن تندفع فرنسا نحو أقصى اليمين أو أقصى اليسار، حيث تظهر استطلاعات الرأي تقدم التجمع الوطني بنسبة 33%، وفرنسا الأبية بنسبة 28%.
فيما يبقى احتمالا بنسبة 30% لتحقيق السيناريو الثالث، وهو اضطرار “ماكرون” للاستقالة، حال فشل في تشكيل حكومة، ليفتح الباب لانتخابات رئاسية مبكرة في 2026″.
تداعيات عابرة للحدود
يهدد سحب من الحكومة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث يدل على رفض شبي للإملاءات الخارجية، حيث يقول “الألفي”: ” إن أزمة فرنسا تهدد مشروع اليورو بأكمله، بسبب حجم ديونها البالغ 3.35 تريليون يورو، وترابطها الاقتصادي مع ألمانيا ودول الجنوب”.
وأضاف: “وهو ما قد ينسحب على العلاقات مع الولايات المتحدة، فعدم الاستقرار السياسي قد يعطل المفاوضات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا، لاسيما حول رسوم التكنولوجيا”.
واختتم تصريحاته قائلا: “هذا ليس مجرد سقوط حكومة، بل بداية نهاية نظام سياسي كامل قائم منذ شارل ديجول، فقد دخلت فرنسا مرحلة اللاستقرار الدائم، بعد فقدت النخبة شرعيتها، عقب رفض الشعب التقشف والإملاءات الأوروبية، وتصاعد المعارضة المتشددة”.
ولعل مجمل الأحداث في فرنسا لن يجملها الحديث في سطور، حيث تواجه بلاد الجن والملائكة اختبارا وجوديا، “تحدد فيه الأسابيع القادمة، إن كانت فرنسا ستشهد ثورة سلمية أم ستدخل في فوضى مستمرة”- كما يقول خبير الاقتصاد السياسي.
إقرأ:
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم